الرواقية وفن تدبير الحياة
احمد شحيمط
2026-07-25 04:04
تقديم:
الرواقية مذهب فلسفي قديم، نشأت هذه الفلسفة باليونان مع زينون الرواقي في القرن الثالث قبل الميلاد، وهي مذهب فلسفي متكامل الغايات والأهداف. ويمكن التمييز بين الرواقية المبكرة والرواقية المتأخرة، عصر زينون وباقي الفلاسفة اليونان في مدينة أثينا، والفلاسفة الرومان أمثال إبكتيتوس وسينيكا والإمبراطور ماركوس أوريليوس.
كما تدور الفلسفة الرواقية في ثلاث قضايا: المنطق، والطبيعة، والأخلاق، وتدريب العقل على الحكمة والتأمل في الحياة إيمانًا بقيمة العقل في تدبير شؤون الإنسان، والإيمان بالراحة النفسية أو التوازن النفسي. ملامح الفلسفة في غنى دلالتها وقوتها بوصفها فلسفة تُعنى بالحكمة العملية في الحياة، وليست الفلسفة نابعة من التفكير المجرد أو التنظير النظري إلا إذا كانت الرؤية النظرية مهمة في ثنايا الحياة والغايات الخاصة بالوجود الإنساني.
كتب الرواقي عن الحياة والرغبات والانفعالات، وكتب عن الصفات المميزة في الطبيعة الإنسانية، عن الحسد والغضب والانفعالات، وكتب عن الإنسان والسعادة والفضائل العملية، وعناية الرواقي بالحياة والعقل ودعوته للعيش وفق الطبيعة، وكل ما يتطابق مع العقل الكلي.
فكل من يرتمي في أحضان الرواقية، وكل من يريد أن يسلك طريقه على خطى الرواقية، يستجيب في عمله للخطوات العملية في تحقيق الحكمة والظفر بالسعادة. كما يرغب الرواقي دائمًا في السلام الداخلي، يريد أن تكون الإرادة الموجه لحياتنا، وأن يكون الفعل نابعًا من الذات والتأملات الذهنية للحياة، والتحرر من القلق والتركيز على كل ما يقع تحت سيطرتنا.
إننا نواجه الحياة بجرأة وإرادة. الحياة قصيرة جدًا، ويجب أن يعيش المرء على طبيعته. العفو يطفئ الغضب، والانسجام مع الذات مبدأ ثابت، والصفح يخمد نار الحقد والحسد، والعقل والتوازن في الذات يطفئ لهيب الرغبات والانفعالات.
رسائل الرواقي سينيكا وتأملات ماركوس أوريليوس كلها نابعة من الحكمة العملية، نابعة من الفضائل وغايتها أن يكون الإنسان سعيدًا بعقله. الغضب مصدره التوقعات الخاطئة، والتفاؤل المفرط يولد الإحباط. أن تتوقع كل الأشياء، وأن تأخذ نصيبًا من الاحتياط، كما تُعد العفة فضيلة سامية، فلا يجب الإفراط في التفاؤل والزيادة في جرعة الأشياء بالتمني والتقدير الخاطئ. يجب أن يكون الرواقي على استعداد لتقبل الأشياء، أي التقليل من التفاؤل بحيث لا نرسم أحلامًا فوق طاقتنا. ولا شيء مستقر، لأن مصائر البشر في خطر عندما لا نملك ما يجعلنا نعيش بتناغم مع الطبيعة، وأن نترك للعقل أن يدير أمور حياتنا. كل ما هو جزئي ينتهي، وما هو كلي يبقى خالدًا، وأن نمدح العقل والروح، ولا نجعل من العطاء المادي أساس حياتنا.
لقد كان سقراط شجاعًا أمام الموت إيمانًا منه بالمبدأ، وقناعة راسخة في انفصال النفس عن الجسد. الشجاعة فضيلة، ويعلم الحكيم أن الفضائل العملية تقود الإنسان نحو السعادة وسكينة النفس. الفضيلة علم والجهل رذيلة. طريقة سقراط في تعلم الحقيقة وبناء الذات من الداخل، وشخصية سقراط لا بد أنها حاضرة في الفلسفة الرواقية، والميل إلى تعلم الأشياء والعمل بالحكمة العملية يؤدي إلى محبة الحكمة ومزاولتها في الواقع.
يحيا الرواقي على أمل أن يحيا وفق الطبيعة وانسجامًا مع الذات، كما يدرك الرواقي قيمة العقل واستقامة الحكم ونزاهة الإنسان في الحياة، كلها أدوات مهمة في السمو والرفعة، والتجاوز للغضب والانتقام، وعدم السماح للنفس بالانحراف. ولادة الإنسان بالعقل والحكمة ولادة للسياسة الرشيدة بالعفو والصفح وعدم الانتقام. توازن النفس الإنسانية وبناء الإنسان أو تحقيق المواطنة العالمية عندما يتم ترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة.
