قراءة في مشروع صندوق الطاقة والتنمية العراقي الأميركي

رياض الفرطوسي

2026-07-25 04:01

يمكن أن يمثل صندوق الطاقة والتنمية فرصة مهمة للعراق، إذا كان هدفه الحقيقي تحويل الريع النفطي إلى أصول إنتاجية وتنموية مستدامة.

لكن هذا الصندوق قد يتحول، في الوقت نفسه، إلى مصدر مخاطر. ويحدث ذلك إذا صُمم بطريقة تمنح طرفاً خارجياً قدرة مؤثرة على إدارة الثروة الوطنية، أو توجيهها بعيداً عن الأولويات العراقية.

وتؤكد التجارب الدولية أن الصناديق السيادية الناجحة لا تقاس بحجم الأموال التي تجمعها فقط. بل تقاس بمدى استقلاليتها القانونية، وشفافيتها، وخضوعها للرقابة الوطنية، وقدرتها على بناء الاقتصاد المحلي.

ومن هنا، لا تكمن أهمية صندوق الطاقة والتنمية في اسمه أو في حجم موارده المحتملة. بل تكمن في سؤال أكثر حساسية: من يملك القرار داخله؟ ومن يراقب أمواله؟ ومن يحدد أولويات الاستثمار؟

أولاً: هل الصندوق أداة تنموية أم إعادة إنتاج للعلاقة النفطية التقليدية؟

من حيث المبدأ، تمثل فكرة إنشاء صندوق لتحويل جزء من العائدات النفطية إلى استثمارات طويلة الأمد فكرة اقتصادية صحيحة. بل إن العراق يحتاج إليها بشدة، بسبب اعتماده المفرط على النفط.

فالدول النفطية الناجحة، مثل النرويج والإمارات العربية المتحدة، لم تتعامل مع النفط باعتباره دخلاً استهلاكياً فقط. بل حولته إلى صناديق استثمارية للأجيال القادمة.

لكن الإشكالية لا تكمن في فكرة الصندوق نفسها. بل تكمن في هيكل إدارته، ومصدر القرار داخله.

فإذا كان صندوق الطاقة والتنمية مملوكاً بالكامل للعراق، وخاضعاً للقانون العراقي، ويديره مجلس أمناء عراقي مستقل، ويخضع لتدقيق ديوان الرقابة المالية والبرلمان، ويوجه أمواله إلى قطاعات إنتاجية عراقية، فإنه يمثل خطوة تنموية مهمة.

أما إذا ارتبط الصندوق بشروط سياسية، وخضع لتأثير جهة أجنبية، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، في اختيار المشاريع، فإنه قد يتحول إلى أداة لتفضيل الشركات الأجنبية على حساب بناء القدرات المحلية.

وبذلك، قد يصبح نسخة جديدة من العلاقة النفطية التقليدية. وفي هذه العلاقة يبقى العراق مصدراً للطاقة وسوقاً للشركات العالمية، من دون انتقال حقيقي إلى اقتصاد منتج.

ثانياً: جدوى ربط الصندوق بإيرادات 500 ألف برميل يومياً

تحتاج فكرة ربط الصندوق بإيرادات نفطية تصل إلى 500 ألف برميل يومياً إلى قراءة اقتصادية دقيقة.

فالعراق كان، وما زال، عضواً في منظمة أوبك. كما يخضع إنتاجه النفطي لاتفاقيات الحصص الإنتاجية. لذلك، يحتاج تخصيص 500 ألف برميل يومياً كإيراد إضافي إلى توضيح مصدر هذه الكمية.

وهنا تبرز مجموعة أسئلة أساسية:

هل تأتي هذه الكمية من زيادة الإنتاج خارج الحصة؟

هل تأتي من تطوير حقول جديدة؟

هل تأتي من استثمار الغاز المصاحب؟

هل تأتي من مشاريع مشتركة مع شركات أجنبية؟

وباختصار، فإن بناء صندوق على افتراض إنتاج غير مضمون قد يؤدي إلى فجوة بين التوقعات والواقع.

اقتصادياً، من الأفضل ألا يرتبط الصندوق فقط بكمية إنتاج محددة. بل ينبغي أن يرتبط بنسبة من صافي الإيرادات النفطية الفعلية، بعد احتساب تكاليف الإنتاج والاستثمار.

