الباحثة منى كريم حياوي: القضية المهدوية فلسفة أمل ومسؤولية حضارية مستمرة
أوس ستار الغانمي
2026-08-15 04:13
تتعدد القضايا الفكرية والعقدية المطروحة على الساحة الإسلامية، وتبرز القضية المهدوية حاضرةً في عمق الوعي القرآني والإنساني؛ بوصفها ترقباً لحدث مستقبلي ومشاريع إصلاحية متكاملة يمتد أثرها لبناء الإنسان والمجتمع في الحاضر والمستقبل.
وفي إطار تسليط الضوء على الدراسات الجامعية الرصينة التي تناولت التراث التفسيري بأسلوب أكاديمي مقارن، التقت شبكة النبأ المعلوماتية بالباحثة منى كريم حياوي علوان، الموظفة في مديرية شهداء كربلاء المقدسة، على هامش مناقشة رسالتها لنيل درجة الماجستير في الشريعة والعلوم الإسلامية من قسم الدراسات القرآنية والفقه في كلية العلوم الإسلامية بجامعة كربلاء، الموسومة بـ(القضية المهدوية عند المفسرين - دراسة مقارنة)، والتي أُعدت بإشراف الأستاذة الدكتورة ناهدة جليل عبد الحسن.
وفي هذا الحوار الخاص، تسبر الباحثة أغوار الخطاب التفسيري بين مختلف المدارس الإسلامية، وتكشف عن مساحات التلاقي والافتراق في قراءة الآيات المرتبطة بالتمكين والعدل الإلهي، معرّجةً على فلسفة الغيبة، ومفهوم الانتظار الإيجابي، ودور المؤسسات الأكاديمية والمرأة في تحويل العقيدة إلى سلوك حضاري عملي.
ما الذي دفعكِ لاختيار القضية المهدوية موضوعاً لرسالة أكاديمية في وقت تتعدد فيه القضايا الفكرية والعقدية المطروحة على الساحة الإسلامية؟
جاء اختياري للقضية المهدوية انطلاقاً من قناعتي بأن هذا الموضوع لا يمثل قضية مستقبلية فحسب، بل يعد من أهم القضايا القرآنية والعقدية التي تركت أثرها في تشكيل الوعي الإسلامي عبر العصور. فالإيمان بالمستقبل الموعود وبقيام دولة العدل الإلهي يشكل عنصراً أساسياً في بناء الأمل الإنساني ومواجهة حالات الإحباط واليأس التي قد تعصف بالمجتمعات.
كما أن المتتبع للتراث التفسيري يجد أن القضية المهدوية حاضرة بصورة مباشرة أو غير مباشرة في عدد كبير من الآيات القرآنية التي تناولت الاستخلاف الإلهي، ووراثة الأرض، وانتصار الحق على الباطل، مما دفعني إلى دراسة كيفية تعامل المفسرين مع هذه النصوص، والكشف عن نقاط الاتفاق والاختلاف بينهم.
وقد وجدت أن قوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ (الأنبياء: 105)
يمثل أحد النصوص القرآنية المركزية التي ربطها عدد من المفسرين والروايات الإسلامية بمستقبل الإنسانية الموعود.
كما ورد عن الإمام محمد الباقر (عليه السلام): (هم أصحاب المهدي في آخر الزمان).
ومن هنا جاءت الرغبة في دراسة هذا الحضور التفسيري للقضية المهدوية ضمن إطار أكاديمي مقارن.
هل ترين أن القضية المهدوية ما زالت تقرأ بوصفها قضية مستقبلية فقط، أم أنها مشروع إصلاح حضاري يمتد أثره إلى الحاضر؟
من خلال نتائج الدراسة توصلت إلى أن اختزال القضية المهدوية في بعدها المستقبلي يمثل قراءة ناقصة لهذا المفهوم القرآني والعقدي.
فصحيح أن الظهور المبارك للإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يمثل حدثاً مستقبلياً، إلا أن فلسفة الانتظار التي أكدت عليها النصوص الإسلامية تجعل القضية المهدوية مشروعاً إصلاحياً مستمراً في الحاضر.