الرواقية القديمة والرواقية المتأخرة عناوين عريضة لاسم واحد، يتعلق الأمر بالفلسفة الرواقية أو المذهب الجامع للفلسفة والتفلسف. التفكير هنا لا يشمل الأخلاق والفضائل الأخلاقية فحسب، بل يشمل علم المنطق والطبيعة، وإذا كان علم المنطق لا يتطابق مع منطق وطبيعيات أرسطو، فإن الجانب العملي والحكمة أساس الأفكار القائمة في الرواقية. ولذلك استلهمت الرواقية، كفلسفة عملية، مبادئها من تيارات ومذاهب مختلفة، من سقراط وحكمته في قول الحقيقة وتدريبه للعقل من خلال المنهج التوليدي، وتدريب الإنسان على الحوار والنقاش في الساحات العمومية، إيمانًا من الفيلسوف سقراط بقيمة التفلسف، وقوة المنهج في توليد واستخراج الأفكار، والعمل على إعادة تعريفها.
وليست الرواقية في عداء مع الأبيقورية، رغم قول الفيلسوف أبيقور باللذة الحسية، وعدم التشديد على العقل في تدبير الأشياء أو محاولة الرفع من اللذات الحسية كعامل لإزالة التوتر ومنح السكينة والهدوء للنفس، لأن الرواقية في مبدئها الأصيل تشدد على تطويع الرغبة، وضبط الانفعالات من خلال ترك الأمور للعقل، والتدريب العقلي والروحي؛ لأن قانون الطبيعة يسري على الإنسان، وقانون الإنسان حسن تدبير الأمور كما يبتغيها العقل.
والحياة ليست طويلة، بل قصيرة جدًا، ويجب أن يحيا الإنسان على الأمل أن يحيا وفق قوانين الطبيعة. ولذلك أخرج الرواقيون فكرة المواطنة العالمية، وفكرة الأخوة والمحبة. وسؤال الرواقي المهم: كيف يعيش الإنسان؟ هل يحيا الإنسان حياة العقل؟ ولماذا نحتاج إلى الفلسفة؟
الرواقية والتدريبات الروحية
الرواقية مذهب فلسفي يشمل مرحلتين أساسيتين: المرحلة اليونانية والمرحلة الرومانية، وما يجمع المرحلتين مبادئ الرواقية وقناعات الرواقي، وجملة من الرسائل والتأملات، والمختصر المفيد في فن الحياة وطرق نيل السعادة، وكذلك العيش بتناغم مع قوانين الطبيعة وقواعد العقل.
الحياة بالمعنى البسيط ليست سوى معارك الإنسان مع ذاته، والمعركة الشرسة مع الرغبات الجامحة، وما يهدد سلامة الإنسان في الوجود إذا لم نحسن التعامل مع الرغبات، وإذا جنح العقل والنفس جنوحًا سلبيًا نحو تدمير الذات. فوظيفة الإنسان أن يستكشف في نفسه العقل الطبيعي وأن يترجم عنه بأفعاله، أي أن يحيا وفق الطبيعة والعقل. وقد وهبتنا الطبيعة حب البقاء ميلًا أساسيًا يهدينا إلى التمييز بين ما هو موافق لها وما هو مضاد، فنحن نطلب ما ينفعنا ونجتنب ما يضرنا بالطبع (1).
ومدخل الاستكشاف البحث عن الذات في ركام الرغبات، وانحراف الميول نحو كل ما هو سلبي وهدام لبناء الإنسان على قناعات مهمة تؤدي للحكمة العملية. مبادئ أصيلة في المذهب الرواقي تجعل من هذه الفلسفة مرآة الإنسان في الواقع، وأن يكون إيمان الرواقي شديدًا بالفعل المطابق لذاته وللواقع، وكل ما يتعلق بالنوايا الطيبة والغايات النبيلة في الحياة القصيرة أصلًا. وليست الحكمة سوى استقامة العقل وسلامة الحكم.
الحياة ليست ثابتة ولا جامدة، الحياة سيل من الأحداث والوقائع التي يمكن أن تنال من الإنسان، وتنال من الجهد والفعل، ويمكن أن يصاب الإنسان بخيبات الأمل، وهنا تتراخى الهمم والعزائم. وخير للرواقي أن يتوقع كل الأشياء في الحياة؛ فالتفاؤل المفرط، وانحراف النفس نحو اللذات الهدامة، وكل ما يؤدي إلى الضجر والقلق، أسباب وأشياء تقلل من سعادتنا وبهجتنا في الحياة.
وطريق السعادة من خلال وضع قواعد للسلوك الإنساني، وكل ما يتعلق بالأخلاق وحكم العقل واستقامة الإنسان في الحياة، وأن الفعل الأخلاقي لا يكون صحيحًا إلا إذا كان موافقًا لما تقتضيه قوانين الطبيعة؛ أعني أن الفعل الأخلاقي يتجه إلى تحقيق ما يجري عليه نظام الطبيعة (2). في الطبيعة كل شيء معلل ومنظم بقوانين ثابتة، وفي الإنسان العقل القائم على قواعد ومبادئ تثير في الإنسان الرغبة في المعرفة وتعليل الأشياء بمنطق وحكمة.
