محورية القيم الإنسانية في النهضة الحسينية
حسين شاكر العطار
2026-07-25 04:13
حملت النهضة الحسينية معطيات فكرية وأخلاقية استهوت القلوب والضمائر الحرة، في أمكنة وأزمنة مختلفة، بعيدًا عن أي صبغة مذهبية أو دينية أو قومية. وهي ليست صرخة اعتراضية على حالة تاريخية محددة، مكتفية بأهدافها ومكانها وزمانها، وليست نهضة حسينية شيعية حصرية وكفى، وليست نهضة إسلامية جامعة عامة وكفى، إنها نهضة إنسانية شاملة مطلقة، تعني كلية الإنسان، جوهرًا وروحًا وقيمًا، كيانًا وكينونة في كل آن ومكان. إنها نهضة ترسم هداية الطريق البشري في منطلقاته وأبعاده، وتُعد مثالًا عالميًا للأزمنة والأجيال. هكذا الدعوات والرسالات، بالتضحية تنتصر وبالشهادة تنتشر.
استمد الحراك الحسيني بُعده الزمني بعنصري الاستمرار والتجدد؛ لما يحتوي من قيم عالية منذ لحظة وقوعه. فهو نهضة مستمرة في كل مكان تُنتهك فيه الحقوق وتُهدر القيم، وهو مبعث المعرفة في إطار حركة المجتمع، ومحرك الأفراد والجماعات من خلال الوعي بمفهوم الحرية والظلم والعدوان ومقاومة الظلم، والمدخل الصحيح لفهم كيفية مواجهة الاستبداد والإرهاب، ومسعى الفرد الواعي بذاته وبالآخر.
وهذا ما أعطاها صبغتها العالمية لحركات ثورية متعددة، كتجربة غاندي الذي يقول: "تعلمت من الحسين كيف أكون مظلومًا فأنتصر". ويخاطب شعب الهند قائلًا: "على الهند إذا أرادت أن تنتصر، أن تقتدي بالإمام الحسين".
وماو تسي تونغ، زعيم الثورة الصينية، خاطب الرئيس الفلسطيني بقوله: "عندكم تجربة ثورية قائدها الحسين، وهي تجربة إنسانية فذة، وتأتون إلينا لتأخذوا التجارب".
والقائد الفيتنامي هو شي منه، وهو يخاطب جنوده المحررين: "وأنتم في خنادقكم انظروا إلى ذلك الرجل الشرقي، الحسين العظيم، الذي زلزل الأرض تحت أقدام الطغاة".
ولهذه النهضة العظيمة قيم إنسانية كبيرة وكثيرة لا نستطيع ذكر جميعها، وإنما نبين بعضها:
القيمة الأولى: النزعة الإنسانية
إنها نهضة الإيمان من أجل الإنسان، حركة بعيدة عن القومية والعنصرية. فهذا الطابع الذي صبغ معسكر الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ شارك في كربلاء مجموعة متنوعة في مذاهبها وأعراقها، من تنوع ديني ومذهبي وقومي، وتحطمت فوارق الطبقات الاجتماعية معه، الحر والعبد. حيث وقف جون مولى أبي ذر، وهو عبد أسود اللون، أمام الإمام الحسين (عليه السلام) يستأذنه في القتال، فلما استُشهد نظر إليه الإمام الحسين (عليه السلام)، وقال: "اللهم، بيّض وجهه، وطيب ريحه، واحشره مع الأبرار، وعرّف بينه وبين محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله".
وكان هناك تكامل في الأدوار والمهمات: الطفل، والشيخ، والشاب، والمرأة، شركاء في النهضة الحسينية ومسيرة الحركة الإصلاحية. وتمثل السيدة زينب (عليها السلام) نموذجًا للمرأة المسلمة ودورها في الحراك السياسي الاجتماعي، خاصة أنه من خلالها استمرت حركة الإمام الحسين (عليه السلام) إلى ما بعد العاشر من محرم، وتردد صدى كلماتها على مدى الزمن.