كما يجب تجنب استخدام النفط كضمان مباشر لأي التزامات طويلة الأمد. فأسعار النفط متقلبة، وقد تتعرض الدولة لمخاطر مالية عند انخفاض الأسعار.

ثالثاً: هل يضمن صندوق الطاقة والتنمية نقل التكنولوجيا الأمريكية؟

هذا سؤال مهم جداً.

تظهر التجربة العالمية أن وجود الشركات الأجنبية لا يعني بالضرورة انتقال التكنولوجيا. فقد تعامل العراق، خلال العقود الماضية، مع شركات نفطية عالمية كبرى. ومع ذلك، بقي مستوى نقل المعرفة وبناء القدرات المحلية محدوداً، بسبب ضعف شروط العقود.

ولكي يتحقق نقل التكنولوجيا، يجب أن يتضمن أي اتفاق حول صندوق الطاقة والتنمية شروطاً واضحة، منها:

1. تحديد نسبة إلزامية للكوادر العراقية في الإدارة والتشغيل.

2. وضع برامج تدريب داخل العراق وخارجه.

3. إنشاء مراكز بحث وتطوير مشتركة.

4. اشتراط تصنيع نسبة من المعدات والخدمات محلياً.

5. نقل المعرفة التشغيلية، لا الاكتفاء بتنفيذ المشاريع.

أما إذا اقتصرت العلاقة على قيام الشركات الأمريكية بتنفيذ مشاريع جاهزة وفق نماذجها، فإن العراق سيحصل على بنية تحتية مستوردة، لا على اقتصاد معرفي.

وهذا فرق جوهري. فالبنية المستوردة قد تخدم المشروع مؤقتاً، لكن الاقتصاد المعرفي يبني قدرة وطنية دائمة.

رابعاً: كيف نمنع تحول الصندوق إلى موازنة موازية؟

هذا هو المحور الأكثر حساسية. فأي صندوق سيادي يجب ألا يتحول إلى منطقة مالية منفصلة عن الدولة.

ولذلك، يحتاج العراق إلى ضمانات واضحة، منها:

أ. إصدار قانون خاص بالصندوق من مجلس النواب العراقي.

ب. تحديد طبيعة الأموال الداخلة إليه والخارجة منه.

ج. إخضاعه لتدقيق سنوي علني.

د. نشر تقارير مالية دورية.

هـ. منع الاقتراض بضمان أصول الصندوق من دون موافقة الدولة.

و. تحديد صلاحيات الإدارة الاستثمارية بشكل واضح.

أما فكرة إيداع الأموال في حسابات خارج العراق، فلا تمثل مشكلة بحد ذاتها إذا كان الهدف حماية الأموال وإدارتها استثمارياً، كما تفعل العديد من الصناديق السيادية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح الحسابات الخارجية خاضعة لقوانين دولة أخرى، بما يمنح تلك الدولة قدرة على التجميد أو التحكم. وقد ظهر هذا الخطر في دول عديدة، ومنها الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

لذلك، يجب أن يقوم صندوق الطاقة والتنمية على قاعدة واضحة: الإدارة الاستثمارية يمكن أن تكون دولية في الخبرة، لكنها يجب أن تبقى عراقية في الملكية والسيادة والرقابة.

خامساً: لماذا استبعاد البنك المركزي العراقي أو المصارف الوطنية؟

اقتصادياً، توجد أسباب قد تدفع بعض الأطراف إلى اختيار مؤسسة مالية دولية بدلاً من البنك المركزي.

ومن هذه الأسباب:

الحصول على خبرات استثمارية عالمية.

تقليل التدخلات السياسية المحلية.

جذب المستثمرين الدوليين.

لكن استبعاد المؤسسات العراقية بالكامل يثير سؤالاً سيادياً مهماً. والأفضل هو نموذج الشراكة، لا نموذج الاستبعاد.

ويمكن أن يقوم هذا النموذج على ما يلي:

يكون البنك المركزي العراقي طرفاً رقابياً.

تمثل وزارة المالية الدولة المالكة.

يقدم الخبراء الدوليون الاستشارة.

تكون الإدارة الاستثمارية مستقلة.

أما وضع الأموال خارج الإطار المالي العراقي، من دون مشاركة المؤسسات الوطنية، فقد يعطي انطباعاً بوجود وصاية مالية غير مباشرة. وهذا الانطباع وحده قد يضعف الثقة بالصندوق، حتى لو حمل عنواناً تنموياً.

سادساً: الضمانات ضد استخدام الصندوق كورقة ضغط سياسية

هذا التخوف له أساس في التجارب الدولية. فالأموال العراقية في الخارج تعرضت سابقاً لإجراءات قانونية وسياسية، ارتبطت بقرارات دولية أو أمريكية.

لذلك، تتطلب حماية الأموال مجموعة ضمانات، منها:

أ. تحديد الملكية العراقية الكاملة للأصول.

ب. النص على عدم إمكانية تجميد الأموال إلا بقرار قضائي واضح.

ج. اختيار هيكل قانوني يحمي أصول الصندوق دولياً.

د. تنويع أماكن الاستثمار، وعدم تركيزها في دولة واحدة.

هـ. عدم ربط الصندوق بملفات سياسية أو أمنية خارج نطاق الاقتصاد.

فالسياسة المالية الناجحة تقوم على قاعدة واضحة: الشراكات الاقتصادية يجب ألا تتحول إلى أدوات نفوذ سياسي. ومن دون هذه القاعدة، قد يتحول صندوق الطاقة والتنمية من أداة تنمية إلى أداة ضغط.

سابعاً: ماذا يحدث إذا فسخ العراق الاتفاق بسبب تقصير الشركات الأمريكية؟

يجب أن يحدد أي اتفاق استثماري جاد هذه المسألة مسبقاً.

ومن الضروري أن يتضمن الاتفاق ما يلي:

شروط إنهاء العقود.

آليات التحكيم.

تعويضات الإخلال.

ملكية الأصول بعد الانسحاب.

كيفية استرداد الأموال.

فضلاً عن ذلك، يجب أن يجري التحكيم وفق قواعد دولية متوازنة، لا وفق جهة يختارها طرف واحد.

كما يجب أن يمتلك العراق القدرة على استبدال الشركات المنفذة من دون توقف المشاريع. وهذا يتطلب عدم احتكار الشركات الأمريكية للخبرة أو التمويل.

فإذا احتكرت جهة واحدة الخبرة والتمويل والتنفيذ، فقد يفقد العراق هامش المناورة عند حدوث الخلاف.

الخلاصة: فرصة تاريخية أم أداة نفوذ اقتصادي؟

يمكن أن يكون صندوق الطاقة والتنمية فرصة تاريخية إذا تحول من صندوق لإدارة العائدات النفطية إلى صندوق لبناء اقتصاد عراقي متنوع. لكنه قد يصبح أداة نفوذ اقتصادي إذا غابت الشفافية، والرقابة، والسيادة القانونية.

إن المعيار الحقيقي ليس وجود شريك أمريكي أو أجنبي. فالدول الناجحة تتعامل مع العالم كله.

لكن المعيار الحقيقي يتمثل في الإجابة عن الأسئلة التالية:

من يملك القرار؟

من يراقب الأموال؟

من يحدد أولويات الاستثمار؟

هل سيخرج العراق بعد عشرين سنة بقدرات وطنية، أم سيبقى سوقاً ومصدراً للنفط؟

وعليه، تقتضي المصلحة العراقية أن يكون الصندوق وفق المعايير التالية:

أ. عراقياً في الملكية.

ب. دولياً في الخبرة.

ج. شفافاً في الإدارة.

د. خاضعاً للقانون العراقي.

هـ. موجهاً لبناء الإنسان، والصناعة، والطاقة، والبنية التحتية.

فالثروة النفطية ليست مجرد مورد مالي. بل هي أداة سيادة وبناء دولة.

وإذا أحسن العراق تصميم صندوق الطاقة والتنمية، فقد يحول الريع النفطي إلى مستقبل إنتاجي. أما إذا أهمل شروط السيادة والرقابة، فقد يحول الصندوق إلى باب جديد للنفوذ الخارجي.

ذات صلة

محورية القيم الإنسانية في النهضة الحسينيةالعراق وأميركا: حكاية طويلةالدرجة الكاملة: تفوق حقيقي أم مؤشر يستدعي مراجعة؟الرواقية وفن تدبير الحياةإدارة الأزمة عبر التشتيت الإعلامي والسياسي