حقيقة المذاهب الفلسفية اليونانية كلها تنبع من تفكير عميق في الوجود والموجودات، تفكير عميق في الذات. الفلسفة وليدة تساؤلات وأسئلة جمة في غمار الطبيعة والإنسان معًا، سؤال الوجود والطبيعة في حكمة قدماء اليونان، وسؤال الفحص والتحري عن حقيقة الإنسان، وعلاقته بالطبيعة والوجود. والرواقية بهذا المعنى فلسفة تهتم بالإنسان، وتدريب العقل على المعرفة وفن العيش، فلسفة تلقي على عاتقها هم الإنسان وسعادته عندما تنخرط في الحياة وتجعل من وجود الإنسان وسلامته أساس بناء منطق سليم للحياة والذوق معًا.
الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة وبناء الإنسان على منطق سلوكي سليم بعيدًا عن الانفعالات والأهواء المنفلتة. مهمة الفلسفة علاجية في تقويم الغضب، والنأي بالذات عن القلق وكل ما يزيد الذات توترًا. والعيش وفق الطبيعة يعني العيش وفق العقل دون العودة إلى الماضي أو تذكر مآسي الإنسان في الماضي، ودون التطلع أكثر زيادة على المستقبل.
إن الرواقية بهذا المعنى تنصب على الحاضر أولًا، حيث يعيش الإنسان لذاته بتناغم. والتدريبات الروحية على الطريقة السقراطية تعني تمرين الذات على تعلم الحقيقة وتعلم الفضيلة. والتمارين الروحية ترياق للنفس في توازنها، وشفاء للروح من سقم وهموم الواقع، وشفاء من تلك التطلعات أو السقف الذي يضعه الإنسان في ابتغاء شيء ما، فلا ينال منه إلا خيبات الأمل في عدم التطابق بين الأفكار والواقع، والحسرة والسقوط في الاستحالة، والتوقع الخاطئ للمستقبل.
شيئان يجب أن ننفصل عنهما كما قال سينيكا: الخوف من المستقبل وذكريات الماضي الأليمة. هذا لا يعنيك، وذلك لم يعرض لك بعد. خير لنا التفكير في الحاضر، والعيش بتناغم مع الطبيعة. أفضل لنا تعلم الفضيلة، وتدريب العقل على الحوار والتواصل وفن العيش. الفلسفة هي السعادة ذاتها، وليس كما يقوله الأبيقوريون إن الفلسفة أداة من أجل تحقيق السعادة، يعني ضرورة التفلسف والأخذ بمنطق الفلسفة الذي يُعد كمنطق العقل والحكمة العملية أولى الأشياء بالعناية والقول.
والحكمة عند أصحاب الرواق هي استقامة العقل فحسب، ولما كان العقل خلوًا من الهوى والانفعال، فإن الرجل إذا بلغ مرتبة الحكمة فلن يستطيع شيء، مهما يكن، أن يسلبه إياها(3). فضيلة الإنسان في التعلم والفهم، والرذيلة منبعها الجهل. وبذلك كانت الحكمة نافعة للخير والاستقامة، والشر نابع من الجهل وعدم التعلم.
الحقيقة كما يراها الحكماء نابعة من الداخل وقابعة في الذات، وبالتالي نحن في حاجة للتأمل؛ تأملات في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس تنطلق من اعتبار الذات مركز الحقيقة، والفهم للذات في فهمها وقدرتها على إدراك طبيعة العالم. لا بد أن تكون تأملات الإنسان نوعًا من التدريبات الروحية للعقل والجسد معًا. التدريبات تزيل الهموم والقلق، والتدريبات تنأى عن الهوى والعواطف الجياشة. الإنسان جزء من نظام كوني غايته أن يكون سعيدًا في الوجود، أن يحيا على طبيعته وطبيعة القوانين؛ لأن الحياة قصيرة ويجب أن نعيش بتناغم.
ومبدأ العمل يقتضي منا تقدير كل لحظة في الحياة، وأن لا تصير حياتنا عبثًا ولهوًا. أما الفضائل التي كان يدعو إليها أفلاطون وسقراط فهي: الحكمة والشجاعة والعفة والاعتدال. أعلى الفضائل تحقيق العدالة كانسجام وتناغم بين الإنسان وذاته، وبين الطبقات الاجتماعية. تبقى العدالة أم الفضائل مشروطة بالقوة المعنوية والقدرة في التدبير والاتزان، حكمة الفلاسفة، وقوة العقل في تحقيق التوازن النفسي والذهني. تتحقق العدالة بين مجموع القوى النفسية كالغضب والشهوة والعقل، ومجموع قوى المجتمع بين الطبقات الاجتماعية، أي بين طبقة الفلاسفة وطبقة الجنود وطبقة عامة الشعب.
الفكرة الجوهرية هنا تتعلق باطلاع الرواقيين على الفلسفة السابقة، وعنايتهم بالمذهب وليدة التأثير بالسابقين منهم: هيراقليطس في الطبيعيات، وسقراط في الأخلاق، وطبعًا أرسطو في المنطق، مع وجود اختلاف في البناء والرؤى، ولا يمكن أن يكون التطابق كاملًا، بل في وحدة المذهب الرواقي ما يدل على الإبداع في النظر للذات والعالم. ومن يعتبر أن الرواقية مذهب متعدد المواقف والتأملات، إنها مذهب هيراقليطس كما ذهب إلى ذلك يوسف كرم في كتابه "تاريخ الفلسفة اليونانية". الرواقيون ماديون، فكل معرفة عندهم معرفة حسية أو ترجع إلى الحس، والأصل في المعرفة أن الشيء يطبع صورته في الحس بفعل مباشر، لا بواسطة "أشباه" كما يقول الأبيقوريون(4).
