التصعيد المنضبط.. المعادلة الجديدة في الصراع الأميركي الإيراني
محمد مهدي صالح
2026-09-03 05:30
أعادت جولة الضربات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مستوى التوتر إلى ما كان عليه خلال مراحل التصعيد السابقة، لكنها لم تغير حتى الآن الطبيعة السياسية للمواجهة التي دخلت شهرها السابع؛ فالحرب مستمرة، والعمليات العسكرية لم تتوقف نهائياً، والضغط الاقتصادي يتصاعد، فيما بقيت مساحة التفاوض قائمة من دون أن تتحول إلى اتفاق قادر على إنهاء النزاع. وبين هذه المسارات المتوازية أخذ يتشكل وضع سياسي يصعب وضعه ضمن التعريف التقليدي للحرب أو السلام، لأن الطرفين يستخدمان القوة بصورة مباشرة، لكنهما ما زالا يحاولان التحكم في حجم المواجهة ومنعها من التحول إلى صدام مفتوح يصعب تحديد حدوده الجغرافية والزمنية.
شهد الأول والثاني من سبتمبر/أيلول أكبر تبادل للنيران بين الجانبين منذ يوليو/تموز، إذ قالت القوات الأميركية إنها استهدفت دفاعات جوية ورادارات وقدرات بحرية ومواقع مرتبطة بالألغام والاتصالات الإيرانية، فيما ردت طهران بضرب أهداف وقواعد أميركية في أنحاء مختلفة من المنطقة. ورافق العمليات تبادل للتهديدات، مع تأكيد كل جانب أن تحركاته جاءت رداً على عمليات الطرف الآخر، بما يعكس استمرار معادلة عسكرية تقوم على الرد والرد المضاد أكثر مما تقوم على حملة متواصلة بهدف الوصول إلى نهاية سريعة للحرب.
هذه المعادلة العسكرية تتحرك إلى جانب معادلة سياسية أكثر تعقيداً، إذ لا تتعامل واشنطن مع العمليات العسكرية باعتبارها الأداة الوحيدة لتحقيق أهدافها، كما لا تتعامل طهران مع الرد العسكري باعتباره المسار الوحيد لمواجهة الضغط الأميركي. ففي الوقت الذي تجدد فيه الولايات المتحدة ضرباتها، تدفع أطراف بارزة داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب نحو إبقاء مستوى المواجهة تحت السيطرة قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني، مع زيادة الاعتماد على الضغط الاقتصادي والعقوبات والحصار للحصول على تنازلات إيرانية يمكن استخدامها في أي مفاوضات لاحقة.
ونقلت رويترز عن أربعة أشخاص مطلعين على المناقشات داخل الإدارة أن مسؤولين في البيت الأبيض يفضلون في المرحلة الحالية تجنب العودة إلى مستويات القتال الواسعة التي شهدتها مراحل سابقة، بينما يمكن إعادة النظر في حجم العمليات بعد الانتخابات تبعاً للظروف. ولا يعني ذلك أن واشنطن تخلت عن الخيار العسكري، إذ أكدت الإدارة استعدادها للرد على العمليات الإيرانية، بل يكشف أن إدارة الحرب أصبحت مرتبطة بمجموعة أوسع من الاعتبارات السياسية والعسكرية والاقتصادية، بعدما تجاوز النزاع مرحلته الأولى وأصبح استمرار القتال نفسه عاملاً في الحسابات الداخلية الأميركية.
داخل الولايات المتحدة، تبرز كلفة الحرب بوصفها جزءاً من النقاش السياسي، وليس دليلاً منفرداً على اتجاه نتيجة المواجهة. فقد أظهرت استطلاعات رويترز/إبسوس في أواخر أغسطس/آب أن 31% من الأميركيين يؤيدون الحرب مقابل 63% يعارضونها، في وقت أصبحت فيه أسعار الوقود وتأثيرات الصراع الاقتصادية جزءاً من البيئة الانتخابية. ومع ذلك، تحتفظ الإدارة بقدرة سياسية وعسكرية كبيرة على مواصلة العمليات، كما أن موقفها الرسمي لا يزال يعتبر الضغط على إيران ضرورة مرتبطة بالمصالح الأمنية الأميركية والبرنامج النووي ومسألة حماية القوات والملاحة.
