حذف الأصفار من العملة العراقية في عصر الفوضى الاقتصادية.. هل تُمثّل حلًا؟

د. سلطان جاسم النصراوي

2026-09-03 05:38

سياسة حذف الأصفار (Redenomination) هي عملية إدارية وتنظيمية تقوم بها البنوك المركزية لإعادة هيكلة العملة الوطنية عن طريق تقليل أو حذف عدد من الأصفار من عملتها، بحيث تُستبدل وحدات العملة الوطنية القديمة بوحدات جديدة بقيمة اسمية أقل، مع الحفاظ التام على القيمة الشرائية للسلع.

وعادة ما تلجأ البنوك المركزية إلى هذه الإجراءات التنظيمية لمعالجة حالة عدم الاستقرار النقدي، ومواجهة موجات التضخم العالية، والتراجع الحاد في القوة الشرائية للعملة. وقد لجأت العديد من دول العالم إلى اتباع هذا الإجراء نتيجة للضغوط التضخمية الكبيرة التي كانت تعاني منها، مثل ألمانيا، والبرازيل، وتركيا، وفنزويلا، والأرجنتين، وكوريا الشمالية، ورومانيا، وغانا، وإيران، وغيرها، ونجحت في مسعاها لتحقيق الاستقرار النقدي (1).

وفي سياق الظروف الاقتصادية الصعبة التي يمر بها العراق، ونتيجة التوترات الجيوسياسية والحرب وتبعات الحرب الصهيونية - الأمريكية مع إيران، وإغلاق مضيق هرمز، والتوقف شبه التام للصادرات النفطية، وتراجع الإيرادات المالية للبلد، عاد من جديد الحديث عن عملية حذف الأصفار من العملة العراقية.

واتصالًا بما سبق، طرح العديد من المختصين ضرورة حذف ثلاثة أصفار من العملة المحلية، وهناك من دعا إلى حذف صفرين... إلخ، وقد تناثرت الكثير من الأفكار والرؤى وبشكل غير علمي حول هذا الموضوع، بل ذهب البعض إلى اقتراح العملة الرقمية، وذهب البعض الآخر إلى أنها تؤدي إلى معالجة التضخم، وذهب آخرون إلى أنها تمثل حلًا لظاهرة الاكتناز، وتعيد النقد الموجود لدى الأفراد إلى الدورة المصرفية.

وتجدر الإشارة إلى أن فكرة عملية حذف الأصفار طرحها البنك المركزي العراقي لأول مرة في عام 2007، وذلك كجزء من خطة لإصلاح النظام النقدي وإدارة التضخم الجامح الذي ورثه العراق من الحقبة الدكتاتورية السابقة، وقد أعلن البنك المركزي عن إعداد دراسة شاملة لإعادة هيكلة العملة الوطنية وحذف ثلاثة أصفار لتسهيل المعاملات التجارية وتقليل حجم الكتلة النقدية، وكان من المقرر تنفيذها تدريجيًا، إلا أن الظروف الأمنية والتحديات الاقتصادية الصعبة التي واجهها العراق أدت إلى إرجاء الفكرة مرات عدة للحفاظ على الاستقرار المالي والنقدي.

ومن الناحية الاقتصادية، وكما تشير إليه الأدبيات الاقتصادية، فإن عملية حذف الأصفار لا تعني بأي شكل من الأشكال رفع القيمة الحقيقية للعملة، فإذا حُذفت ثلاثة أصفار من عملة معينة مثلًا، فإن 1000 دينار تصبح الوحدة النقدية الجديدة دينارًا واحدًا فقط، فالموظف الذي يتقاضى مليون دينار سيستلم ألف دينار بالعملة الجديدة، والسلعة التي كان سعرها 10000 دينار يصبح سعرها 10 دنانير، كما أنها لا تؤدي إلى زيادة السيولة المتاحة داخل المصارف؛ لأن الأموال المكتنزة يمكن أن تتحول ببساطة إلى أوراق نقدية جديدة، إذا لم ترافق ذلك إجراءات تنظيمية تؤدي بهذه النقود إلى الدخول إلى المصارف.

أما بالنسبة للحجة القائلة إن حذف الأصفار من شأنه أن يكشف الأموال غير المشروعة، فإذا ما تم الإعلان عن عملة جديدة ومدة استبدال معينة، فإن حائزي الكميات الكبيرة من النقد سيكونون أمام ضرورة إدخالها إلى النظام المصرفي أو استبدالها وفق إجراءات رسمية. وهنا يجب القول إن حذف الأصفار لا يكشف الأموال غير المشروعة تلقائيًا، ولا يجعل الأموال المنهوبة عديمة القيمة بمجرد إصدار عملة جديدة، ولكن الأمر يعتمد على آليات الاستبدال، والرقابة المصرفية، وقواعد معرفة العميل، ومكافحة غسل الأموال، وإمكانية التحقق من مصادر الأموال.

وفيما يتعلق بموضوع التضخم، فقد أُشيع وبشكل غير علمي وغير صحيح أن حذف الأصفار يقلل معدل التضخم، في حين إن حذف الأصفار، أي تكبير قيمة الوحدة الأساسية، هو الأصح ضمن برنامج هدفه السيطرة على التضخم للحفاظ على القوة الشرائية للنقود. وقد درجت الدول والمنظمات والمؤسسات الدولية على تسمية هذا البرنامج ضمن نطاقه العريض بإصلاح العملة، ولا يأتي خفض التضخم ضمن هذا البرنامج من حذف الأصفار بالذات؛ لأن الأسعار لا تتغير، بل تُقرأ بوحدات نقدية جديدة (2).

من جانب آخر، في الحالة العراقية، لا ينبغي افتراض وجود علاقة مباشرة بين حذف الأصفار والعملة الرقمية، فالأخيرة تعني تغيير البنية التكنولوجية وطريقة تداول النقود، وليس تغيير قيمتها الاسمية.

إن حذف الأصفار، في جوهره، لا يجعل الدينار العراقي أكثر قيمة، بل هو مجرد تغيير للرقم، فهو عملية تنظيمية للوحدة النقدية، وليس علاجًا سحريًا لانخفاض القوة الشرائية أو لمعالجة الأوضاع الاقتصادية الحالية للاقتصاد العراقي. فالأصفار ليست سببًا في انخفاض القوة الشرائية، بل هي نتيجة للواقع الاقتصادي وهيكل الاقتصاد العراقي.

بالمقابل، يمكن أن يؤدي حذف الأصفار من العملة العراقية إلى تبسيط الحسابات العامة وتقريب القيم النقدية من الوحدات المستخدمة، وتسهيل عمليات التبادل التجاري.

والسؤال الذي يواجهنا: هل هذا هو الوقت المناسب للقيام بعملية حذف الأصفار من العملة العراقية في ظل الظروف التي يعيشها الاقتصاد العراقي؟

كما هو معلوم، يعيش العالم على وقع مجموعة من التحديات، لعل أبرزها وأهمها التوترات الجيوسياسية والحرب الصهيونية - الأمريكية، التي أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، الشريان الحيوي لإمدادات الطاقة حول العالم بشكل عام، والعراق بشكل خاص، والتي أفضت إلى توقف وانقطاع شبه تام لصادرات النفط العراقية، التي تمثل المصدر الوحيد للإيرادات الحكومية العراقية.