حوادث الكون محكومة بقواعد ثابتة، والعقل الإنساني محكوم بمبادئ، وكل ما في العالم معلل ومحدد بالغايات في خدمة الإنسان. وقوة الرواقية في جوهر فلسفتها القائمة على مبادئ تتعلق بقوانين الطبيعة والحرية الإنسانية. ملامح الفلسفة الرواقية في بعدها الأخلاقي المعياري، وفي قوة الفلاسفة على بناء نظرة شمولية عن الإنسان وسعادته من منطلق السؤال الجوهري: كيف يحيا الإنسان؟ الحياة وفق قانون العقل تعني الحياة وفق قانون الطبيعة الذي يحكم العالم. طبيعة الحياة أن تكون عاقلة، وأن يحكمنا العقل ويدبر أمرنا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الرواقي ملزم بتملك مجموعة من الصفات الخاصة بالتعامل وفن العيش معًا.
مهمة الفلسفة تتعلق بالفهم، وحسن توجيه السلوك نحو المفيد للعيش الرغيد. الفلسفة علاجية، فقد صدع الرواقيون بأن الفلسفة بالنسبة لهم تدريب. الفلسفة ليست تعليم نظرية مجردة، وهي أبعد ما تكون عن عملية تفسير نصوص، إنما الفلسفة هي فن العيش(5)، فن تدبير الحياة بطرق عقلانية، فن العيش والتناغم مع الذات.
إن الفلسفة بهذا المعنى تدريب روحي، وتقويم سلوك لاستقامة النفس واستقامة الفعل. نتعلم كيف نحيا، ونعيش كيف نواجه الموت والمصير، ونحسن التفكير والانهمام بذواتنا. هناك حوار يجري بين الذات وذاتها، وحوار يجري مع الآخر. قوة الحوار في السؤال والتواصل، الحوار الذي يقود إلى التحول. ولطالما يعطي الرواقيون مثالًا بالحكيم سقراط الذي اتخذ من فن التهكم أسلوبه المميز في سبيل إحداث التحول في النفس والفكر. أن يكون الإنسان على استعداد لتعلم الحقيقة، وأن يتدرج سقراط بالمحاور في سبيل بناء الذات، وتحرير المحاور من الجهل والمغالطات الفكرية.
قناعة الفيلسوف سقراط نابعة من الحجة وطريقته في التفلسف. ولذلك كان مزعجًا يكثر من طرح الأسئلة ولا يعطي جوابًا محددًا، ويمتاز بميزة أساسية في فلسفته التي تتعلق بالتعريفات وإقامة الحجة والدليل على زيف المغالطات. وعندما ينتهي من السؤال يتولد لديه سؤال جديد. وهكذا يتحول المشهد الخاص بالنقاش والحوار إلى فضاء ممتع دون أن ينتهي إلى أجوبة قطعية، إلا أن الأمور كانت واضحة، كما يؤكد على ذلك ويل ديورانت في كتابه "قصة الفلسفة"(6)، في سؤال لسقراط عن الفلسفة الطبيعية، حيث اعتبر هذه الفلسفة حسنة لأنها تزيل الغموض عن الأشياء من خلال سؤال في الوجود وطبيعة الأشياء، لكن أرقى فلسفة وأعلاها قيمة تلك التي تُعنى بالإنسان.
ولذلك ظل السؤال السقراطي أخلاقيًا بامتياز يروم بناء قيمة الإنسان في بعده الفكري والأخلاقي معًا. الثناء على الفلسفة السابقة يعني أن للفلسفة خطوطًا متوازية ومتكاملة الأجزاء، ولا يمكن للنسق الفلسفي أن يلغي جزءًا من هذه الأجزاء. الفلسفة ممارسة علاجية ضد الألم والقلق، وعلاج مفيد لأشكال القهر النفسي، وتدريبات روحية على التأمل والتبصر في الحياة من منطلق فكري عميق للوجود الإنساني في تناهيه، والوجود المادي في عظمته.
لذلك قدم الرواقيون تعريفًا للفلسفة بأنها علم الأشياء الإلهية والأشياء الإنسانية، ولعل الرواقيين أرادوا بهذا التعريف أن يتجاوزوا نظر سقراط حين جعل الفلسفة قاصرة على الأمور الإنسانية، فأضافوا إليها النظر في الأمور الإلهية(7). الآلهة والناس ليسوا سوى أجزاء من العقل الكوني، والعقل يحكمنا ويدبر أمورنا. العقل المستقيم معيار للخير والشر، وكل فعل إنساني سديد لا بد أن يكون متطابقًا مع العقل، ومن يملك الحكمة يملك سائر الفضائل.
وتعلم الحكمة يحتاج إلى قنوات وأدوات منها: التجرد من الغرائز والرغبات الهدامة. الحكمة قمة الفضائل التي تأتي بالمران والتدريب للنفس، نوع من الثراء الروحي وغنى النفس، والجمال الذي يمنح الإنسان بهاءً إزاء الحياة وفن العيش. أن يحيا الرواقي على المبدأ القويم، وأن يعيش كريم النفس. والفلسفة النظرية ليست كافية في الترقي وتحصين النفس والعيش على المبدأ الفلسفي القويم. الفلسفة العملية أساس الحكمة، أن يتحلى الإنسان بالفلسفة العملية سلوكًا وعملًا.
