عندما تعصف الحياة: كيف ينقذ الدعم النفسي بين الأزواج سفينة الأسرة؟
عزيز ملا هذال
2026-08-15 03:57
حياتنا نحن البشر لا تسير على خط مستقيم، فتارة تصعد وتارة تهبط وهكذا الامر، فكل يوم نعيش له ظروفه الخاصة التي تجعله مختلفاً تماماً عما سبقة وعما سيلحقه، وفي ظل هذا التقلب نحتاج في حياتنا من يقف معنا في اوقات ازماتنا، ولعل اول من يبادر في تقديم العون هم الاسرة والزوجين على وجه التحديد، فماهي انعكاسات تقديم الدعم النفسي المعنوي بين الزوجين، وماهي السلوكيات التي نتبعها؟
جميعنا تعرضنا ونتعرض باستمرار الى أزمات مالية طارئة، ضغوط عمل لا تنتهي، فقدان لوظيفة، رحيل قريب، أو حتى تقلبات الصحة النفسية والجسدية كلها هزات عنيفة تختبر ثبات البيوت وتضع العلاقات الإنسانية على المحك¬، ففي هذا الوقت تحديداً يحتاج الانسان الى الدعم المعنوي الذي يبقيه على مستوى من الصحة النفسية لئلا ينهار نفسياً.
وتقديم الدعم يجب ان يكون بجرعات تناسب حجم ونوع الازمة والطبيعة النفسية للفرد، فليس صحيحاً ان يكون الدعم بنفس الكم او النوع للجميع، فازمة ومصيبة احدهم تحتاج الى مستوى دعم عال، بينما يتاج المتعرض الى ازمة من نوع اخر الى دعم من نوع يناسب ازمته، على سبيل المثال ان المتعرض الى فقدان منزلة بحادث حريق لا تنفعه الكلمات الداعمة بل يحتاج الى مساعدته في اعادة اعمار المنزل وهكذا.
في علم النفس والعلاقات الأسرية يُنظر إلى الدعم النفسي المتبادل بين الزوجين باعتباره ليس مجردمجاملة عاطفيةأو رفاهية كلامية تمارس في أوقات الفراغ، بل بوصفه مصد الصدمات الأول وخط الدفاع الاستراتيجي الذي يحمي الفرد من التفكك والانهيار عندما يشتد الخناق، و الشريك الداعم لا يغير الظروف الخارجية بالضرورة، لكنه يغير طريقة استقبالنا لها وقدرتنا على الصمود أمامها.
ما هي اشكال الدعم النفسي؟
الدعم النفسي ليس مجرد كلام طيب، بل هو منظومة سلوكية وعاطفية وعقلية شاملة تنقسم إلى أربعة أشكال رئيسية:
الشكل الاول يتمثل في الانصات والاحتواء العاطفي، ويعني ان تمنح الشريك المتعرض الى ازمة مساحة كافية للتعبير عن احزانه ومخاوفه واحباطه وغضبه وكل مايشعر به من دون مقاطعته وودون أن تبادر بالحكم عليه أو اتهامه بالمبالغة، وهذا الاستماع العاطفي يجعل الفرد يشعر بكونه ليس وحيداً وان شريكه يشعر بشعوره ويحاول تقليل الالم عنه.
الشكل الثاني من اشكال الدعم النفسي يتمثل في إعادة بناء الثقة لدى المتعرض للازمة، ففي اوقات الازمات بكل اشكالها يتسلل شعور حاد بالتقصير ويبدأ تقديره لذاته بالانهيار، وهنا يأتي دور الشريك الداعم ليذكره بذكاء بقيمته الذاتية الثابتة، وبأن هذه الأزمة ممكن ان يتعرض لها الجميع وان الحياة قائمة على ركني الخسارة والربح ومثلما نتقبل الربح لابد من تقبل الخسارة او الوجع الذي فرضه الله علينا لعلة هو يعرفها.
والشكل الثالث يتمثل في تقاسم الالم والعبئ الذي انتجته الازمة، اذ ان الدعم النفسي لا يكتمل إلا بالأفعال الملموسة، فعندما يكون أحد الزوجين رازحاً تحت ضغط نفسي شديد، فإن تحمل الشريك الآخر لبعض المسؤوليات اليومية، مثل رعاية الأطفال أو إدارة شؤون المنزل أو تخفيف الالتزامات الاجتماعية، يرسل رسالة شديدة الأثر مفادها لست وحدك في المعركة، أنا أحمل عنك لتقف على قدميك من جديد.
اما الشكل الرابع والاخير من اشكال الدعم النفسي بين الزوجين فيتمثل في تحويل زاوية الرؤية المعرفية لدى المتعرض للازمة، فمن الناحية النفسية يغير وجود السند الزوجي طريقة تفسير العقل للأزمة، وبدلاً من أن يراها العقل الباطن كـتهديد مرعب يسحق وجودي، يبدأ في رؤيتها كـ تحد صعب ومتعب، لكنه امر مفروض ويمكن تجاوزه.
في الخلاصة ان متانة العلاقات الزوجية لا تقاس بالعيش بهدوء في أيام الرخاء ، بل تصقل وتظهر أصالتها الحقيقية في أوقات الشدائد والعواصف، وإن الدعم النفسي والمعنوي المتبادل بين الزوجين في زمن الأزمات ليس حلاً وقتياً ينتهي بانتهاء المشكلة، بل هو استثمار استراتيجي طويل الأجل في رصيد الصحة النفسية للأسرة بأكملها.