الدرجة الكاملة: تفوق حقيقي أم مؤشر يستدعي مراجعة؟
مصطفى ملا هذال
2026-07-25 04:07
مع إعلان نتائج الامتحانات النهائية للمرحلتين الثالث المتوسط والسادس الاعدادي كل عام، يتكرر مشهد لافت يتمثل في تزايد أعداد الطلبة الحاصلين على الدرجة الكاملة أو المعدلات القريبة منها.
وبين من يرى في ذلك دليلا على تطور مستوى الطلبة، ومن يعتبره مؤشرا على وجود خلل في منظومة الامتحانات، يبرز سؤال مشروع: هل أصبحت الأسئلة الوزارية تقيس المعرفة الحقيقية، أم أنها باتت تقيس قدرة الطلبة على الحفظ واسترجاع المعلومات فقط؟
لا شك أن وجود طلبة يحققون درجات كاملة أمر طبيعي في أي نظام تعليمي، فهناك من يمتلكون قدرات علمية استثنائية ويستحقون هذا الإنجاز، لكن عندما تتحول الحالات الفردية إلى أعداد كبيرة ومتكررة، يصبح من الضروري التوقف عند الظاهرة وتحليل أسبابها بعيدا عن المبالغة أو التقليل من جهود الطلبة.
فالامتحان عبارة عن أداة لقياس مستويات متعددة من التفكير، تبدأ من الفهم والاستيعاب، مرورا بالتطبيق والتحليل، وصولا إلى الاستنتاج والتقييم، وإذا كانت غالبية الأسئلة تعتمد على نمط واحد يمكن التنبؤ به أو حفظ إجاباته مسبقا، فإنها ستمنح أفضلية لمن يجيد الحفظ، لكنها لن تكشف الفروق الحقيقية بين الطلبة في مهارات التفكير العليا.
ومن الناحية التربوية، فإن الاختبار الجيد ينبغي أن يتضمن تدرجا في مستويات الصعوبة، بحيث يستطيع الطالب المتوسط الإجابة عن جزء كبير منه، بينما يواجه الطالب المتفوق أسئلة تتطلب تحليلا وربطا واستنباطا، وهي التي تصنع الفارق الحقيقي في التقييم، أما إذا كانت جميع الأسئلة مباشرة أو متوقعة، فإن الحصول على الدرجة الكاملة يصبح أكثر احتمالا، لأن الاختبار لم يضعهم أمام تحديات معرفية كافية.
وفي المقابل لا يمكن تحميل الأسئلة الوزارية وحدها مسؤولية هذه الظاهرة، فقد ساهم انتشار المنصات التعليمية والملازم المنظمة، وبنوك الأسئلة والدورات المكثفة، في رفع جاهزية الطلبة بصورة ملحوظة، كما أن بعض المدرسين أصبحوا يمتلكون خبرة كبيرة في توقع أنماط الأسئلة، وهو ما يساعد الطلبة على التركيز في موضوعات محددة قد تتكرر في الامتحانات.
كما أن تطور وسائل التعلم الرقمية أتاح للطالب الوصول إلى مصادر تعليمية متنوعة لم تكن متوفرة في السابق، وهو عامل إيجابي ينبغي عدم تجاهله عند تقييم النتائج.
مع ذلك يبقى السؤال الأكثر أهمية: هل من المنطقي أن ينجز طالب جميع الاختبارات النهائية من دون أي خطأ؟
الإجابة ليست مستحيلة لكنها ينبغي أن تبقى استثناء يعكس تميزا استثنائيا، لا ظاهرة متكررة تثير التساؤلات، فحتى أكثر الأنظمة التعليمية تقدما في العالم تحرص على تصميم اختبارات تميز بين مستويات الأداء المختلفة، ولا تجعل الوصول إلى الدرجة النهائية أمرا شائعا إلا في حالات محدودة.
ويبقى الهدف من الامتحانات تحقيق العدالة في قياس القدرات، وهذا يتطلب بناء أسئلة وفق معايير علمية حديثة، تراعي مستويات التفكير المختلفة، وتبتعد عن النمطية والتكرار، مع المحافظة في الوقت نفسه على الوضوح والإنصاف.
كثرة الحاصلين على الدرجة الكاملة ليست دليلا قاطعا على تفوق غير مسبوق، كما أنها ليست دليلا حتميا على ضعف الأسئلة، فهي اصبحت ظاهرة تستحق الدراسة الموضوعية من خلال تحليل طبيعة الاختبارات ومستوى الطلبة، وآليات إعداد الأسئلة، وأساليب التدريس.
وعلى المعنيين في وزارة التربية إعادة النظر في العملية التعليمية لتكون أكثر نجاحا تعتمد الى حد كبير على تخريج طلبة يمتلكون مهارات التفكير والتحليل وحل المشكلات، وهي المهارات التي يحتاجها المجتمع أكثر من حاجته إلى أرقام كاملة في الكارتات الورقية.