مهمة الفلسفة أن تعلم البشر ألا يسعوا إلا إلى ما هم قادرون على اكتسابه، وألا يتجنبوا إلا تلك الشرور التي بوسعهم اجتنابها، مستندين في ذلك إلى الحرية الإنسانية(8). يعيش الإنسان على الطبيعة ومنسجمًا مع ذاته. فن تدبير الحياة يحتاج منا إلى الشعور بالسكينة بعيدًا عن القلق والرتابة. الزمن يمر بسرعة، الزمن يمتاز بالانسياب والتدفق، والحياة تدفق وجريان، ولا شيء يبقى راكدًا وساكنًا. إنها فلسفة هيراقليطس، فيلسوف الصيرورة والتغير. كل الأشياء في تبدل، ومصيرنا إلى الزوال، وعندما ننتهي يبقى الأثر. فمن الأفضل العيش وفق العقل والعيش وفق ما يبتغيه الإنسان من خلال نمط وجود يتميز بالسعادة والأمل.
الحياة لا تتعلق بالماضي، في تعلق الإنسان بأمجاد أو مآسي الماضي، ولا يجب ترقب ما يمكن أن يكون في المستقبل. الحذر من كل ما فات، والحذر من كل ما هو آت. إنها اللحظة التي يجب على الإنسان حسن تدبيرها، إنها الحياة ونمط وجودنا الذي يتميز فيه الإنسان بالقدرة على الفعل والاختيار. إننا نبحث عن السلام الداخلي، نبحث عن الهدوء، ليس على الطريقة الأبيقورية أو على طريقة الكلبيين، ولو أن الرواقية في شخص سينيكا كان قريبًا من تعاليم وأفكار أبيقور في اللذة والحياة السعيدة. لقد فهم سينيكا مغزى فلسفة أبيقور ومذهبه. لا يمكن وصف اللذة الحسية بالشر، ولا يمكن وصفها بالخير. البحث يسير حثيثًا نحو الفضيلة وانتقاء ما هو نافع من اللذة.
لذلك يمكن القول إن أبيقور كان حريصًا على الجمع بين الروح والجسد، لأن كل لذة طبيعية بمثابة لذة ضرورية، نافعة ومفيدة لسلامة الجسد وهدوء الروح، دون أن تكون دعوة الفيلسوف إلى اللذات الماجنة، ولو أن الفهم لأبيقور ومذهبه لم ينل نصيبًا من التأمل والفهم. يمكن القول إن الرواقية استوعبت بعض الأفكار من الأبيقورية من خلال حوار الفلاسفة الذي يشير، كما العادة، إلى وظيفة الاقتباس أو التأثير أو أحيانًا التجاوز من خلال آلية النقد للمذهب.
غاية الرواقية كمذهب فلسفي إقامة الدليل والبرهان على قوة العقل والحكمة في سبيل إسعاد الإنسان. إذن، الفضيلة هي الحياة بمقتضى العقل، والأخلاقيات هي ببساطة الفعل العقلاني. إن العقل الكوني هو الذي يدبر حياتنا وليس الهوى والإرادة الذاتية للفرد (9). الفضيلة ليست نابعة من الماديات، الفضيلة نتاج للحكمة والتأمل في مصيرنا، وترسيخ الفضيلة في النفس والعيش بحكمة. ولا يجب على الرواقي الخوف من الموت، ذلك قدر الإنسان. تقابل بين الحياة والموت، الحياة قصيرة جدًا، أعمال لا يمكن إنجازها دفعة واحدة، وطموحات لا يمكن تحقيقها. نتوقع الحياة الطيبة، إلا أن الحياة لها منطقها الخاص، الحياة متغيرة والإنسان يتحول ويتغير أو بالأحرى يتكيف مع تقلبات الحياة. لا يمكن للحياة أن تحمل كل التوقعات الخيرة، فلا يمكن أن يكون التفاؤل عاليًا، بل يجب أن نعيش مع الحياة في تبدلها، حتى لا يصيبنا الغضب والقلق، وحتى نعيش بانسجام وتناغم مع الحياة.
التفاؤل المفرط يولد في الإنسان خيبات الأمل والانكسار، والتفاؤل المفرط يولد فينا الإحباط عندما نرفع من التحديات والتوقعات، وتكون النتائج على عكس ما نبتغيه ونريده. فكرة الرواقية نجدها لدى الفيلسوف شوبنهاور عندما اعتبر الحياة كلها معاناة وحرمانًا؛ لأن الإنسان شديد اللهفة، كثير الرغبات. لا يوجد تطابق بين الإرادة والرغبات، والإرادة أقوى من الميول العقلية. وهكذا يصاب الإنسان باليأس والقلق الذي ينبع من غياب الانسجام بين التوقعات والنتائج، وينعكس ذلك على سعادتنا، مما يتولد فينا الشقاء والبؤس ونصير عبيدًا للرغبات، ولا شيء يقلل من هيجان هذا الاندفاع إلا سلطة العقل وحدود الإرادة.
