الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي في العراق: من الامتثال إلى التنمية
د. مظهر محمد صالح
2026-07-25 03:47
يمثل الإصلاح المصرفي في العراق اليوم أحد أهم مسارات التحول الاقتصادي، إذ لم يعد يقتصر على معالجة الاختلالات التنظيمية أو ضبط حركة التحويلات الخارجية، بل أصبح مشروعاً لإعادة بناء وظيفة القطاع المصرفي ودوره في الاقتصاد الوطني. ومن هنا يبرز مفهوم الجيل الثاني من الإصلاح المصرفي بوصفه انتقالاً من مرحلة تثبيت الاستقرار وتعزيز الامتثال إلى مرحلة بناء قطاع مصرفي حديث قادر على تمويل التنمية والاندماج المستدام في النظام المالي العالمي.
ولا يُراد بهذا المفهوم أن يكون منفصلاً عن صلب البرامج الرسمية للإصلاح، بل هو توصيف لمرحلة متقدمة من مسار الإصلاح المصرفي نفسه، تتجسد فيها السمات الأساسية للانتقال من الإصلاحات التصحيحية (Corrective Reforms) إلى الإصلاحات الهيكلية (Structural Reforms)؛ أي الانتقال من معالجة الاختلالات واستعادة الثقة إلى بناء القدرة المؤسسية والتمويلية للقطاع المصرفي.
فقد ركز الجيل الأول من الإصلاح على استعادة الاستقرار النقدي، وتعزيز متطلبات الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتنظيم التحويلات الخارجية، وإعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة العالمية، بما أسهم في حماية النظام المالي وتعزيز الثقة به. أما الجيل الثاني، فيتجه نحو تحويل هذه المكتسبات إلى قاعدة مؤسسية مستدامة تجعل المصارف العراقية شريكاً فاعلاً في التنمية الاقتصادية، وقادرة على تعبئة المدخرات وتمويل الاستثمار والإنتاج.
مكتسبات الامتثال ومرتكزات الاندماج المالي الدولي
لقد شهد القطاع المصرفي العراقي خلال الفترة الأخيرة تطورات مهمة في مسار إعادة الاندماج المالي الدولي، كان من أبرزها إعادة تأهيل سبعة مصارف أهلية للعودة إلى التعامل بالدولار الأمريكي في عمليات فتح الاعتمادات المستندية وتمويل التجارة الخارجية، بعد استكمال متطلبات الامتثال وتعزيز الضوابط الرقابية. وتعتبر هذه الخطوة مؤشراً مهماً على تحسن الثقة الدولية بالقطاع المصرفي العراقي، كما يمكن أن تسهم في توسيع القنوات الرسمية للتمويل الخارجي، وتقليل الاعتماد على السوق الموازية للعملة الأجنبية، ودعم استقرار سوق الصرف وتعزيز الثقة بالمصارف الخاصة.
وقد جاءت هذه التطورات في سياق أوسع من جهود الإصلاح التي تهدف إلى إعادة بناء العلاقة بين المصارف العراقية والنظام المالي العالمي. فقد أسهمت خارطة الطريق الخاصة بتطوير الامتثال والحوكمة، بالتعاون بين البنك المركزي العراقي والمؤسسات الاستشارية الدولية والمصارف العراقية، في رفع مستوى الالتزام بالمعايير العالمية، وتعزيز أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين فرص إعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة الدولية.
غير أن استدامة هذا التحول تتطلب الانتقال من الإصلاحات التصحيحية إلى الإصلاحات الهيكلية. فالامتثال لا ينبغي أن يبقى مجرد استجابة لمتطلبات خارجية، بل يجب أن يتحول إلى ثقافة مؤسسية راسخة داخل المصارف، مدعومة بأنظمة رقابة داخلية فعالة، وحوكمة مستقلة، وإدارة مخاطر قادرة على اكتشاف مواطن الضعف ومعالجتها قبل تحولها إلى أزمات.
ومن هنا تبرز أهمية الانتقال في فلسفة الرقابة المصرفية من الرقابة القائمة على القواعد (Rule-Based Supervision) إلى الرقابة القائمة على المخاطر (Risk-Based Supervision). فالرقابة الحديثة لا تكتفي بالتأكد من الالتزام بالتعليمات، بل تقيم قدرة المصرف على إدارة المخاطر المرتبطة برأس المال والسيولة والائتمان والامتثال والحوكمة.
وعليه، فإن المعالجة المثلى للأزمات المصرفية لا ينبغي أن تقوم على التوسع في الوصاية أو التدخل المباشر، بل على بناء منظومة رقابية وقائية تحدد مواطن الخلل في مراحل مبكرة. ويبقى اللجوء إلى الوصاية إجراءً استثنائياً يرتبط بحالات الإخفاق الجوهري، مثل تآكل رأس المال أو انخفاضه إلى مستويات تهدد سلامة المصرف، وفقاً لأحكام قانون المصارف رقم 94 لسنة 2004.
