العراق وأميركا: حكاية طويلة
عبد الامير المجر
2026-07-25 04:11
كثيرون من الأصدقاء الذين كنت أناقشهم، وجدتهم على يقين من أن العراق بات فريسة لدول الجوار، وأن أميركا تخلت عنه أو عجزت عن حمايته بعد أن جرّدته من أسباب قوته، وحلت مؤسساته الدفاعية بعد احتلاله. كنت أعترض على هذا الطرح وأراه تعبيرا عن جزع مما آلت اليه أوضاع البلاد بعد العام 2003، وخلاصة اعتراضي هي أن العراق ليس جزيرة صغيرة في عرض المحيط، وانما موقع جيوسياسي حساس للغاية، بالإضافة إلى كونه خزانا هائلا من الثروات الطبيعية المكتشفة وغير المكتشفة، وأن أميركا تدرك أكثر من غيرها أن أي من دول الجوار اذا ما تمكنت من العراق وجعلته ضمن مجالها الحيوي، فإن خارطة الشرق الأوسط كلها ستتغير وبالتأكيد على حساب أميركا ومصالحها فيه، وهو ما لا يمكن أن يحصل.
حكاية العراق مع أميركا طويلة ومثيرة، يعرفها المتابعون للشأن السياسي، لا سيما بعد (ثورة تموز 1958)، التي أخذت (العراق البريطاني) إلى المعسكر الاشتراكي ووضعته في مواجهة مع الغرب، تحت ضغط العقائد اليسارية التي استوعبت اغلب النخب العراقية، المدنية منها والعسكرية، والبريق الذي كان يتمتع به اليسار بشكل عام في حقبة الحرب الباردة.
اجتماع القرم العام 1945 الذي ضم الرئيس الأميركي روزفلت والزعيم السوفييتي ستالين ورئيس الوزراء البريطاني تشرشل، قبيل هجوم الحلفاء التاريخي على دول المحور، المانيا النازية واليابان، وأن الشرق الأوسط، بما فيه العراق وإيران بات ضمن نفوذ الغرب ومجاله الحيوي، وقد تعهد السوفييت بعدم السماح للشيوعيين في البلدين من الوصول إلى السلطة فيهما وهو ما حصل.
من هنا بدأت قصة أخرى، فالقوى القومية العراقية بمختلف توجهاتها العقائدية، لها ثقل كبير في الجيش وترى الشيوعيين، الذين باتت لهم سطوة واضحة على المؤسسة السياسية والشارع بعد العام 1958 أعداء لها، ولا بد من إزاحتهم عن المشهد، ومن هذه العقدة السياسية الحساسة، بدأت رحلة تخادم سري بين القوميين بمختلف توجهاتهم، وبين الأميركان الذين هم أيضا يريدون إبعاد الشيوعيين عن المشهد بأية وسيلة، لا سيما أنهم يرون الزعيم عبد الكريم قاسم شيوعيا، أو يمثل الشيوعيين ويكرس حضورهم في المشهد السياسي العراقي، ولا بد من عمل ما، وقد كان من نتائج ذلك انقلاب شباط 1963 الذي وجه ضربة شبه قاضية للشيوعيين العراقيين، لكنه لم يخرجهم تماما من الساحة.
لكن في النهاية الاميركان لا يريدون متخادمين، فالتخادم يحقق أهدافا مرحلية، وقد يحصل حتى بين الأعداء في ظروف معينة، إنهم يريدون حلفاء في منطقة لا تتحمل بالنسبة لهم وجود منافسين لهم فيها، وعراق ما بعد العام 1958 ظل في توجهه العام حتى بعد الإطاحة بالزعيم قاسم اقرب إلى المعسكر الاشتراكي، بل واصطف معه في مواقف كثيرة، وكان لا بدَّ من اشغاله بمشكلات داخلية وخارجية، تمهيدا لإعادته إلى وضع ما قبل 1958 وبشكل مختلف طبعا يتماشى مع واقع عالمي جديد.
هكذا وجد العراق نفسه أمام تحديات وأزمات كبيرة، وقفت وراءها أجندة خارجية، استنزفت ثرواته البشرية والمادية وسرقت زمنه وأرهقت شعبه، الذي أرهقته سلسلة حروب طويلة، داخلية وخارجية، بدأت منذ النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي وصولا إلى مطلع التسعينيات، تلاها حصار مدمر قبل الوصول إلى لحظة 2003 التي كانت مفصلية في تاريخه.
الصراع الإقليمي على العراق بعد احتلاله، له أسباب مختلفة، اذ لكل دولة من دول الجوار حساباتها، فإيران وجدت في العراق الموالي لأميركا، تهديدا لنظامها ونفوذها، وتركيا رأت أن تقسيم العراق المحتمل سيخلق لها مشكلة، تتمثل بوجود دولة كردية يفرزها التقسيم تلقائيا، إن حصل، ودول الخليج خشيت من تمدد نفوذ إيران من خلاله، بفعل وجود قوى عراقية ترتبط عقائديا بالمشروع الإيراني، وبذلك علق العراق، وسط هذه التجاذبات التي لم يستطع أي من الأطراف حسمها تماما لصالحه، ولم يكن الأميركان بعيدين عن المشهد وان بدوا كذلك للبعض ممن رؤوا أنهم تخلوا عن العراق وسلموه لدول الجوار، بل كانوا يخططون بصمت، وقد نجحوا فعلا، لكن بعد أن دفع الشعب العراقي ثمنا باهظا.
اليوم وقد بدأت ملامح مرحلة جديدة من العلاقة بين العراق وأميركا، بعد زيارة رئيس الوزراء الزيدي لواشنطن، يمكن القول أن العراق سيلتقط أنفاسه بعد رحلته الطويلة والمضنية هذه، التي استمرت لنحو سبعة عقود، فحصر السلاح بيد الدولة يمثل بداية انتهاء الفوضى الأمنية والسياسية والاقتصادية، ويفتح الباب امام استعادة الدولة لقرارها السيادي وانهاء الواقع المرتبك، الذي جعل كل شيء تقريبا في العراق مستباحا والبلاد مشلولة.
الشيء الذي لا بد من ذكره، هو أن العلاقة الجديدة مع أميركا وترميم البيت الداخلي العراقي وترصينه، أتى كمعطى لتحولات كبرى شهدتها المنطقة في السنين الأخيرة، وهي أيضا في سياق مخطط معد مسبقا، تم تنفيذه على مراحل، ولعل العلاقة العراقية الأميركية الجديدة هي من ضمن الحلقات الأخيرة فيه.