أفعالنا سبب سعادتنا أو شقائنا، علينا إدراك الفعل وحدود العمل بقدر ما نستطيع فعله. من الأشياء ما هو في قدرتنا وطوقنا، ومنها ما ليس في قدرتنا وليس لنا به يد، فمما يتعلق بقدرتنا رغبتنا ونفورنا، وبالجملة ما هو من عملنا وصنيعنا(10). وكان الرواقي يلقي باللوم على الإرادة الجياشة، ويحاول أن يحاكم الإنسان في جموحه واندفاعه. الإنسان كائن يريد ويرغب. إننا نبحث عما هو أصيل في الإنسان. الغضب والحسد من المشاعر السلبية، ونار الغضب يتم إطفاؤها من خلال العقل والنمو المتزايد في السلامة والتوازن النفسي.
تأملات الرواقيين في الحياة على طريقة ماركوس أوريليوس، والمحادثات على خطى إبكتيتوس، وما يتعلق بنوازع النفس في تحليل عوالمنا الداخلية، وسلوك الإنسان في فلسفة سينيكا، رسائل الفيلسوف وما يتعلق بالمحادثات والمختصر في الحياة كلها جوانب مهمة تثير الفضول في معرفة طبيعة المذهب الرواقي.
راهنية الفلسفة الرواقية مطروحة الآن، وإنسان اليوم في حاجة إلى تعديل السلوك الاستهلاكي، في حاجة إلى التدريبات على الطريقة الرواقية، الفلسفة بوصفها تدريبات روحية، والفلسفة علاجية للفعل والسلوك. أسئلة الرواقي من قبيل: كيف أعيش؟ كيف يحيا الإنسان؟ كيف يدبر العقل أمور حياتنا؟ من يتحكم في حياته يتحكم في قراراته وقدراته. يجب أن تكون القدرة متطابقة مع الحياة في بساطتها. كل كائن يجب أن يتبع ما تمليه عليه طبيعته. الرواقية بوصفها فلسفة عملية وفنًا في تدبير الحياة. الأمل أن يحيا الإنسان وفق طبيعته، والغاية تحقيق السلام الداخلي والراحة النفسية.
التدريبات الروحية من خلال الحوار والتواصل مع الآخر، وبناء على الحوار مع الذات، قواعد بمثابة ترياق للنفوس المريضة بالقلق والألم وسائر المشاعر السلبية. لا للعودة إلى الماضي وما يحمله من ذكريات، ولا يمكن التعلق بالمستقبل. الإنسان وليد اللحظة، ويجب النظر بعين الرضا والسكينة للحاضر، وما يمكن أن يجعل تركيزنا ينصب على اللحظة دون التفكير في الموت أو العودة للماضي. لذلك تقدم الفلسفة الرواقية وصفة عملية وليست سحرية لما يجعلنا نشعر دائمًا بالسكينة ونترقب كل شيء في الحياة، كل ما تحمله الحياة من ملذات وأحزان، كل ما يمكن أن يجعلنا نتكيف مع الوضعيات المختلفة، ولا نرفع من التوقعات حتى لا يصيبنا الهم والقلق.
الغضب جنون مؤقت يؤثر على رشدنا، تنفلت المشاعر وتطفو الانفعالات، ويتراجع الجانب العاقل فينا. وبالتالي خير لنا أن نكون على انسجام وتناغم بين ما نرغب فيه وما نطمح إلى تحقيقه. وعند الرواقية أن كل شيء في هذا العالم مسوق نحو غاية ومدبر لخدمة الإنسان، وهذه نظرية العناية الإلهية. وعلى الإنسان أن يسعى بإرادته، ومحض حريته واختياره، إلى أن يتوافق مع القوانين العامة للطبيعة. فالفضيلة إذن تقوم في حرية الإرادة الموافقة للطبيعة. وما دام الأمر كذلك، فلا بد أن يكون الحكيم الرواقي سيد نفسه، لا يهمه فقر أو غنى، ولا تصده أي قوة خارجية عن الفضيلة(11).
السعادة وفق الطبيعة، والعقل يحكم في أمورنا حتى نتصرف بحكمة وروية. لا بد من إدراك قيمة الفضائل الأربعة: الشجاعة، والاعتدال، والعدالة، والحكمة. الإدراك مدخل أساسي لفهم قيمة الحياة والعيش وفق الطبيعة. كل شيء في العالم منظم ومحكم، وكل شيء في الإنسان يجب أن يكون كذلك. همّ الإنسان في الوجود أن يحيا بالعقل، وأن يعيش الإنسان على الفضيلة.
الرواقية المتأخرة وفن العيش
الرواقية مذهب أخلاقي، والرواقية المتأخرة تصنيف يُراد به التمييز بين اللحظة اليونانية واللحظة الرومانية. بعيدًا عن فلسفة المؤسس زينون، وبعيدًا عن فضاء أثينا، هناك في مكان آخر نمت الرواقية وتوهجت من خلال بعض الرواد الذين منحوا المذهب الرواقي قوة بالزيادة والتفسير لما يتعلق بقيمة المذهب في شتى المستويات، خصوصًا على المستوى الأخلاقي والفكري.
توهجت الرواقية بوصفها فلسفة عملية وحكمة يبتغي فيها الإنسان السعادة والسلام الداخلي. الرواقية في مجملها فلسفة تروم تحقيق المواطنة العالمية أو العالم بالمعنى الروحي، حيث يكون الإنسان والإنسانية، وحيث تختفي الجغرافيا والانتماء المحلي إلى انتماء عالمي من خلال مبادئ الفلسفة وقوتها كحكمة عملية. تطورت الرواقية مع سينيكا وإبكتيتوس وماركوس أوريليوس. تجتمع نظرة هؤلاء على فكرة معينة مفادها أن الرواقية فلسفة عملية، قائمة على عبارة عريضة: الحياة وفقًا للطبيعة، والعالم يسير وفق قوانين الطبيعة، وليست الحياة سوى المنطق الذي يحكم العالم والأشياء. ونيل الفضيلة ليس بالأمر السهل، بل الفضيلة نوع من الجهد والعناء في سبيل التحرر من الانفعالات والغضب، الانفعالات النفسية التي يمكن اعتبارها عائقًا في بلوغ السعادة.
كتب سينيكا عن العفو والانتقام، وهو مهم للحياة الفردية وأساسي في قيام الحياة السياسية. العفو مبدأ أصيل، اعتدال العقل عندما يملك القدرة على الانتقام، أو اعتدال الأسمى نحو الأدنى في ردع العقاب(12). يسود العفو ويقل الشر، ويطفو في العمل بالعفو قمة الأمن وسلامة الناس. عندما يعفو الحاكم فذلك زينة للسلطة، والعفو ضد القسوة، قريب من اللين والرحمة، ملتصق بالحكمة والتروي. العفو يعزز من الحكم الرشيد، نوع من التقويم وإظهار للرحمة والرقة، والحاكم الطاغية لا يمكث في سلطانه إذا بالغ في التسلط. العفو فضيلة سامية عند الحاكم، قوة وحكمة.
وفي أقوال سينيكا ومبادئ فلسفته حكمة ضد الحكم الشمولي، لذلك دفع الفيلسوف ثمنًا باهظًا في علاقته بالحاكم الطاغية "نيرون" الذي أجبره على الانتحار. رسائل الفيلسوف إلى أمه وصديقه "باولينوس" كلها دروس نابعة من الحياة والخبرة في مجالات عدة، نابعة من قناعة الفيلسوف وفن العيش، رسائل في ترسيخ الفضيلة في النفس، والعيش وفق الطبيعة وقوانين الوجود.
الحياة التي نعيشها قصيرة جدًا، ولا نسمح أن نضيع أوقاتنا في التفاهة أو أشياء مبتذلة. الحياة يجب أن نعيشها كما نريدها ونرغب فيها بإرادة وعقل. إن كل يوم تضيعه لأجل شخص أو شيء ما قد يكون يومك الأخير. تتعامل مع مخاوفك كفانٍ، ومع رغباتك كمخلوق خالد لا يموت(13). انغماسنا في ملذات الحياة لا يقوينا ولا يمنحنا السكينة والأمل. الحياة التي نعدها قصيرة، علينا أن نسرع الخطوات إلى حيث تأخذنا الظروف، إلى حيث يرغب الإنسان في العيش بسلام. كل الأوطان أوطان الرواقي، لذلك وجد زينون بديلًا في وطن اليونان.
الوطن هنا يعني أنك لست غريبًا في العالم، بل أنت جزء من عالم رحب وفسيح. هنا نقول إن الرواقي ينشد المواطنة العالمية، وينشد الأمل أن يحيا الإنسان على الحرية بدون قيود القوانين الوضعية. لا يجب التوقع والترقب لما يمكن أن يكون عليه الإنسان في المستقبل. نتوقع الحياة الطيبة دائمًا، والحياة قصيرة ومتغيرة، الحياة مقلقة جدًا، وقصيرة بالنسبة إلى أولئك الذين ينسون الماضي، ويهملون الحاضر، ويخافون المستقبل. وعندما تحكم قيود الموت قبضتها سيدرك أولئك الفقراء البائسون أنهم كانوا منهمكين باللاشيء(14).
يستغرق الإنسان مدة طويلة يتعلم كيف يموت. الإنسان لا ينبغي أن يخشى الموت. سقراط المثال الحي على الشجاعة أمام القضاة. يعلم سقراط أن قضيته تتجاوز الأفراد إلى قضية رأي عام تتعلق بالمشروعية الفكرية والأخلاقية التي حملها الفيلسوف في التغيير للعقول. لقد عرّض الفيلسوف سقراط نفسه للموت من أجل الفضيلة، وفضل أن يموت على أن يتخلى عن مطالب ضميره، رافعًا لذلك الخير فوق الوجود، والفكر والضمير فوق الحياة في الجسد(15).
وما يطفئ نار الجسد، ويمنح السكينة للنفس والهدوء الداخلي، قواعد مهمة في العمل والسلوك تتعلق بالحكمة والعقل. أن تكون رواقيًا اتبع مجموعة من القواعد، واستند إلى الفلسفة والحكمة العملية، والتزم بالهدوء والاتزان. لا يجب قمع المشاعر. الغضب نار وليس شرًا مطلقًا. الغضب حسب سينيكا تحرر مؤقت من سلطة العقل. في الغضب يغيب ويتلاشى التفكير المنطقي وتخرج الانفعالات. الغضب الذي أؤكد عليه هو ما يتسم بالشر، حيث عدم القدرة على السيطرة عليه، ويتنامى استنباطه من الحقيقة ذاتها إذا ظهر مناقضًا لإرادته، ويتعقب نوايا ضحايا من الصراخ والضجيج واعتزاز الجسم كله، وإضافة من الشتائم والقسوة(16).