وينبغي الإشارة هنا إلى أن المقصود بالفوضى الاقتصادية في عنوان المقال لا يعني انهيار الاقتصاد العراقي إطلاقًا، فالاقتصاد العراقي يمتلك موارد نفطية كبيرة وإمكانات مالية قادرة على النهوض بالاقتصاد، وإنما يشير إلى مجموعة من الاختلالات المتداخلة، منها ارتفاع حجم التعاملات النقدية، وضعف الثقة بالجهاز المصرفي، والاعتماد الكبير على الإيرادات النفطية مما يجعل الاقتصاد العراقي مرتبطًا بتقلبات سوق النفط، وتشوه هيكل المالية العامة، وضعف تنويع مصادر الدخل، والأهم من ذلك الدور الكبير للشائعات في التأثير على سلوك الأفراد.

وهذه الاختلالات المذكورة آنفًا من شأنها أن تعرقل عملية تحقيق الأهداف المنشودة من عملية حذف الأصفار، فالبلد لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على النقد، بينما الوساطة المصرفية بحاجة إلى مزيد من التطوير والثقة. كما تلعب الشائعات دورًا خطرًا يؤثر في القرار الاقتصادي، والتفسيرات المتضاربة التي تؤثر في الأوضاع العامة. فبمجرد انتشار الأخبار عن تغيير العملة قد يدفع ذلك البعض إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار، وقد يدفع آخرين إلى الإسراع في شراء العقارات أو الذهب أو غيرها من الأصول، لذلك فإن إدارة التوقعات والثقة ستكون حاضرة في هذه العملية.

وعليه، فإن المشكلة الأعمق في العراق ليست بحجم الأرقام التي تظهر على الأوراق النقدية، وإنما بطبيعة ووضع الاقتصاد العراقي القائم على مورد واحد فقط، وأيضًا بطبيعة العلاقة بين المواطن والنظام المصرفي والدينار في بيئة يسودها القلق وعدم الاستقرار. وإذا ما جرى التعامل معها بوصفها علاجًا مستقلًا لمشكلات الاقتصاد العراقي، فستكون النتيجة، بأفضل الأحوال، تغييرًا في شكل الأرقام دون تغيير في جوهر الاقتصاد.

ختامًا: إن نجاح هذه العملية لا يعتمد على صحة الفكرة وحدها، بل على الظروف التي تُنفذ بها. فالعراق لا يحتاج إلى الخوف من حذف الأصفار، ولكنه يحتاج إلى الحذر من تحويل عملية حذف الأصفار إلى وهم اقتصادي. فإذا كان الهدف تقوية الدينار بحذف الأصفار أو خفض الأسعار، فذلك سيكون فهمًا خاطئًا لطبيعة العملية، أما إذا كان الهدف هو تبسيط الحسابات، وتحديث النظام النقدي، وتقليل كلفة التعامل بالأرقام الكبيرة، وتنظيم عملية استبدال النقد، وتعزيز دور المصارف، فإن المشروع يمكن أن يكون خطوة مفيدة ضمن إصلاح أوسع.

ويبقى السؤال الأهم: هل نقوم بعملية تنظيم البيئة الاقتصادية العراقية التي تعمل فيها هذه العملة، أم بتنظيم شكل العملة التي تعمل في هذه البيئة المضطربة؟

* مركز الفرات للتنمية والدراسات الإستراتيجية/2004-Ⓒ2026

www.fcdrs.com

................................................

مصادر تم الاعتماد عليها

[1] حيدر نعمة بخيت، استبدال العملة عبر حذف الأصفار: هل يمكن الوصول إلى الأموال المكتنزة في الوقت الراهن، مركز البيان للدراسات والتخطيط، بغداد، 2026، ص10-11.

[2] أحمد إبريهي العلي، إعادة توصيف العملة في النظرية والممارسة، شبكة الاقتصاديين العراقيين، 2026، ص27.

ذات صلة

الصراع المتأجج بين القول والعملالنظام الدولي القديم يتفكك… لكن النظام الجديد لم يولد بعدالتصعيد المنضبط.. المعادلة الجديدة في الصراع الأميركي الإيرانيهل تصنع اللذات العاجلة تخلف الإنسان؟انعكاسات توجهات ما بعد الحداثة على الفعل السياسي