هل اقتربت ساعة المواجهة بين الحكومة العراقية والفصائل؟
محمد النصراوي
2026-08-15 04:30
مع اقتراب موعد الثلاثين من أيلول/سبتمبر المقبل، الذي حددته بغداد سقفًا نهائيًا لحصر السلاح بيد الدولة، يعود السؤال ذاته إلى الواجهة: فهل يسير العراق فعلًا نحو مواجهة مفتوحة بين الحكومة والفصائل المسلحة الموالية لإيران، أم أن الأمر لن يتجاوز حرب تصريحات ومهلًا متكررة كما جرت العادة في معالجة أي ملف مهم؟ فالملف الذي طالما راوح مكانه مع كل رئيس وزراء سابق، يبدو هذه المرة محاطًا بظروف مختلفة، أبرزها ضغط أميركي غير مسبوق، وانقسام واضح داخل بيت الفصائل نفسه.
مهلة لا رجعة عنها... كما يقولون
أصدر ائتلاف إدارة الدولة الحاكم بيانًا شدد فيه على ضرورة التزام الفصائل بجدول حصر السلاح بعد نهاية أيلول، محذرًا من أن أي سلوك مسلح خارج إطار الدولة بعد هذا التاريخ سيُعامل باعتباره عملًا يندرج تحت قانون مكافحة الإرهاب. رئيس الوزراء علي الزيدي لم يكتفِ بالتصريحات، إذ أعاد تفعيل مكتب القائد العام للقوات المسلحة بعد تعطّل دام أكثر من اثني عشر عامًا، وأجرى تعيينات جديدة في مواقع أمنية حساسة تشمل جهاز مكافحة الإرهاب، والشرطة الاتحادية، والفرقة الخاصة، كما يتحدث عن عقد مؤتمر السيادة الوطنية نهاية العام الجاري، ليكون محطة حاسمة لإنهاء ازدواجية القرار الأمني في البلاد.
الفصائل بين التسليم والتصعيد
الصورة داخل معسكر الفصائل الشيعية المسلحة لم تعد موحدة كما كانت، فبينما أبدت جماعات مثل عصائب أهل الحق ومنظمة بدر انخراطًا في مسار الجرد والتسليم والارتباط بالقائد العام للقوات المسلحة، فقد تمسكت فصائل أخرى، في مقدمتها كتائب حزب الله وحركة النجباء وكتائب سيد الشهداء، برفضها القاطع للتخلي عن السلاح. وكان الأمين العام لحركة النجباء، أكرم الكعبي، قد أعلن أن الحركة ستواصل التمسك بما تسميه سلاح المقاومة، بل ودعا إلى تعزيز الترسانة لمواجهة ما وصفه بالتحديات.
في مقابل ذلك، برزت إشارة لافتة من خارج هذا المحور، حين أعلن مقتدى الصدر فك ارتباط سرايا السلام بتياره، وتحويل تشكيلاتها المدنية إلى مؤسسات رسمية بلا سلاح أو مقار تنظيمية، وهي خطوة تدل على أن البيئة السياسية العامة بدأت ترسل إشارات مختلفة عن المحاولات السابقة الفاشلة التي خاضتها الحكومات السابقة.
ضغط أميركي نسج خيوط التغيير
لا يمكن فصل تصعيد لهجة بغداد عن السياق الإقليمي والدولي، فواشنطن صنفت عددًا من الفصائل العراقية المدعومة من الحرس الثوري الإيراني على قوائم الإرهاب، وتضغط لتفكيك ما تصفه بأدوات إيران المزعزعة للاستقرار داخل العراق. وقد ورد أن مهلة نزع سلاح الفصائل جاءت ضمن آخر رسالة أميركية وُجهت إلى الزيدي، فيما تولى الجنرال ديفيد بترايوس مهمة متابعة هذا الملف تحديدًا، في مؤشر على مكانته ضمن الأولويات الأميركية تجاه بغداد. زيارة الزيدي الأخيرة إلى واشنطن ولقاؤه بالرئيس الأميركي عُدّا تعبيرًا عن توافق سياسي غير مسبوق حول هذا المسار.
مواجهة شاملة أم دمج تدريجي؟
رغم حدة الخطاب، فإن الحكومة قد لا تسعى فعليًا إلى مصادرة شاملة لترسانة الفصائل التي تضم صواريخ ومسيّرات وأسلحة متطورة، إذ إن محاولة القيام بذلك بالقوة ربما تفتح الباب أمام مواجهة داخلية واسعة يصعب على الدولة احتواؤها. الخيار الأكثر واقعية، بحسب هذه القراءة، هو انتهاج سياسة الدمج التدريجي عبر التفاوض مع كل فصيل على حدة، مع التركيز أولًا على إخضاع الوحدات التي تتقاضى رواتب من الدولة لسلطة القائد العام، وبناء هياكل قيادة أوضح داخل هيئة الحشد الشعبي.
إن التأخر في الحسم يكرس وجود مراكز قوة موازية للدولة داخل الدولة، بينما قد يدفع التحرك السريع إلى صدام داخل البيت الشيعي نفسه يصعب على أي طرف السيطرة على تداعياته. وتزداد هذه المخاوف مع تصنيف السلاح المنتشر خارج إطار الدولة إلى ثلاث فئات: خفيف يمكن ضبطه عبر عمليات إحصاء تشرف عليها وزارة الداخلية، ومتوسط، وثقيل يشمل الطائرات المسيّرة والصواريخ، وهو الأخطر في حال بقي خارج سيطرة الدولة.
ماذا لو فشلت المهلة؟
قد يرتبط مستقبل حكومة الزيدي نفسها بنتيجة هذا الملف، فالإحباط الذي يبديه إزاء ضعف التأييد داخل بيئته السياسية قد يدفعه إلى عدم إكمال مهمته إذا لم يتحقق حصر السلاح بحلول الموعد المحدد، أو قد تُتخذ خطوات ضد الرافضين تُعرقل عمل الحكومة وتفتح الباب أمام سحب الثقة منها. ومع ذلك، ما تزال شكوك مشروعة قائمة حول مدى جدية التنفيذ: فهل يكون ما يجري لا يعدو كونه مناورة لامتصاص الضغط الأميركي أكثر منه خطوة عملية جذرية؟
إن الإجابة عن سؤال اقتراب ساعة المواجهة ليست حاسمة بعد، وتبقى معلقة بين ثلاثة مسارات محتملة: تصعيد أمني محدود ينتهي بتسويات جزئية كما جرت العادة، أو تسوية سياسية تدريجية تمتص التوتر عبر الدمج التدريجي للفصائل الراغبة في الانخراط بمؤسسات الدولة، أو انزلاق نحو مواجهة داخلية واسعة إذا ما أصرت الفصائل الرافضة على موقفها بعد انقضاء المهلة في نهاية أيلول. وبين إصرار حكومي مدعوم أميركيًا وتشبث فصائلي بسلاحه، يبدو العراق أمام اختبار مصيري سيحدد ملامح موازين القوى داخل الدولة للسنوات المقبلة.