الصراع المتأجج بين القول والعمل
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-09-03 05:40
(الذي يقول ولا يعمل، لا يبلغ إلى درجة من يعمل)
سماحة المرجع الشيرازي
الإمام زين العابدين صلوات الله عليه كشف في أحاديثه الشريفة حقائق كبرى ترسم مسار الإنسان في هذه الحياة، وتكشف عن قيمة العمل ومكانته بالنسبة للإنسان، وحين أشار عليه السلام إلى أن "الجنة درجات"، كان يرسخ مفهوماً إيمانياً عميقاً مفاده أن هذه الدنيا ما هي إلا دار اختبار وامتحان وابتلاء، يخوض فيها المرء تجارب ومحن يسيرة ويخوض محنا أخرى يصعب عليه تحملها والصبر عليها.
لقد جعل الله تعالى التفاوت في درجات النعيم الأبدي مقترناً بمقدار ما يبديه المرء من طاعة وصبر وجهاد لنفسه في مواجهة هذه الابتلاءات الدنيوية، وفي السياق نفسه، يأتي قوله عليه السلام: "فدرجة أهل الفعل لا يدركها أحد من أهل القول، ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم" ليضع حداً فاصلاً بين الشعارات الجوفاء والتطبيق العملي لها.
فالإمام ينبه الأصحاب والأمة إلى وجدانية الفارق بين من يكتفي بالحديث النظري وادعاء الصلاح، وبين من يترجم إيمانه إلى أفعال ومواقف ملموسة تثبت صدق نيته، وهكذا فإن مجرد القول لا يرفع صاحبه إلى مراتب المقربين، بل إن من الناس من يتقنون الكلام ويعجزون عن الفعل، فتصبح أقوالهم حجة عليهم لا لهم.
وبذلك يربط سليل النبوة بين تحمل ابتلاءات الدنيا والتزام منهج العمل السليم، مؤكداً أن الفوز بدرجات الجنة العالية يُطلب بالسعي الحثيث والجهد الصادق لا بمجرد الأماني والكلمات.
سماحة المرجع الدني الكبير آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها التضحية للعمل بالواجبات الشرعية:
(لقد بيّن الإمام زين العابدين صلوات الله عليه من قوله (إنّ الجنّة درجات) للأصحاب، بأنّ الدنيا هي دار اختبار وامتحان وابتلاء. فالإنسان يبتلى في الدنيا بأمور يصعب عليه تحمّلها. وكذلك عنى الإمام السجّاد صلوات الله عليه من قوله (فدرجة أهل الفعل لا يُدركها أحد من أهل القول ودرجة أهل القول لا يدركها غيرهم) أنّه هناك ناس يقولون ولا يعملون).
المواجهة مستمرة مع مغريات الحياة
إن الالتزام بالوظائف الشرعية مساراً يكتنفه الكثير من المشقة والتحديات، فهو يضع الإنسان في مواجهة مستمرة مع متطلبات التكليف ومغريات الحياة، حيث تتجلى هذه الصعوبة في المنعطفات الحادة التي يمر بها المرء، وعلى رأسها ضغط الشهوات والأهواء والنوازع النفسية التي تدفعه نحو استسهال المعصية أو التهاون في الحدود.
وحين يواجه الإنسان المشاكل والضغوط اليومية، يصبح التمسك بالحق وتجنب المحرمات امتحاناً عسيراً، فالامتناع عن قول الحرام والكف عن أكل المال الحرام أو أخذه، واجتناب الأفعال المحرمة، يفرض على السالك تضحيات جمة قد تثقل كاهله، لأن هذا الانضباط الدقيق والامتثال الصارم يتطلب إرادة فولاذية وصابرة، تماثل تماماً في صعوبتها وثقلها تجشم القبض على الجمرة بكف اليد، حيث يتطلب الصبر على حرارة التكليف ثباتاً يقي المرء الانزلاق في الشبهات والشهوات.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(إنّ العمل بالوظائف الشرعية، أمر صعب جدّاً لأنّه هناك منعطفات، ومنه الشهوات التي تضغط على المرء، وأحياناً يقع في بعض المشاكل، فإذا أراد أن لا يقول الحرام، ولا يأكل الحرام، ولا يأخذ الحرام، ولا يعمل الحرام، لا شكّ يصعب عليه تحمّله، مثل تحمّل الجمرة في الكف).
