انشطار السلوك: قراءة في سيكولوجية الازدواجية
عزيز ملا هذال
2026-07-26 03:49
سلوك الإنسان هو أحد المعايير الرئيسية للحكم عليه، فحين تلاحظ سلوكياته يمكنك الحكم على كونه سوياً أم غير سوي. لكن هذا المعيار لم يعد كافياً وحده؛ فبعض البشر يحاولون وضع أنفسهم في إطار جميل ومثالي، لكنهم في حقيقتهم مختلفون تماماً عن هذه الصورة. هذه الحالة تُعرف نفسياً بـ "ازدواجية السلوك"، فما هو تعريف الازدواجية؟ وما آثارها على الفرد والمجتمع؟ وما أسبابها وكيف يمكن علاجها؟
تُعرّف الازدواجية سيكولوجياً على أنها: "انشطار في الأداء السلوكي، يحمي الفرد من خلاله صورته المثالية أمام المجتمع"، بينما يمارس في كواليسه الخاصة ما يمليه عليه واقع المصالح أو النزعات الفردية، تهرباً من النقد وتخفيفاً من وطأة الشعور بالذنب.
تُعد الازدواجية السلوكية واحدة من أعقد الظواهر النفسية والاجتماعية التي تضرب بجذورها في عمق المجتمعات المعاصرة، وتحديداً تلك البيئات التي تمر بمراحل انتقالية حادة بين مطرقة القيم التقليدية الموروثة وسندان الحداثة والعولمة الجارفة، وبالتالي يتسيد التصنّع الحياة الإنسانية وسط غياب لافت للواقعية التي باتت شبه مفقودة.
وتتجلى الازدواجية في التناقض الصارخ بين الذات الحقيقية المعلنة والذات الممارسة، وهو ما يمثل خطراً على البناء النفسي يهدد السلم الأهلي والتماسك الاجتماعي؛ حيث تتحول القيم العليا في المجتمع إلى مجرد أدوات استعراضية، أو مساحيق تجميلية يتم ارتداؤها في الفضاءات العامة وخلال التفاعلات الرسمية، بينما تسير الحياة الحقيقية في الخفاء وفق قوانين النفعية البراغماتية، والأنانية المطلقة، والمحسوبية.
انعكاسات الازدواجية على الإنسان والمجتمع
تبرز عدة آثار سلبية كنتيجة للازدواجية على مستويين متوازيين:
1. على صعيد الفرد:
سيطرة الصراع الداخلي والتوتر المزمن: يعيش الفرد في تذبذب دائم بين قيمتين متناقضتين يولد حالة من التنافر المعرفي. ويترجم هذا الصراع على شكل قلق دائم وخوف مستمر من انكشاف القناع أمام الآخرين، لئلا يفقد احترامه ومكانته الاجتماعية والوظيفية.
تآكل الهوية الأصيلة: مع مرور الوقت، يفقد الشخص القدرة على معرفة نفسه الحقيقية، فتذوب هويته المستقلة بين ما يريده هو فعلاً وبين الدور الذي يلعبه لإرضاء المجتمع، أو تحقيق مصلحة ما، أو البقاء في منطقة الراحة على أقل تقدير.
2. على صعيد المجتمع:
سيادة النفاق الاجتماعي والانتهازية: تصبح المداهنة والتملق الأدوات الأسرع للوصل وتحقيق المكاسب، بينما يتم تهميش أصحاب المبادئ الواضحة والصادقين، مما يقلب سلم القيم في المجتمع.
تولد أزمة الثقة: تعتبر الثقة المكون الأساسي الذي يجمع أفراد المجتمع معاً. وفي حال انتشار الازدواجية، يزداد سوء الفهم، وتتحول العلاقات إلى نفعية ومؤقتة؛ حيث يتشكك كل شخص في أن الآخر يخفي شيئاً غير ما يظهره، فتصاب العلاقات الإنسانية بالحذر مما يقلص مساحة الأمان النفسي.
التنشئة الاجتماعية المتناقضة: يتربى الجيل الجديد في بيئة تمارس انفصاماً كبيراً بين ما يُقال في المدارس ومن قِبل المربين والوالدين، وبين ما يُمارس في الشارع والبيت. هذا التناقض يربك البناء الأخلاقي للأبناء ويجعلهم إما متمردين على القيم أو خانعين يعيدون إنتاج الازدواجية ذاتها.
كيف نحدّ من الازدواجية السلوكية؟
1. تعزيز الوازع الأخلاقي الداخلي: تحويل الرقابة من خارجية (نظرة المجتمع وأحكامه) إلى داخلية نابعة من الضمير، ومخافة الله، والقيم الإنسانية الثابتة، والوازع الديني الحقيقي.
2. تعديل معايير التقييم المؤسسي: وضع منظومات تقييم عادلة وشفافة في المؤسسات تعتمد على الإنجاز الفعلي، وتكافح المحسوبية والتملق، بحيث لا يجد الانتهازي مكاناً للنمو بأقنعته المزيفة.
3. التخفيف من المظاهر والاستعراض: نشر ثقافة الواقعية في وسائل الإعلام والمنصات الرقمية، والابتعاد عن تسليط الضوء على النماذج التي تقدم "المثالية المصطنعة" كمعيار وحيد للنجاح في عصر يتسم بالمظاهر البراقة الخادعة.