وقد أظهرت التجربة العراقية خلال السنوات الماضية أن التوسع في بعض المبادرات الائتمانية، رغم أهميتها في دعم النشاط الاقتصادي، أدى أحياناً إلى تداخل الدور التنموي مع الدور الرقابي، وخلق نمطاً رقابياً هجيناً بين التدخل المباشر والرقابة المؤسسية. كما كشفت بعض الحالات عن ضعف في رؤوس الأموال، وقصور في الحوكمة، وممارسات ريعية مرتبطة بالعملة الأجنبية، وهو ما يؤكد الحاجة إلى إعادة ترتيب أولويات الإصلاح باتجاه تعزيز الملاءة المالية، ورفع كفاءة إدارة المخاطر، وربط التمويل بالنشاط الإنتاجي الحقيقي.
وفي هذا الإطار، فإن إعادة هيكلة القطاع المصرفي، بما في ذلك دمج بعض المصارف أو معالجة أوضاع المصارف غير القادرة على المنافسة، يجب أن تتم ضمن رؤية متوازنة تحمي حقوق المودعين والعاملين، وتؤسس لمصارف أكثر قوة وكفاءة وقدرة على تمويل الاقتصاد.
أدوات الشراكة الدولية والتمويل التنموي
كما تحتاج المرحلة المقبلة إلى أدوات مؤسسية جديدة تدعم الانتقال نحو التمويل التنموي، ومن بينها إنشاء مؤسسات مالية متخصصة قادرة على مشاركة المخاطر وتوفير الضمانات الائتمانية للمشاريع الإنتاجية. ويمكن لمؤسسة مصرفية تنموية مثل Active Bank أن تؤدي دوراً مهماً في دعم تمويل خطوط الإنتاج، وتقديم الضمانات اللازمة للمصارف، وربط السوق العراقية بمؤسسات التمويل ووكالات ائتمان الصادرات العالمية، بما يعزز قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع.
وفي موازاة ذلك، يمثل انفتاح العراق على المؤسسات المالية العالمية، ومن بينها JPMorgan Chase، فرصة استراتيجية لتعزيز ارتباط العراق بالنظام المالي الدولي. فوجود مؤسسة مصرفية عالمية بهذا الحجم لا يقتصر على تقديم الخدمات المالية، بل يفتح المجال أمام تمويل المشاريع الكبرى، وترتيب القروض السيادية، وإدارة المخاطر، وتطوير شبكة العلاقات المصرفية الدولية، ونقل الخبرات في مجالات الحوكمة والتكنولوجيا المالية.
إن المرحلة المقبلة تتطلب كذلك تسريع التحول الرقمي في القطاع المصرفي، من خلال تطوير التكنولوجيا المالية FinTech، وتوسيع أنظمة الدفع الإلكتروني والمحافظ الرقمية، وتقليل الاعتماد على النقد، بما يعزز الشمول المالي، ويرفع كفاءة الخدمات المصرفية، ويدعم أنظمة الرقابة ومكافحة الجرائم المالية.
إن تفاهمات واشنطن وما رافقها من تطورات مصرفية لا تمثل نهاية الإصلاح المصرفي، بل بداية مرحلة جديدة أكثر عمقاً وطموحاً. فالنجاح الحقيقي لن يقاس بعدد المصارف التي استعادت علاقاتها مع البنوك المراسلة، ولا بعدد المؤسسات المالية الأجنبية التي تدخل السوق العراقية، وإنما بقدرة العراق على بناء قطاع مصرفي قوي يمتلك رؤوس أموال كافية، وحوكمة رصينة، وامتثالاً مؤسسياً متقدماً، وتكنولوجيا مالية حديثة، وقدرة حقيقية على تعبئة المدخرات وتمويل التنمية والإنتاج.
فالجيل الثاني من الإصلاح المصرفي يعني الانتقال من الامتثال إلى التنمية، ومن إدارة الأزمات إلى بناء المؤسسات، ومن حماية النظام المالي إلى توظيفه في خدمة الاقتصاد الوطني. وهو يمثل انتقالاً في فلسفة الإصلاح نفسها: من الرقابة التقليدية إلى الرقابة الذكية القائمة على المخاطر، ومن تمويل التجارة إلى تمويل التنمية، ومن الإصلاح التنظيمي إلى الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي.
وفي نهاية المطاف، فإن مستقبل القطاع المصرفي العراقي يتوقف على قدرة الدولة والمصارف معاً على تحويل الثقة الدولية المتجددة إلى استثمارات حقيقية، واستقرار نقدي، ونمو اقتصادي مستدام، بحيث يصبح القطاع المصرفي محركاً للتنمية الاقتصادية ورافعة لبناء اقتصاد أكثر تنوعاً وقدرة على المنافسة، ينعكس أثره بصورة مباشرة على المواطن العراقي.