القيمة الثانية: نبذ العنف ومنع سفك الدماء
حث الإسلام على مبدأ اللاعنف، والقيم المنظمة للعلاقات الاجتماعية في مجال تحقيق الأمن النفسي، ودعا للتفاهم والتصالح والعلاقة القائمة بين الجنس البشري على أساس الاحترام المتبادل والمحبة والوئام والثقة؛ لذلك حرص الإمام الحسين (عليه السلام) على حقن الدماء، وظهر ذلك من خلال:
* خروجه من المدينة ومكة كي لا تُستباح حرمتهما، وكان يقول لمن طلب منه الالتجاء إلى مكة: "إن أبي حدثني أن لها كبشًا به تُستحل حرمتها، فما أحب أن أكون أنا ذلك الكبش".
* وقال لعبد الله بن الزبير: "يا بن الزبير، لأن أُدفن بشاطئ الفرات أحب إليّ من أن أُدفن بفناء الكعبة".
والسمو بالأخلاق حينما رفض الإمام الحسين (عليه السلام) البدء بالقتال في أكثر من مكان:
في طريقه إلى كربلاء، كان قوله (عليه السلام): "ما كنت لأبدأهم بالقتال".
وعندما التقى بأحد ألوية أعدائه، وكانوا عطاشى مع خيولهم، أمر أتباعه بسقي الجيش والخيول، وقال لهم: "اسقوا القوم وارووهم من الماء، ورشفوا الخيل ترشيفًا"، ضاربًا أروع أمثلة النبل والرحمة.
كما رد الإساءة بالإحسان عندما وقف شمر أمام معسكر الحسين (عليه السلام) في عاشوراء، وبدأ يكيل السباب والشتم للإمام (عليه السلام)، فأراد مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم، فقال له الإمام (عليه السلام): "لا ترمه؛ فإني أكره أن أبدأهم".
القيمة الثالثة: الحرية
الحرية ذات تأصيل فقهي وعقدي في الإسلام، تظهر جليًا في العلاقة التكاملية التي تربط مسألتي التوحيد والحرية. فالحرية وعدم إهدار الكرامة من القيم العليا اللتين تستحقان السعي إليهما، وإن كانت التضحية من أجلهما بالنفس. وتُعد الحرية الركيزة الأهم في فكر النهضة الحسينية؛ إذ ثار الإمام الحسين (عليه السلام) ليرد للإنسان حريته المسلوبة، ويرفض مبدأ الخنوع والعبودية لغير الله.
رفض الإمام الحسين (عليه السلام) حياة الذل قائلًا: "ألا وإن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة". ولخص الإمام الحسين (عليه السلام) فلسفة الكرامة الإنسانية بكلمته الخالدة، وقال (عليه السلام): "لا والله، لا أعطيهم بيدي إعطاء الذليل، ولا أفر فرار العبيد".
الكرامة أولًا: كما طلب من أعدائه أن يعيشوا أحرارًا بقوله: "إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم".
فتح الحراك الحسيني آفاقًا جديدة في فهم حقوق وواجبات الفرد داخل الدولة؛ إذ برز فيها عدم فرض قيود على الآخرين، مما يتيح تحوّل الأفراد والمجموعات لمزيد من التمدن، ويؤصل قيمة الحرية.
أرادها (عليه السلام) نهضة برضا الناس وقناعتهم، دون فرض أو إكراه، ثم هي من أجل الناس، وتحقيق مصالحهم الدينية والدنيوية. فبالرغم من سلطته الزمنية والروحية، كان يحث الناس على المشاركة في نهضته الإصلاحية، ويشجعهم على الاعتراض والوقوف بوجه الظالم الذي ينطلق من أساس الحق بشرطيه؛ ليكون له الأثر البالغ:
الأول: الإصلاح.
الثاني: حسن التشخيص.
فقد تجسد ذلك على أرض الواقع بمواقف أبرزها:
1- رفض التوريث السياسي، وعدم الاعتراف بشرعية يزيد بن معاوية في الخلافة.
2- المشاركة في القرار السياسي، فقد طلب أهل العراق ذلك من خلال رسائلهم له، وقد قصدهم بناءً عليها.
3- ترك حرية الاختيار لأصحابه أكثر من مرة، مثلًا عندما سمع باستشهاد مسلم قال (عليه السلام): "مَن أحب منكم الانصراف فلينصرف غير حرج". وفي ليلة عاشوراء، قال (عليه السلام): "وإني قد أذنت لكم جميعًا فانطلقوا في حلّ، ليس عليكم مني ذمام... فإن القوم يطلبونني".
القيمة الرابعة: الحوار
اعتمد الإمام الحسين (عليه السلام) الحوار والمنطق والحجة والنصيحة، كأداة سلمية لعلاقته مع الآخر، في مواقف عدة، منها:
موقفه مع رجال السلطة الأموية، كخطاب الإمام الحسين (عليه السلام) إلى والي المدينة: "إنا أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، قاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون أينا أحق بالخلافة والبيعة".
التذكير بالكتب المرسلة والعهود التي قُطعت له بالنصرة، منها رسائل أهل الكوفة ورسلهم، حتى إن الإمام احتج بها عندما واجه الحر بن يزيد الرياحي وعمر بن سعد عندما سألاه عن سر مجيئه إلى العراق، فقال: "كتب إليّ أهل مصركم هذا أن أقدم". وكذلك طلب من أصحابه التزام الحوار، كحال العباس (عليه السلام) وإخوته عندما ناداهم الشمر قبل المعركة، فقال لهم (عليه السلام): "أجيبوه وإن كان فاسقًا".
وعظهم قبل بدء المعركة: "أيها الناس، اسمعوا قولي ولا تعجلوني حتى أعظكم بما يجب لكم عليّ، وحتى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإن قبلتم عذري وصدقتم قولي وأنصفتموني كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا مني العذر... فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ، إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّـهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ".
تعريف الآخرين بنفسه: "أما بعد، فانسبوني فانظروا مَن أنا؟ ثم ارجعوا إلى أنفسكم وعاتبوها، فانظروا هل يحل لكم قتلي وانتهاك حرمتي؟ ألست ابن بنت نبيكم صلى الله عليه وآله، وابن وصيه، وابن عمه، وأول المؤمنين بالله، والمصدق لرسوله بما جاء به من عند ربه؟ أو ليس حمزة سيد الشهداء عم أبي؟ أو ليس جعفر الشهيد الطيار ذو الجناحين عمي؟ أو لم يبلغكم قول مستفيض فيكم: إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لي ولأخي: هذان سيدا شباب أهل الجنة؟ فإن صدقتموني بما أقول، وهو الحق، فوالله، ما تعمدت كذبًا مذ علمت أن الله يمقت عليه أهله، ويضر به مَن اختلقه، وإن كذبتموني فإن فيكم مَن إن سألتموه عن ذلك أخبركم... أفما في هذا حاجز لكم عن سفك دمي؟".
سعى الإمام (عليه السلام) إلى تأكيد القيم الإنسانية من خلال الحوار واحترام الآخر، وتعزيز قيم التسامح والوسطية والاعتدال، وتعميق التفاهم ومعالجة الاختلافات بأسلوب سلمي ينشر المحبة، ويؤمن بالحق، ويعترف بالآخر ولا يلغيه، وتوضيح المواقف وكشف الشبهات لتأليف القلوب.
إن لجم القوة والتسلط لدى الفرد، والتفكير بطريقة متعايشة محبة متفتحة على الآخرين، يدعو لمزيد من تشذيب سلوكياتنا نحو الحقوق والواجبات التي تؤطر حياتنا، وينطوي على صناعة وتأصيل وعي متزايد، يشكل خلفية ثقافية ناهضة تقبل على قراءة ما يتبناه الآخر.
إن تعزيز التسامح بالمعرفة والانفتاح والاتصال وحرية الفكر والضمير والمعتقد يدفع إلى الوئام في سياق الاختلاف، وهو ليس واجبًا أخلاقيًا فحسب، وإنما هو واجب سياسي وقانوني أيضًا، وهو الفضيلة التي تسهل قيام السلام، وتسهم في إحلال ثقافة السلام بدل ثقافة الحرب.
في الختام، تظل نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) نهضة حية ومتجددة؛ لأنها لم ترتبط بمكاسب مادية مؤقتة، بل ركزت على إحياء الإنسان، وزرع قيم التضحية والإيثار، والثبات على المبادئ الحقة في وجه الظلم مهما كان الثمن باهظًا.