الغضب مدمر يولد الندم، ويكون نتاجًا للتوقعات الخاطئة، والتضخم في الانفعالات. ومن أفضل الطرق المؤدية للعلاج من الغضب والتقليل من الانفعالات السلبية، إبطاء الخطوات والحد من نبرة الصوت، والتريث في الحكم، أي التأخير أفضل علاج، والابتعاد عن التسرع في الأحكام. ولنقل بشكل عام: ضبط النفس وجعل الأشياء خاضعة للعقل، أو أفضل دواء للغضب هو الإرجاء، وما يجعل الذات منسجمة مع ذاتها، يتعلق الأمر بالاعتدال والتوازن.
كما يضيف سينيكا إلى فلسفته ما يتعلق بالإحسان والعطاء. الإحسان مصدره النوايا الحسنة، والإحسان لا يمكن أن يكون مصدره الزهو والافتخار بالذات. الإحسان ينبع من الفعل والنية الطيبة. لا نتهامس بالإحسان، ولا نقدم أنفسنا كرموز للعطاء. الإحسان فعل يقوي من التماسك الاجتماعي، والإحسان الجيد غالبًا ما يكون نابعًا من نية المعطي، ولا يمكن أن يكون الإحسان كله ماديًا.
الرواقية، كما نفهمها، تمرين للجسد وترويض للرغبة. الطبيعة روح الكون، ومنطق المعاملة يتجلى من خلال المحبة والأخوة، يعني أن العالم واحد والناس كذلك. نتأمل في الحياة كما في تأملات ماركوس أوريليوس، يعني التقليل من التوتر والقلق والتحكم في الذات. فن العيش في الحكمة وتأمين الإنسان للسلام الداخلي. في التأملات رغبة شخصية من الحاكم التوجه نحو الحكمة وبناء سليم للذات على الاعتدال. يعبر الحاكم الرواقي عن ذاته ونوازعه النفسية، ويلقي بالمسؤولية على الإنسان في عدم التزامه بالمبادئ والقواعد. الزمن يمر بسرعة، والحياة قصيرة جدًا.
موضوع تأملات ماركوس وتدريباته ما هي إلا المواضيع الثلاثة لإبكتيتوس: الرغبة والنزوع والحكم. هذا البناء التصوري خاص بإبكتيتوس، ولا يوجد في أي تراث فلسفي آخر(17). البناء التصوري أو المناطق الثلاثة للتدريبات الروحية، مجال الرغبة والنفور، ومجال النزوع والواجب، ومجال التصديق. قواعد الحاكم الفيلسوف نابعة من الرواقية، مضمونها يتعلق بالسلام الداخلي والتوازن النفسي، والسعي نحو الحكمة، وتجنب المشاعر السيئة والتحكم في الذات.
وخير ما يستعين به الإنسان النظر للفلسفة بوصفها أسلوب حياة وفنًا للعيش، الفلسفة العملية في تدريب العقل والنفس على أشياء تمنحنا السعادة والفضيلة. وإذا تمسك الإنسان بكل القواعد والمبادئ دون العودة للماضي أو ترقب المستقبل، وأخذ الحياة بكل ما تحمله من مسرات وأحزان، فالفلسفة الرواقية بهذا المعنى علاج سلوكي ومعرفي. تحتفظ الرواقية ببريقها بوصفها تدريبات للعقل والنفس واعتدالًا للعيش بسعادة.
خاتمة:
ندرك من خلال طرحنا لهذا العنوان أن الرواقية فلسفة عملية تروم الحكمة والعيش بتناغم وفق قوانين الطبيعة وقوانين العقل. الرواقية وفن تدبير الحياة بحكمة وتبصر، وما يمنحنا السكينة والسلام الروحي الداخلي أفعالنا المتطابقة مع العقل والحياة، حيث يدرك الرواقي قيمة التأملات في الحياة التي تُعد قصيرة جدًا، ويجب أن نعيشها دون الشعور بمركب النقص من الماضي، ودون الرفع من التوقعات والأمل من المستقبل الغامض.
الحياة التي ينشدها الرواقي حياة العقل، وسكينة النفس، وتأملات الإنسان في طبيعة الحياة. ومن التأمل في الطبائع يمكن إدراك قيمة ما تحمله الرواقية كفلسفة عملية في سبيل العيش بحكمة، وطلب الاعتدال والتوازن. وإذا جنح الإنسان وعمل بكل المواصفات والمبادئ، يمكن القول إنه سلك مسارًا رواقيًا، لا يشعر بالندم أو القلق، ولا يصيبه البؤس والنفور، ولا يهاب الموت، ولا يرفع من سقف التوقعات، بل تزداد الهمم والعزائم، وينشد الإنسان السلام والهدوء. وما يضفي على الرواقية كفلسفة عالمية النظر إلى الإنسان كمواطن كوني مشمول بالاعتراف والاحترام.