فالقرآن الكريم يؤكد مبدأ الاستخلاف والصلاح والإصلاح بوصفها مسؤوليات إنسانية دائمة، كما في قوله تعالى:
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ (النور: 55).
وقد فسرت روايات أهل البيت (عليهم السلام) هذه الآية بتمام تحققها في عصر الإمام المهدي (عجل الله فرجه)، لكنها في الوقت نفسه تؤسس لمسار إصلاحي يبدأ قبل الظهور.
ولذلك فإن الانتظار الحقيقي لا يعني الركون إلى المستقبل، بل يعني العمل على بناء الإنسان الصالح والمجتمع الواعي القادر على استيعاب مشروع العدالة الإلهية عند تحقق الوعد.
خلال دراستكِ المقارنة، ما أبرز نقطة التقاء وجدتها بين مفسري الإمامية والجمهور في تناولهم للنصوص المرتبطة بالقضية المهدوية؟
أظهرت الدراسة أن مساحة الاتفاق بين المدرستين أكبر مما يتصوره البعض.
فالمفسرون من مختلف الاتجاهات الإسلامية يتفقون على أن هناك مستقبلاً موعوداً ينتصر فيه الحق على الباطل، وأن حركة التاريخ لا تنتهي بسيادة الظلم والانحراف.
ومن أبرز النصوص التي اجتمعوا على الاستدلال بها قوله تعالى:
﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة: 33).
فقد ذهب عدد من المفسرين من الفريقين إلى أن الإظهار الكامل للدين لم يتحقق بصورة نهائية بعد، وأن له امتداداً مستقبلياً يرتبط بعصر العدل الإلهي.
كما تتفق الروايات الإسلامية عند الفريقين على أصل ظهور المهدي في آخر الزمان، وإن اختلفوا في بعض التفاصيل المتعلقة بشخصيته أو ظروف ظهوره.
وبالتالي فإن أصل الأمل بالمستقبل الموعود يمثل قاسماً مشتركاً بين المسلمين، ويمكن أن يكون منطلقاً لتعزيز الحوار والوحدة الفكرية.
وأين يكمن جوهر الاختلاف الحقيقي بين المدرستين التفسيريتين: في النصوص أم في المنهج الذي تقرأ به النصوص؟
من خلال الدراسة تبين أن الاختلاف لا يتعلق غالباً بالنص القرآني نفسه، وإنما بالمنطلقات العقدية التي تؤثر في تفسيره.
فمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تنطلق من منظومة الإمامة بوصفها امتداداً للنبوة في حفظ الدين وقيادة الأمة، ولذلك تنظر إلى كثير من الآيات المتعلقة بالاستخلاف والتمكين والوراثة الإلهية باعتبارها ذات ارتباط مباشر بالإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف).
أما جمهور المفسرين فيميلون غالباً إلى إعطاء هذه الآيات دلالات عامة تتعلق بالأمة الإسلامية أو بالصالحين بشكل عام.
ومن هنا فإن الاختلاف في كثير من الأحيان هو اختلاف في دائرة التطبيق والمصداق أكثر من كونه اختلافاً في أصل المفهوم القرآني.
وهذا ما تؤكده القاعدة الأصولية المعروفة بأن تعدد المصاديق لا يقتضي بالضرورة تعارض المفاهيم.
كيف يمكن للباحث أن يوازن بين الانتماء العقدي ومتطلبات الموضوعية الأكاديمية عند دراسة موضوع حساس مثل القضية المهدوية؟
أعتقد أن الموضوعية الأكاديمية لا تعني التخلي عن الانتماء الفكري أو العقدي، وإنما تعني الالتزام بأدوات البحث العلمي في التعامل مع النصوص والآراء.
لقد حرصت في هذه الدراسة على العودة إلى المصادر الأصلية لدى مختلف المدارس التفسيرية، وعرض الآراء كما طرحها أصحابها دون انتقاء أو تشويه، ثم مناقشتها وفق المناهج العلمية المعتمدة.
فالقرآن الكريم يرسخ مبدأ العدل حتى مع المخالف، إذ يقول:
﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ (المائدة: 8).
كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام):
(لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال). كتاب (ميزان الحكمة)، جزء (٣)، صفحة (٢٠٨٢).
وهذه القاعدة تمثل أساساً مهماً للباحث الأكاديمي؛ إذ ينبغي أن يكون معيار القبول أو الرفض هو قوة الدليل وسلامة الاستدلال، لا الانتماء المذهبي أو الفكري.
وبذلك يمكن للباحث أن يجمع بين الوفاء لقناعاته العقدية والالتزام بالموضوعية العلمية التي تقتضيها الدراسات الجامعية الرصينة.
ما أهم النتائج التي توصلتِ إليها بشأن حضور الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) في الخطاب التفسيري الإسلامي؟
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن حضور القضية المهدوية في التراث التفسيري الإسلامي كان أوسع مما يُتصور عادة، إذ لم يقتصر على كتب العقائد أو مؤلفات الملاحم والفتن، بل امتد إلى عدد كبير من التفاسير التي تناولت آيات الوعد الإلهي والاستخلاف والتمكين ووراثة الأرض.
وقد تبين أن المفسرين اختلفوا في مدى صراحة الربط بين الآيات والإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف)، إلا أنهم اشتركوا في الإيمان بأن التاريخ الإنساني يتجه نحو تحقيق الغاية الإلهية المتمثلة في انتصار الحق وسيادة العدل.
ومن أبرز الآيات التي شكلت محوراً لهذا الحضور قوله تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (القصص: 5).
فقد ورد عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام):
(هم والله شيعتنا، يفعل الله ذلك بهم على يدي رجل منا، وهو مهدي هذه الأمة).
كما كشفت الدراسة أن التفسير المهدوي لا ينطلق من رؤية تشاؤمية للتاريخ، بل من رؤية قرآنية تؤمن بأن المستقبل النهائي للإنسانية سيكون لصالح قيم الإيمان والعدل والصلاح.
كيف تفسرين استمرار الجدل الفكري حول القضية المهدوية رغم امتدادها التاريخي في التراث الإسلامي؟
يرجع استمرار الجدل حول القضية المهدوية إلى عدة أسباب علمية وتاريخية وعقدية.
فمن الناحية العقدية ترتبط القضية بمفاهيم الإمامة والقيادة الدينية ومستقبل الأمة، وهي موضوعات شهدت اختلافاً بين المدارس الإسلامية منذ القرون الأولى.
ومن الناحية التاريخية تعرض مفهوم المهدوية أحياناً للتوظيف السياسي من قبل بعض الحركات والاتجاهات، الأمر الذي أدى إلى ظهور قراءات متباينة للقضية.
كما أن بعض الباحثين تعاملوا مع النصوص المهدوية من خلال مناهج مختلفة؛ فهناك من قرأها قراءة حديثية، وآخرون قرأوها قراءة تاريخية أو رمزية أو اجتماعية.
ومع ذلك فإن استمرار الجدل لا يدل على ضعف القضية، بل يعكس حيويتها الفكرية واتصالها بأسئلة الإنسان الكبرى المتعلقة بالعدالة والمستقبل والخلاص.
فالقرآن الكريم يؤكد أن الاختلاف سنة من سنن الحياة:
﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ (هود: 118-119).
ومن هنا فإن المطلوب ليس إلغاء الاختلاف، وإنما إدارة الحوار ضمن إطار علمي رصين قائم على الدليل والاحترام المتبادل.
في رأيكِ، هل تكمن مشكلة الخطاب المهدوي المعاصر في نقص المعرفة أم في سوء تقديم المعرفة؟
أعتقد أن المشكلة تجمع بين الأمرين معاً، وإن كانت نسبة كل منهما تختلف من مجتمع إلى آخر.
ففي بعض الأحيان نواجه ضعفاً في التأسيس العلمي والمعرفي للقضية المهدوية، حيث يعتمد بعض المتلقين على معلومات جزئية أو روايات غير موثقة.
وفي أحيان أخرى نجد أن المادة العلمية متوافرة، لكن طريقة عرضها تفتقر إلى الأسلوب المعاصر القادر على مخاطبة الشباب بلغة علمية وفكرية مقنعة.
لقد ركز القرآن الكريم على أهمية الحكمة في تبليغ الرسالة فقال:
﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125).
كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): كونوا دعاةً لنا بغير ألسنتكم.
وهذا يعني أن نجاح الخطاب المهدوي لا يتوقف على صحة المضمون فحسب، بل يتطلب أيضاً أساليب عرض تربوية وثقافية وإعلامية تتناسب مع تحديات العصر.
تناولتِ في بحثكِ فلسفة الغيبة، فما الرسالة الفكرية والأخلاقية التي يمكن أن يستفيد منها الإنسان المعاصر من هذا المفهوم؟
كشفت الدراسة أن الغيبة ليست مجرد حدث تاريخي أو عقائدي، بل تحمل مضامين تربوية وفكرية عميقة.
فهي تعلم الإنسان أن ارتباطه بالله تعالى لا يتوقف على الحضور المادي للقائد، بل يقوم على الإيمان الواعي والالتزام بالمبادئ.
كما أن الغيبة تربي المؤمن على الصبر والثبات وتحمل المسؤولية في زمن التحديات.
قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ... وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
وعن الإمام المهدي (عجل الله فرجه الشريف) في التوقيع الشريف: وأما وجه الانتفاع بي في غيبتي فكالانتفاع بالشمس إذا غيبها عن الأبصار السحاب.
إن هذه الرواية تقدم فهماً عميقاً لفلسفة الغيبة؛ فغياب الإمام لا يعني غياب أثره وهدايته وعنايته بالأمة.
كيف يمكن تحويل مفهوم الانتظار من حالة عاطفية إلى مشروع عملي لبناء الإنسان والمجتمع؟
الانتظار في الفكر الإسلامي الأصيل ليس موقفاً سلبياً قائماً على الترقب المجرد، بل هو حالة حضارية قائمة على العمل والإعداد.
فالمنتظر الحقيقي هو الإنسان الذي يسعى لإصلاح نفسه ومجتمعه ليكون جزءاً من مشروع العدالة الإلهية.
وقد أكد القرآن الكريم هذه الحقيقة بقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: 11).
كما ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): من سرّه أن يكون من أصحاب القائم فلينتظر، وليعمل بالورع ومحاسن الأخلاق.
ومن هنا فإن الانتظار الإيجابي يتجسد في بناء الوعي، ونشر المعرفة، وتعزيز القيم الأخلاقية، وخدمة المجتمع، ومواجهة الفساد والانحراف.
أشرتِ إلى أهمية الاستعداد النفسي والعقائدي والجسدي لنصرة الإمام عند ظهوره، فما أبرز مظاهر هذا الاستعداد في واقعنا الحالي؟
الاستعداد الحقيقي لا يقتصر على الجانب العاطفي، بل يشمل أبعاداً معرفية وأخلاقية وسلوكية متكاملة.
فالمجتمع المنتظر يحتاج إلى وعي عقائدي راسخ، وإلى قدرة على التمييز بين الحق والباطل، وإلى استعداد لتحمل المسؤولية.
وقد وصف القرآن المؤمنين الذين ينصرون المشروع الإلهي بقوله:
﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ (الحج: 41).
كما ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام): يأتي على الناس زمان يغيب عنهم إمامهم، فيا طوبى للثابتين على أمرنا.
ومن أبرز مظاهر الاستعداد اليوم: التثقيف الديني الرصين، والالتزام الأخلاقي، وخدمة المجتمع، وبناء الشخصية المؤمنة الواعية.
ما الدور الذي يمكن أن تؤديه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في ترسيخ الوعي العلمي بالقضية المهدوية بعيداً عن الطرح العاطفي أو الجدلي؟
للجامعات دور محوري في نقل القضية المهدوية من دائرة الجدل والانفعال إلى دائرة البحث العلمي الرصين.
ويتحقق ذلك من خلال تشجيع الرسائل الجامعية المتخصصة، وعقد المؤتمرات والندوات العلمية، وإنتاج دراسات مقارنة تعتمد المناهج الحديثة في التحليل والتفسير.