كما إن التكليف بالآمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمثل مسؤولية شرعية وأخلاقية عظيمة، قد تتطلب من المكلَّف بذل الغالي والنفيس وتقديم التضحيات الجسام في سبيل إعلاء الحق، فهذه الفريضة لا تخلو من المشاكل الكبيرة والتحديات القاسية، إذ قد تكلف المرء أمواله ونفسه، وتجر عليه صنوفاً من الحرمان والمواجهة مع أهل الباطل.
وقد تجلت هذه الحقيقة بأبهى صورها وأشكلها في سيرة الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم، الذين حملوا لواء الإصلاح وتحملوا في سبيله أشد أنواع الظلم والتضييق، واحتملوا بلاءً عظيماً حفاظاً على الدين، حتى تجسد مسار تضحياتهم الخالدة فيما ورد في الحديث الشريف عنهم: (ما منا إلا مسموم أو مقتول).
لذا يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(قد يكلّف الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الأموال والنفوس، ويسبّب المشاكل الكبيرة، كما لحق الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم المشاكل الكبيرة، والحرمان الكبير، حتى وصل إلى ما ورد في الحديث الشريف عنهم صلوات الله عليهم: ما منّا إلاّ مسموم أو مقتول).
ويذكر لنا التاريخ بأن الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم تعرضوا عبر تاريخهم للقتل والتسميم على أيدي حكام الجور والظلم، ولم يكن ذلك إلا ثمرة لموقفهم الرسالي الصادق في أداء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك لأن السلاطين الطغاة أدركوا بأن دعوة الأئمة لا تقف عند حدود النصح الفردي، بل تشكل تعرية شاملة للانحراف والفساد السياسي والاجتماعي، ودعوة لمواجهة الاستبداد وإقامة العدل.
متى ينال المرء الفوز والرضوان
هذا النهج الإصلاحي الصلب جعل الأئمة صلوات الله عليهم في مواجهة مباشرة مع سلطات الباطل، مما دفع الحكام لاستعمال أقصى درجات البطش والغدر بالتصفية والقتل، ليقدم أهل البيت أرواحهم الطاهرة قرباناً لحفظ مفاهيم الدين وصيانة الشريعة.
سماحة المرجع الشيرازي يتساءل فيقول:
(لماذا كان الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم يسمّون ويقتلون؟ كل ذلك لأجل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لسلاطين وأئمة الجور).
وكل هذا يعني بأن الثبات على نهج الاستقامة والالتزام بالدين يشكل اختباراً روحياً وأخلاقياً يضع المؤمن والمؤمنة أمام تحديات قاسية ومواقف مفصلية، فالتمسك بما فرض الله تعالى وعدم الانحراف عن طريق الحق لا يأتي بغير كلفة، بل يتطلب تقديم تضحيات كبيرة تمس جوانب مختلفة من حياة الإنسان ومصالحه، وفي زمن تتلاطم فيه الفتن وتكُثر المغريات والضغوط الاجتماعية والإيمانية، يصبح التديّن الواعي مساراً مكلفاً يختبر صبر المرء وقوة إرادته.
لذا فإن هذا الالتزام الصارم يفرز تمايزاً حقيقياً في جوهر الإيمان، حيث يحتاج السالك إلى استحضار اليقين الراسخ والتضحية بالرغبات العاجلة والمكاسب الزائفة والشهوات الزائلة في سبيل نيل رضا الله تعالى، وهكذا تغدو الاستقامة تجربة جهادية مستمرة، تكلف صاحبها الكثير لكنها تضمن له ثبات القدم ورفعة الميزان يوم الجزاء.
حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي دام ظله على:
(إن الاستقامة تكلّف المؤمن والمؤمنة، تضحيات كبيرة. وفي هذه الموارد وأمثالها، يكون الالتزام بالدين والتديّن والثبات على ما فرض الله تعالى على الإنسان، مكلف، بل ويكلف الإنسان الكثير).
تجسد المفاهيم السابقة حقيقة إيمانية ثابتة مفادها أن جوهر الدين يكمن في صدق الاتباع وعمق التجربة العملية، لا في مجرد الادعاء وتزويق القول، فبينما يكتفي البعض بالشعارات اللفظية التي لا تكلف صاحبها شيئاً، يتحمل أهل الفعل واليقين عبء الاستقامة والتكليف الشاق، فيواجهون ضغط الشهوات وتحديات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ذلك لأنهم يتأسون بالأئمة الأطهار صلوات الله عليهم في بذل النفوس والأموال، وهذا يدل على أن الفارق بين أهل القول وأهل الفعل هو الذي يحدد درجات الجنة ومنازل القرب الإلهي، فبالعمل الصابر وتجسيد القيم ميدانياً تترجم العقيدة إلى واقع ينال به المرء الفوز والرضوان.