النظام الدولي القديم يتفكك… لكن النظام الجديد لم يولد بعد

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-09-03 05:36

ليست التحولات الكبرى في النظام الدولي أحداثًا تقع في يوم واحد، ولا تصدر بشأنها شهادة وفاة لنظام قديم وشهادة ميلاد لنظام جديد. إنها عمليات تاريخية طويلة تتراكم خلالها التحولات في موازين القوة والاقتصاد والتكنولوجيا والتحالفات، إلى أن يكتشف العالم، أحيانًا متأخرًا، أن القواعد التي حكمته لعقود لم تعد قادرة على تنظيم الواقع الجديد.

من هذه الزاوية تكتسب المقالة التي نشرتها نيويورك تايمز في الأول من أيلول 2026 بعنوان «نظام عالمي جديد قادم، ونحن لسنا مستعدين» أهميتها. فالمهم في المقالة ليس فقط التفاصيل التي تقدمها، وإنما السؤال الكبير الذي تعكسه: هل دخل العالم فعلًا مرحلة انتهاء النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، ثم أعيد تشكيله بصورة أكثر أحادية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؟

يبدو أن الجواب يتجه بصورة متزايدة نحو نعم، ولكن مع إضافة ضرورية: النظام القديم يتفكك، بينما النظام الجديد لم يتشكل بصورة نهائية بعد.

كان النظام الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية يقوم على مجموعة من المؤسسات والقواعد وموازين القوة التي عكست في جوهرها نتائج تلك الحرب. ظهرت الأمم المتحدة ومجلس الأمن وصندوق النقد والبنك الدولي، وتشكل نظام اقتصادي عالمي تقوده القوى الغربية، ثم أدى انقسام العالم بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي إلى نظام ثنائي القطبية استمر حتى نهاية الحرب الباردة.

بانهيار الاتحاد السوفيتي سنة 1991 دخل العالم مرحلة مختلفة. لم تعد هناك قوة دولية مكافئة للولايات المتحدة، فتحولت الثنائية القطبية عمليًا إلى لحظة أحادية القطبية. امتلكت الولايات المتحدة تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا وتكنولوجيًا وسياسيًا استثنائيًا، وأصبحت القوة الأكثر قدرة على تحديد اتجاهات النظام الدولي.

لكن هذه اللحظة لم تكن نهاية التاريخ.

خلال العقود التالية كانت قوى أخرى تراكم عناصر قوتها بهدوء. تحولت الصين إلى قوة اقتصادية وتكنولوجية كبرى، واستعادت روسيا جزءًا من قدرتها على التأثير الاستراتيجي، وواصلت الهند صعودها الديموغرافي والاقتصادي، بينما أخذت قوى إقليمية متوسطة تبحث عن مساحات أوسع للاستقلال والحركة. وفي الوقت نفسه لم تعد أوروبا قادرة على التصرف دائمًا باعتبارها امتدادًا سياسيًا متجانسًا للقوة الأمريكية.

وهكذا بدأت المسافة تتسع بين بنية النظام الدولي الموروثة وبين التوزيع الفعلي للقوة في العالم.

وهذه، في تقديري، هي المشكلة الأساسية التي ينبغي الانتباه إليها.

فالأزمات التي نشاهدها اليوم ليست بالضرورة أزمات منفصلة: الحرب، والصراعات التجارية، والتنافس التكنولوجي، والعقوبات الاقتصادية، وإعادة بناء التحالفات، والصراع على الممرات البحرية ومصادر الطاقة وسلاسل الإمداد ليست سوى مظاهر مختلفة لتحول أعمق يجري داخل بنية النظام الدولي نفسه.

حين يتغير توزيع القوة، تبدأ القواعد القديمة بفقدان قدرتها على الضبط.

لكن تفكك النظام القديم لا يعني تلقائيًا قيام نظام أفضل.

وهنا تكمن خطورة المرحلة الراهنة.

فالعالم يعيش ما يمكن وصفه بـ مرحلة السيولة الدولية: لم تعد الأحادية القطبية القديمة قادرة على فرض انتظامها السابق، وفي الوقت نفسه لم تستقر بعد قواعد التعددية القطبية الجديدة. وهذه المراحل الانتقالية هي من أخطر مراحل التاريخ الدولي، لأن القوة تتحرك أسرع من المؤسسات، والطموحات تتحرك أسرع من القواعد، فيما تحاول الدول اختبار حدود بعضها بعضًا.

ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العالم يتجه نحو نظام دولي جديد؛ فمؤشرات هذا الانتقال أصبحت كثيرة. السؤال الأهم هو: أي نظام دولي سوف يولد؟

هناك فرق كبير بين عالم متعدد الأقطاب وعالم متعدد مراكز الصراع. فالتعددية القطبية قد تنتج نوعًا من التوازن والتعاون إذا نشأت معها قواعد ومؤسسات جديدة لإدارة المصالح المتعارضة. لكنها قد تتحول أيضًا إلى تنافس مفتوح بين القوى الكبرى، بحيث تنقسم مناطق العالم إلى ساحات نفوذ ومجالات صراع.

ومن منظور الفلسفة الحضارية، لا يكفي قياس النظام الدولي بعدد أقطابه. المعيار الأهم هو مقدار القيمة الحضارية التي يستطيع إنتاجها للبشر ومقدار الهدر الذي يستطيع تقليله. فإذا انتقل العالم من هيمنة قوة واحدة إلى صراع خمس قوى على الهيمنة، فإننا نكون قد غيرنا توزيع القوة دون أن نرتقي بالضرورة بالنظام الدولي.

النظام الدولي الأكثر تقدمًا ليس النظام الذي تتعدد فيه القوى فقط، وإنما الذي تتحول فيه القوة نفسها من وسيلة للهيمنة إلى أداة لتنظيم التعاون وحماية المصالح المشتركة للبشر.

وهنا تظهر أهمية التحولات الحالية بالنسبة إلى الشرق الأوسط.

فإذا كان النظام الدولي القديم يتفكك بالفعل، فإن دول المنطقة لا ينبغي أن تنتظر اكتمال النظام الجديد لكي تبحث بعد ذلك عن مكان لها داخله. الدول والمناطق التي تدرك لحظات التحول التاريخي مبكرًا تستطيع المشاركة في صناعة موقعها، أما التي تنتظر حتى تستقر موازين القوى فإنها تجد نفسها غالبًا داخل نظام صنعه الآخرون.

ولذلك تصبح الدعوة إلى بناء فضاء شرق أوسطي للمواطنة والمصالح والتنمية والأمن المشترك أكثر من مشروع إقليمي. إنها استجابة استراتيجية لتحول عالمي أكبر.

فالشرق الأوسط الذي يدخل النظام الدولي الجديد بوصفه مجموعة دول متنازعة، تعتمد كل واحدة منها على قوة دولية مختلفة لحمايتها من جيرانها، سوف يبقى ساحة تتنافس عليها القوى الكبرى. أما الشرق الأوسط الذي يستطيع بناء شبكة متدرجة من المصالح الاقتصادية والتعاون السياسي والترابط الأمني فسوف يتحول تدريجيًا من موضوع في النظام الدولي إلى فاعل فيه.

ولا يعني ذلك إقامة كتلة معادية للولايات المتحدة أو الصين أو روسيا أو أوروبا. العكس هو المطلوب. المنطقة تحتاج إلى علاقات متوازنة مع جميع مراكز القوة الدولية، بحيث لا تصبح جزءًا تابعًا لأي محور منها. فالاستقلال الاستراتيجي لا يعني العزلة، وإنما يعني القدرة على تعدد العلاقات دون الوقوع في التبعية.

ومن هنا يمكن النظر إلى المرحلة الراهنة باعتبارها لحظة خطر وفرصة في الوقت نفسه.

الخطر أن يتفكك النظام القديم قبل الاتفاق على قواعد النظام الجديد، فتدخل البشرية مرحلة طويلة من الصراعات على إعادة توزيع القوة والنفوذ. والفرصة أن تدرك الدول والمجتمعات أن العالم لم يعد مضطرًا إلى إعادة إنتاج النماذج القديمة نفسها، وأن تعدد مراكز القوة يمكن أن يكون مقدمة لنظام دولي أكثر توازنًا وعدالة إذا ترافق مع بناء مؤسسات وقواعد جديدة.

إن عنوان مقالة نيويورك تايمز يقول إن «نظامًا عالميًا جديدًا قادم، ونحن لسنا مستعدين». وربما ينبغي أن نذهب أبعد من ذلك قليلًا.

النظام العالمي الجديد لا يأتي جاهزًا. إنه يُصنع.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرحه الشرق الأوسط على نفسه منذ الآن ليس: كيف سنتكيف مع النظام الدولي الجديد عندما يظهر؟

بل: كيف نشارك في صناعته، وأي موقع نريد أن نحتله فيه؟

فهذه المرة، ينبغي ألا يكون الشرق الأوسط مجرد رقعة على خريطة النظام العالمي الجديد، وإنما أحد المشاركين في رسم هذه الخريطة.

ذات صلة

الصراع المتأجج بين القول والعملحذف الأصفار من العملة العراقية في عصر الفوضى الاقتصادية.. هل تُمثّل حلًا؟التصعيد المنضبط.. المعادلة الجديدة في الصراع الأميركي الإيرانيهل تصنع اللذات العاجلة تخلف الإنسان؟انعكاسات توجهات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي