28 صفر… ذكرى الرحيل وسؤال الإنسان
علي إسحاق
2026-08-15 04:04
في الثامن والعشرين من صفر، تتوقف الذاكرة عند رحيل رسول الله محمد صلى الله عليه وآله، فتستعيد الأمة لحظة ثقيلة من تاريخها الروحي والإنساني. كان رحيله انتقالًا للجسد الطاهر عن عالم الناس، فيما بقيت الرسالة التي حملها مفتوحة على الزمن، تبحث في كل جيل عن إنسان يحمل قيمها ويجعلها حاضرة في سلوكه ومواقفه وعلاقاته. ولهذا تبدو ذكرى الرحيل أكبر من مناسبة لاستعادة الحزن؛ فهي فرصة للتأمل في معنى النبوة حين تتحول من حدث عاشه الناس قبل قرون إلى منظومة أخلاقية ما تزال قادرة على مخاطبة الإنسان المعاصر.
يصف القرآن الكريم رسول الله (ص) بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107) في هذه الآية تتسع صورة النبي من حدود الجماعة إلى رحاب العالم، ومن زمن الرسالة إلى حاجة الإنسان في كل زمان. فالرحمة المحمدية تحمل معنى يتصل بطريقة بناء الحياة نفسها؛ رحمة تحفظ كرامة الإنسان، وعدالة تصون حقوقه، وأخلاق تهذب القوة، وعلم يوقظ العقل، وتكافل يفتح للضعيف مكانًا داخل المجتمع. ومن هنا يمكن قراءة المشروع النبوي بوصفه بناءً متكاملًا للإنسان، تتصل فيه العقيدة بالأخلاق، والأخلاق بالمجتمع، والمجتمع بالعدالة.
ولعل أعمق ما يلفت في الشخصية النبوية أن القرآن اختصر جانبًا أساسيًا من عظمتها في قوله تعالى:﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (القلم: 4) فالأخلاق هنا ليست تفصيلًا جانبيًا في السيرة، وإنما مساحة أساسية لفهم الرسالة. وقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وآله: ((إنما بُعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق))، في إشارة واضحة إلى مركزية الأخلاق في المشروع الإسلامي. وحين ننظر إلى هذا المعنى من زاوية الحياة اليومية، نجد أن قيمة الصلاة تظهر في أثرها على السلوك، وقيمة العلم تظهر في تواضع صاحبه ومسؤوليته، وقيمة المال تظهر في الطريقة التي يُكتسب بها ويُستخدم، وقيمة القوة تظهر في مقدار العدل الذي تحميه.
من هنا يصبح الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله حديثًا عن الإنسان الذي أرادت الرسالة أن تصنعه. إنسان يعرف حق الله، ويحفظ حق نفسه، ويرى في الفقير إنسانًا كامل الكرامة، ويعامل الأسرة باعتبارها مساحة للمودة والمسؤولية، ويحترم الجار، ويصون حق المختلف، ويضع القوة في خدمة العدالة. وهذه الرؤية تمنح الأخلاق بعدها الاجتماعي؛ فالمجتمع الذي يحترم الإنسان في تفاصيل حياته اليومية يقترب من روح الرسالة أكثر من مجتمع يرفع الشعارات ثم يترك الضعيف أمام الحاجة والظلم.
ويضع القرآن الكريم المال أيضًا داخل منظومة المسؤولية الاجتماعية حين يقول تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ (الحشر:7). فالمال في الرؤية الإسلامية وسيلة لإعمار الحياة، وتحقيق التوازن الاجتماعي، ورعاية المحتاج، وحفظ كرامة العامل، وإقامة علاقات اقتصادية أكثر عدلًا. ولذلك تصبح الأخلاق الاقتصادية جزءًا من الدين؛ فالتاجر الذي يحفظ الأمانة، وصاحب العمل الذي يصون حق العامل، والمسؤول الذي يحمي المال العام، والمقتدر الذي يشعر بحاجات الفقراء، جميعهم يمارسون جانبًا من المعنى الاجتماعي للرسالة.
ويأتي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90) ليضع أمام الإنسان معادلة واسعة للحياة الاجتماعية. فالعدل يحفظ الحقوق، والإحسان يمنح العلاقات الإنسانية مساحة أوسع من الحسابات المجردة. وفي زمن تتزايد فيه المنافسة، وتتسع الفوارق الاقتصادية، وتتعقد العلاقات الاجتماعية، يصبح استحضار هذا المعنى حاجة تتجاوز الخطاب الديني إلى التفكير في شكل المجتمع الذي نريد أن نعيش فيه.
وتبدأ الرسالة المحمدية من سؤال العقل أيضًا. فالآية الأولى التي نزلت حملت أمرًا يفتح بابًا واسعًا أمام المعرفة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (العلق:1). القراءة هنا تفتح الطريق أمام إنسان يتعلم ويفكر ويتأمل، ويبحث عن الحقيقة بوعي ومسؤولية. ولهذا ارتبط الإسلام منذ بدايته بالعلم، وأصبح العقل جزءًا من مسؤولية الإنسان في فهم العالم واختيار طريقه. وفي عصر الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتسارعة، تبدو هذه القيمة أكثر حضورًا؛ فالمشكلة المعاصرة لا تتعلق بكمية المعلومات المتاحة فقط، وإنما بقدرة الإنسان على فهمها وتمييز الصحيح منها واستخدامها بطريقة تحفظ الإنسان وكرامته.
ومن هذه الزاوية يمكن طرح أسئلة تتجاوز حدود المناسبة: ما قيمة العلم حين ينفصل عن المسؤولية؟ وما قيمة القوة حين تصبح وسيلة لإذلال الآخرين؟ وما قيمة الاقتصاد حين تتسع الثروة بينما تتسع معها دائرة الحرمان؟ وما قيمة التدين حين لا يترك أثرًا في طريقة تعامل الإنسان مع الناس؟ هذه الأسئلة تعيد ذكرى النبي صلى الله عليه وآله إلى الحياة المعاصرة، وتجعلها مساحة للتفكير في الإنسان الذي نريد أن نكونه.
وعند رحيل رسول الله صلى الله عليه وآله، يبرز الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الذاكرة بوصفه واحدًا من أبرز حَمَلة علم النبي وأقرب الناس إليه، والشخصية التي ارتبطت في الوجدان الإسلامي بمعاني العدالة والزهد والمسؤولية. وفي نهج البلاغة نجد استحضارًا عميقًا للتحول الذي أحدثته الرسالة في حياة العرب والإنسان عمومًا، حين انتقل المجتمع من حالة التفرق والاضطراب إلى أفق جديد من التوحيد والمعرفة والمسؤولية.
ومن منظور مدرسة أهل البيت عليهم السلام، يفتح رحيل النبي سؤالًا كبيرًا حول أمانة الرسالة وحفظ قيمها بعد غياب صاحبها. فالمحبة للنبي صلى الله عليه وآله تتصل في هذا الوعي بالتمسك بما جاء به، والوفاء لأهل بيته، واستحضار المواقف التي تحفظ جوهر الرسالة في المجتمع. ولهذا تكتسب علاقة النبي بعلي عليه السلام وفاطمة الزهراء عليها السلام والحسن والحسين عليهم السلام حضورًا خاصًا في الذاكرة والوجدان، باعتبارهم جزءًا أساسيًا من البيت الذي عاش فيه النبي، ومن المسار الذي تشكل حوله معنى الرسالة في مدرسة أهل البيت.
وتظهر السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام في هذه الذكرى بوصفها ابنة رسول الله وأقرب الناس إلى قلبه، وحضورًا وجدانيًا عميقًا في البيت النبوي. كان رحيل أبيها بالنسبة إليها فقدًا إنسانيًا بالغًا، وحمل في الذاكرة الشيعية أبعادًا تتصل بمكانة البيت النبوي ومسؤوليته تجاه الأمة. ولهذا ارتبط اسمها في الوجدان بمعاني الطهر والكرامة والدفاع عن الحق، وصارت سيرتها مساحة يتأمل من خلالها الإنسان العلاقة بين المحبة والمسؤولية، وبين الانتماء للرسالة والوقوف إلى جانب قيمها.
ومن بيت النبوة يبرز الإمام الحسين عليه السلام بوصفه أحد أكثر الرموز حضورًا في الذاكرة الإسلامية والإنسانية. فالحسين عليه السلام، في الوعي المرتبط بمدرسة أهل البيت، يمثل لحظة بلغت فيها التضحية ذروة عالية من أجل القيم التي آمن بها الإنسان. ومن الصعب فهم كربلاء بعيدًا عن المدينة، كما يصعب فصل موقف الحسين عليه السلام عن البيت الذي نشأ فيه، وعن جده رسول الله صلى الله عليه وآله الذي حمل رسالة الرحمة والعدل والكرامة.
ولهذا بقيت كربلاء قادرة على مخاطبة الإنسان خارج حدود الجغرافيا والمذهب؛ لأنها تضع أمام الضمير سؤالًا أخلاقيًا شديد الوضوح: ماذا يفعل الإنسان حين يرى الظلم يتسع أمامه؟ وكيف يحافظ على كرامته حين تصبح المساومة على المبدأ طريقًا أكثر سهولة؟ وأين يقف الإنسان عندما تتحول السلطة إلى اختبار للضمير؟ هذه الأسئلة تجعل الحسين عليه السلام حاضرًا في النقاش الإنساني حول الحرية والكرامة والعدالة ومقاومة الظلم.
ومن هنا يمكن أن تصبح ذكرى الثامن والعشرين من صفر مساحة لمراجعة علاقتنا بالرسالة. فالحزن على رسول الله صلى الله عليه وآله يأخذ معنى أعمق حين يتحول إلى وعي، والوعي يجد قيمته حين يتحول إلى سلوك، والسلوك يصبح أكثر تأثيرًا حين ينعكس على الأسرة والمجتمع والعمل والعلاقات الإنسانية. أن يكون الإنسان صادقًا في معاملاته، رحيمًا مع الضعفاء، أمينًا في مسؤوليته، عادلًا حين يمتلك السلطة، متواضعًا أمام الحق، وحريصًا على كرامة الآخرين؛ تلك هي المساحات التي يمكن أن تستعيد فيها الذكرى معناها الحي.
إن رسول الله صلى الله عليه وآله ترك للأمة إرثًا يتجاوز الكلمات، إرثًا يظهر في طريقة بناء الإنسان والمجتمع. ومن الصعب أن يكون الدين حاضرًا في المظاهر وغائبًا عن السلوك، لأن جوهر الرسالة يظهر في الإنسان الذي تصنعه. فإذا أصبحت العبادة أكثر رحمة، والعلم أكثر تواضعًا، والاقتصاد أكثر عدلًا، والسلطة أكثر مسؤولية، والأسرة أكثر مودة، والخطاب أكثر احترامًا، يكون الإنسان قد اقترب خطوة من المعنى الذي حمله النبي صلى الله عليه وآله.
وربما لهذا تبدو ذكرى رحيل رسول الله مناسبة تتجاوز استعادة الماضي؛ فهي تضع الحاضر أمام مرآة أخلاقية. كيف نتعامل مع الضعيف؟ كيف نختلف مع الآخر؟ ماذا نفعل بالمال حين نملكه؟ كيف نستخدم المعرفة حين نصل إليها؟ وكيف نتعامل مع القوة حين تصبح في أيدينا؟ هذه الأسئلة تكشف مقدار حضور الرسالة في حياتنا أكثر مما تكشفه الكلمات التي نقولها في المناسبات.
يا رسول الله، رحلت عن الدنيا وبقيت رسالتك مفتوحة أمام الإنسان، وبقي القرآن الذي جئت به حاضرًا بين الناس، وبقيت سيرتك مساحة للتأمل في معنى الرحمة والعدل والعلم والكرامة. وغاب صوتك عن عالمنا، وبقيت كلماتك وقيمك تبحث عن حضورها في سلوك من يحبك ويتبعك. وبقي علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام في الذاكرة والوجدان رموزًا مرتبطة ببيت النبوة، يحمل كل واحد منهم معنى من معاني ذلك البيت الطاهر.
وفي الثامن والعشرين من صفر، ربما يكون أجمل الوفاء أن يتحول الحزن إلى مسؤولية، وأن تتحول المحبة إلى سلوك، وأن يصبح التمسك بالنبي صلى الله عليه وآله طريقًا إلى إنسان أكثر صدقًا ورحمة وعدلًا. فالمجتمع الذي يتعلم من محمد معنى الرحمة يستطيع أن يجعل الرحمة ثقافة، والمجتمع الذي يتعلم منه معنى العدل يستطيع أن يجعل العدالة ممارسة، والمجتمع الذي يقرأ سيرته بعين واعية يستطيع أن يحول الذكرى إلى طاقة لإصلاح الحياة.
سلام عليك يا رسول الله يوم ولدت، ويوم بُعثت رحمة للعالمين، ويوم حملت رسالة ربك، ويوم فارقت الدنيا، وسلام على علي وفاطمة والحسن والحسين وأهل بيتك الطاهرين.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، واجعل حزننا على رسولك صلى الله عليه وآله وعيًا يغيّر سلوكنا، ومحبةً تعمّق أخلاقنا، ووفاءً يدفعنا إلى حفظ كرامة الإنسان وإقامة العدل ونشر الرحمة، واجعلنا من المتمسكين بكتابك، الموالين لنبيك وأهل بيته، السائرين على نهج محمد وآل محمد. عظّم الله أجورنا وأجوركم بذكرى رحيل خاتم الأنبياء والمرسلين، رسول الرحمة والإنسانية، محمد المصطفى صلى الله عليه وآله.