فالقرآن الكريم جعل العلم أساساً للمعرفة الصحيحة حين قال:
﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الزمر: 9).
كما أكد الإمام علي (عليه السلام): قيمة كل امرئ ما يحسنه.
ومن هنا فإن المؤسسات الأكاديمية مطالبة بإنتاج معرفة علمية دقيقة تسهم في فهم القضية المهدوية ضمن سياقها القرآني والحضاري.
خصصتِ جزءاً من الدراسة لدور المرأة في القضية المهدوية، كيف تنظرين إلى مسؤولية المرأة في صناعة جيل واعٍ بثقافة الانتظار الإيجابي؟
أظهرت الدراسة أن المرأة تؤدي دوراً أساسياً في بناء الوعي المهدوي، لأنها تمثل الركيزة الأولى في عملية التربية وصناعة الشخصية.
فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها وعي الإنسان، والمرأة هي المحور الرئيس في هذا البناء.
وقد أبرز القرآن الكريم نماذج نسائية عظيمة كان لها دور في صناعة الرسالات الإلهية، كما في شخصية السيدة مريم (عليها السلام) وآسية بنت مزاحم.
قال تعالى:
﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ (آل عمران: 37).
وعليه فإن مسؤولية المرأة في ثقافة الانتظار تتمثل في تربية جيل يمتلك الإيمان والوعي والأخلاق وروح المسؤولية.
بعد هذه الرحلة البحثية، كيف تغير فهمكِ الشخصي للقضية المهدوية مقارنة بما كان عليه قبل الشروع في الدراسة؟
قبل الشروع في البحث كنت أنظر إلى القضية المهدوية بوصفها قضية عقدية مهمة ترتبط بأحداث المستقبل، أما بعد الدراسة فقد اتسعت الرؤية لتشمل أبعاداً قرآنية وفكرية وحضارية وإنسانية أعمق.
لقد أدركت أن القضية المهدوية ليست مجرد انتظار لحدث تاريخي، بل هي مشروع متكامل لبناء الإنسان وإصلاح المجتمع واستنهاض طاقات الأمة.
كما أن الدراسة كشفت لي حجم الحضور القرآني للقضية، ومدى اهتمام المفسرين بها عبر العصور.
وأصبحت أكثر اقتناعاً بأن المهدوية تمثل فلسفة أمل ومسؤولية وليست مجرد عقيدة غيبية.
أخيراً.. ما الرسالة التي تودين توجيهها إلى طلبة الجامعات والباحثين الشباب الراغبين في دراسة القضايا العقائدية الكبرى بمنهج أكاديمي رصين؟
رسالتي إلى طلبة العلم والباحثين أن يتعاملوا مع القضايا العقائدية الكبرى بروح الباحث لا بروح المتعصب، وأن يجعلوا الدليل العلمي أساساً في البحث والاستنتاج.
فالقرآن الكريم دعا إلى التفكير والتدبر والنظر العقلي في عشرات الآيات، ومنها قوله تعالى:﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ (النساء: 82). كما ورد عن الإمام علي (عليه السلام): ثمرة العلم العمل به.
إن الأمة اليوم بحاجة إلى دراسات أكاديمية رصينة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين الإيمان والمنهج العلمي، وتسهم في تقديم التراث الإسلامي بلغة علمية قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر.
وأؤمن أن الباحث الجاد يستطيع أن يحول القضايا العقدية من موضوعات للجدل إلى مساحات للإنتاج المعرفي والحوار الحضاري وبناء الوعي الإسلامي الرشيد.
في ختام هذا الحوار الشيق والإثري، تقدم «شبكة النبأ المعلوماتية» جزيل شكرها وامتنانها للباحثة الأكاديمية منى كريم حياوي علوان على وقتها وتفضلها بهذه التوضيحات القيمة والإجابات العلميّة الرصينة، متمنين لها دوام التوفيق والنجاح في مسيرتها الأكاديمية والبحثية، ولجامعة كربلاء وكلية العلوم الإسلامية استمرار العطاء والتميز المعرفي.