أما داخل المؤسسة العسكرية الأميركية، فقد فتح استمرار الحرب نقاشاً حول توزيع القوات والذخائر والجاهزية في مناطق أخرى من العالم. وأوردت اكسيوس أن قادة عسكريين اعترضوا على تمديد انتشار بعض القوات بسبب تأثيره المحتمل في الالتزامات الأميركية في أوروبا والمحيط الهادئ وأماكن أخرى، كما نقلت تقارير عن استهلاك نسبة كبيرة من بعض أنواع الذخائر الاعتراضية خلال الحرب. وزارة الدفاع رفضت في المقابل الحديث عن نقص يهدد قدرة القوات الأميركية على تنفيذ مهامها، وقالت إن لديها ترسانة جاهزة وكافية، ما يجعل القضية جزءاً من نقاش يتعلق باستدامة حرب طويلة وتوزيع الموارد العسكرية، وليس حكماً على قدرة الولايات المتحدة على مواصلة القتال.
على الجانب الإيراني، تتحرك السياسة ضمن ضغوط مختلفة في طبيعتها. فالعمليات العسكرية الأميركية والحصار البحري والعقوبات أدت إلى تضييق حركة التجارة النفطية الإيرانية وفرضت عبئاً إضافياً على الاقتصاد، بينما تستخدم طهران قدرتها الصاروخية والبحرية وموقعها على مضيق هرمز للحفاظ على أوراق ضغط عسكرية واقتصادية لا تعتمد على تحقيق تكافؤ تقليدي مع القوات الأميركية.
وتشير بيانات نقلتها رويترز إلى انخفاض حاد في صادرات النفط الإيراني عبر مضيق هرمز بعد إعادة فرض الحصار البحري الأميركي في يوليو/تموز، إذ هبطت تحميلات الخام من نحو مليوني برميل يومياً في مارس/آذار إلى مستويات تراوحت بين 220 و255 ألف برميل يومياً في أغسطس/آب وفق تقديرات شركات متخصصة في تتبع حركة الشحن. وتقول واشنطن إن هذه الإجراءات جزء من استراتيجية تضييق موارد طهران المالية، بينما تقول السلطات الإيرانية إن لديها احتياطيات وقدرات مالية تسمح لها بمواجهة الضغط، وقد أعلن محافظ البنك المركزي الإيراني استعداد البنك لضخ ما يصل إلى ملياري دولار في سوق الصرف إذا اقتضت الحاجة.
ولا تختصر المؤشرات الاقتصادية وحدها الموقف السياسي الإيراني، لأن طهران تواصل ربط الملف الاقتصادي بالملف الأمني وبشروط إنهاء الحرب، كما لم تغلق باب المفاوضات مع الولايات المتحدة. الرئيس مسعود بزشكيان أعلن أن إيران مستعدة للرد بصورة فورية ومماثلة إذا عادت واشنطن إلى الالتزام بمذكرة التفاهم التي انهارت في يونيو/حزيران، وهو موقف يضع التفاوض ضمن أدوات السياسة الإيرانية بالتوازي مع استمرار الرد العسكري، بدلاً من التعامل معه باعتباره بديلاً لا يبدأ إلا بعد توقف القتال بصورة كاملة.
وتصبح هذه الازدواجية واضحة لدى الطرفين؛ فالولايات المتحدة تجمع بين العمليات العسكرية والحصار والعقوبات والحديث عن تفاوض مستقبلي، بينما تجمع إيران بين الردود العسكرية والضغط عبر الملاحة وإعلان استعدادها للعودة إلى تفاهم سياسي بشروط. ولا يبدو أن أي طرف يرى تناقضاً بين استخدام القوة وإبقاء باب التفاوض مفتوحاً، لأن العمليات الميدانية نفسها أصبحت جزءاً من محاولة تحسين الموقع السياسي لكل جانب قبل أي تسوية محتملة.
مضيق هرمز يمثل أكثر نقاط هذه المواجهة حساسية، لأنه ينقل نتائجها من العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران إلى الاقتصاد العالمي ودول الخليج وآسيا. وأظهرت بيانات شركة كبلر أن أربع سفن للسلع فقط عبرت المضيق يوم الثلاثاء، مقابل عشر سفن في اليوم السابق ومتوسط يقارب 13 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة، في وقت قال فيه الحرس الثوري إن الضربات الأميركية ستؤدي إلى تشديد القيود على حركة المرور في الممر البحري الذي كان يعبره قبل الحرب نحو خُمس استهلاك النفط العالمي.
ولم تعد تداعيات هرمز مقتصرة على أعداد السفن العابرة، بعدما بدأت شركات الطاقة في تغيير طرق وأساليب نقل الشحنات. فقد شهدت المنطقة عمليات نادرة لنقل شحنات من الغاز الطبيعي المسال القطري والإماراتي بين السفن خارج المضيق، بهدف إيصالها إلى أسواق في الهند واليابان، وهي ترتيبات تعكس اتساع الأثر التجاري للحرب وقدرة استمرار التوتر على فرض تغييرات عملية في تجارة الطاقة حتى خلال الفترات التي ينخفض فيها حجم العمليات العسكرية.
وتؤدي هذه الجبهة البحرية وظيفة سياسية بالنسبة إلى الطرفين. الولايات المتحدة تسعى إلى منع تحول هرمز إلى مساحة تستطيع إيران من خلالها التحكم بحركة التجارة والطاقة، بينما تنظر طهران إلى قدرتها على التأثير في المضيق باعتبارها جزءاً من أوراقها في مواجهة الحصار والضغط العسكري. غير أن استمرار الاضطراب لا يترك تأثيراته على طرف واحد، لأن الاقتصاد الإيراني نفسه يعتمد على الممرات البحرية، فيما تواجه الولايات المتحدة انعكاسات ارتفاع أسعار الطاقة على اقتصادها وسياستها الداخلية.
وقد ارتفع خام برنت في الثاني من سبتمبر/أيلول إلى 95.63 دولاراً للبرميل، بينما وصل الخام الأميركي إلى 91.01 دولاراً، بعد تجدد العمليات العسكرية والمخاوف المتعلقة بالإمدادات. وفي الوقت نفسه ساهم ارتفاع صادرات العراق وإمدادات منتجين آخرين ومسارات بديلة في تقليل حجم الاضطراب، ما أبقى السوق في حالة تذبذب بدلاً من حدوث انقطاع شامل في الإمدادات.
وتضع هذه التطورات دول المنطقة في موقع سياسي بالغ الحساسية، فالقواعد الأميركية المنتشرة في العراق والبحرين والكويت والأردن وغيرها تمنح واشنطن قدرة على إدارة عملياتها وحماية مصالحها، لكنها تجعل هذه المواقع جزءاً من حسابات الرد الإيراني. وفي الوقت ذاته تعتمد اقتصادات عدة في الخليج على استقرار الملاحة وتدفق النفط والغاز، وهو ما يجعل توسع الحرب مسألة تتجاوز العلاقة بين طهران وواشنطن وتمس بصورة مباشرة أمن الدول التي توجد القوات والمنشآت الأميركية على أراضيها أو بالقرب منها.
وقد دفعت هذه الحسابات دولاً خليجية إلى تشجيع خفض التصعيد، وفق ما نقلته رويترز عن دبلوماسيين إقليميين، حتى في حالات كانت فيها بعض هذه الدول ترى أن إضعاف القدرات الإيرانية يخدم مصالحها الأمنية. فالاختلاف مع إيران حول ملفات الإقليم لا يلغي حقيقة أن حرباً طويلة حول هرمز والقواعد العسكرية ومنشآت الطاقة يمكن أن تضع الاقتصادات الخليجية أمام كلفة أمنية ومالية لا ترتبط مباشرة بأهدافها السياسية.
وفي المقابل، تحاول إيران منع عزلها سياسياً عن القوى الدولية غير الغربية، وهو ما ظهر خلال اجتماعات منظمة شنغهاي للتعاون، حيث اجتمع بزشكيان مع قادة الصين وروسيا والهند، وصدر عن المنظمة موقف يدين الضربات على الأراضي الإيرانية ويدعم حق إيران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية. لكن المواقف السياسية الداعمة لا تعني بالضرورة تبني هذه الدول لجميع خيارات طهران أو استعدادها للدخول في مواجهة مع واشنطن دفاعاً عنها، مثلما أن العلاقات الأميركية مع دول الخليج لا تعني تطابق مصالح جميع هذه الدول مع كل مرحلة من مراحل السياسة الأميركية تجاه إيران.
هنا تتشكل إحدى السمات السياسية الأساسية للمواجهة الراهنة: الحرب لا تدور بين جبهتين متماسكتين بالكامل، وإنما ضمن شبكة من المصالح المتقاطعة، حيث تدعم قوى دولية وإقليمية بعض مواقف الطرفين من دون أن تتبنى بالضرورة جميع أهدافهما، وتعمل دول أخرى على حماية علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع واشنطن وطهران في الوقت نفسه، فيما تدفع أسعار الطاقة وحركة التجارة والمصالح المحلية الحكومات إلى تعديل مواقفها وفق تطورات المواجهة.
وبعد ستة أشهر من القتال، لم تعد القضية مرتبطة فقط بحجم القوة العسكرية التي يستطيع كل طرف استخدامها، وإنما بالنتيجة السياسية التي يمكن لهذه القوة أن تنتجها. الولايات المتحدة استطاعت توجيه ضربات واسعة وفرض حصار وضغوط مالية على إيران، بينما احتفظت طهران بقدرتها على الرد واستهداف مصالح أميركية والتأثير في حركة هرمز. وفي الوقت نفسه لم ينتقل الطرفان إلى تسوية سياسية مستقرة، ولم تتحول العمليات العسكرية إلى مواجهة متواصلة تستخدم فيها جميع القدرات المتاحة بلا قيود.
لهذا أصبحت إدارة مستوى الحرب جزءاً من السياسة نفسها. واشنطن تضغط عسكرياً واقتصادياً لكنها تعمل أيضاً على ضبط توقيت التصعيد وفق اعتبارات داخلية وإقليمية، وطهران ترد عسكرياً وتستخدم موقعها البحري لكنها تبقي في خطابها السياسي مساحة لاتفاق يعيد ترتيب العلاقة مع الولايات المتحدة. وفي ظل هذا التداخل لا تعني فترة الهدوء انتهاء المواجهة، مثلما لا يعني تجدد الضربات أن الطرفين قررا بالضرورة الانتقال إلى حرب بلا حدود.
المعضلة السياسية القائمة تتمثل في أن شروط العودة إلى السلام لم تنضج بعد، بينما تبدو كلفة الحرب الشاملة مرتفعة بالنسبة إلى جميع الأطراف المتصلة بها. وبين هذين الحدين تتسع مساحة ثالثة تشمل الضربات المحدودة والحصار والعقوبات والردود العسكرية والتهديدات والمفاوضات غير المكتملة، وهي مساحة قد تستمر طالما بقي كل طرف مقتنعاً بقدرته على تحسين موقعه من دون الانتقال إلى الحد الأقصى من الحرب أو تقديم التنازلات اللازمة لتسوية نهائية.
وبذلك لا يبدو الوضع الحالي سلاماً مؤجلاً بقدر ما يمثل مرحلة سياسية مستقلة في مسار الصراع، تتعايش فيها القوة العسكرية مع الدبلوماسية، والحصار مع التفاوض، وعمليات الرد مع محاولات خفض التصعيد. مستقبل هذه المرحلة سيبقى مرتبطاً بقدرة الطرفين على تحويل ما يملكانه من أدوات عسكرية واقتصادية إلى صيغة سياسية يمكن قبولها، أما إلى حين حدوث ذلك فستظل المواجهة مفتوحة، لكن ضمن حدود تتغير باستمرار ولا يرغب أي طرف حتى الآن في الإعلان أن تجاوزها أصبح هدفاً بحد ذاته.