السيدة رقية (ع) والضمير الإنساني: هل أصبحنا أكثر قدرة على حماية الأطفال أم مشاهدة مآسيهم؟

أوس ستار الغانمي

2026-07-20 01:48

تتقدم الأمم عادةً بما تنتجه من علوم، وما تشيده من مدن، وما تطوره من تقنيات، غير أن معيارها الأخلاقي يبقى معلقاً عند سؤال أكثر بساطة وأشد عمقاً: كيف تتعامل مع أطفالها؟ فكل حضارة تترك توقيعها الحقيقي في المساحة التي تمنحها للطفولة؛ مساحة الأمان، والكرامة، والرحمة. ومن هذه الزاوية، تعود السيدة رقية بنت الإمام الحسين (ع) في كل عام لتطرح سؤالاً يتجاوز حدود التاريخ، ويتصل مباشرةً بواقع الإنسان المعاصر. لا تختزن رقية (ع) في الوجدان الإسلامي صورة طفلة رحلت في ظروف مأساوية، وإنما تمثل رمزاً أخلاقياً يكشف طبيعة العلاقة بين القوة والإنسان. فحين تصل الصراعات إلى مرحلة يصبح فيها الطفل جزءاً من معادلة الصدام، تتراجع السياسة، ويتقدم الامتحان الأخلاقي. هنا تغدو الطفولة مرآة تعكس حقيقة المجتمعات، بعيداً عن الشعارات والخطابات.

مفارقة العصر الرقمي واعتياد المأساة

شهد العالم خلال العقود الأخيرة ثورة هائلة في وسائل الاتصال. باتت المأساة تُبث لحظة وقوعها، وتحولت الكاميرا إلى شاهد دائم على تفاصيل الألم الإنساني. ومع هذا التحول، برزت مفارقة تستحق التأمل؛ فكلما ازدادت قدرتنا على رؤية معاناة الأطفال، تضاءلت قدرتنا على التوقف أمامها. الصورة التي كانت تهز الضمير لعقود، أصبحت تمر بين مئات الصور في شاشة واحدة، حتى دخل الألم في دائرة الاعتياد، وتحول التفاعل إلى استجابة سريعة تنتهي بانتهاء التمرير على الهاتف. إن أخطر ما يواجه الإنسان المعاصر يتمثل في اعتياد المأساة. فالاعتياد لا يقتل المشاعر دفعة واحدة، وإنما يعيد تشكيلها تدريجياً، حتى يصبح الألم حدثاً يومياً، والخبر الموجع مادة استهلاكّية، والطفل الضحية رقماً داخل تقرير دولي أو وسماً متداولاً في وسائل التواصل الاجتماعي. عند هذه النقطة، تستعيد السيدة رقية (ع) حضورها بوصفها صدمة أخلاقية تعيد للضمير حساسيته الأولى.

وربما تكمن عظمة الرموز التاريخية في قدرتها على مغادرة زمنها الخاص، لتصبح أداة لقراءة الأزمنة اللاحقة. فقصة رقية (ع) تفتح باباً واسعاً للتفكير في موقع الطفل داخل عالم اليوم. ملايين الأطفال يعيشون تحت وطأة الحروب، والنزوح، والفقر، والأزمات البيئية، والاضطرابات النفسية، فيما يواجه آخرون أشكالاً جديدة من التهديد، صنعتها الثورة الرقمية، وثقافة الاستهلاك، والعنف الإلكتروني، والتفكك الأسري، والفراغ القيمي. تغيرت الأدوات، وتنوعت أسباب المعاناة، بينما بقي الطفل الطرف الأكثر هشاشة في كل أزمة.

ومن هنا، تتجاوز رسالة السيدة رقية (ع) حدود البكاء على الماضي، لتدعو إلى مراجعة الحاضر. فإحياء الذكرى يكتسب معناه عندما يتحول إلى مشروع ثقافي يعيد الاعتبار للطفولة، ويضعها في قلب السياسات التعليمية والإعلامية والاجتماعية. فالمجتمع الذي يمنح الطفل اهتماماً حقيقياً، يبني مستقبله قبل أن يبني مؤسساته. كما يتحمل الإعلام مسؤولية مضاعفة في هذا السياق. فالقيمة المهنية للإعلام تُقاس بقدرته على إنتاج الوعي، وتحويل القضايا الإنسانية إلى قوة دافعة نحو الإصلاح. أما الاكتفاء بإعادة تدوير صور المآسي، فيفتح الباب أمام تبلد الإحساس، ويجعل المشاهد يتعامل مع الألم بوصفه جزءاً من الروتين اليومي. الإعلام الواعي يصنع سؤالاً قبل أن يصنع خبراً، ويوقظ الضمير قبل أن يرفع نسب المشاهدة.

وتكشف هذه الذكرى عن معنى آخر أكثر عمقاً، يتمثل في أن حماية الطفل تبدأ من الثقافة قبل أن تصل إلى القانون. فالتشريعات تضع الحدود، بينما تصنع الثقافة الضمير الذي يحرس تلك الحدود. الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية، والجامعة، والإعلام، جميعها تشكل بيئة واحدة تحدد صورة الطفولة في المجتمع. وعندما تتراجع قيمة الرحمة داخل هذه المنظومة، يصبح الطفل أول من يدفع الثمن.

إن استحضار السيدة رقية (ع) يمنح الخطاب الديني فرصة للانتقال من استذكار الحادثة إلى بناء الوعي. فالقضية لا تتعلق بطفلة عاشت في القرن الأول الهجري، وإنما بقيمة إنسانية تتجدد كلما تعرض طفل للخوف أو الحرمان أو الإهمال. ولهذا، فإن الوفاء لذكراها يتحقق عبر صناعة بيئة أكثر أماناً للأطفال، وتعزيز التربية القائمة على الاحترام والاحتواء، وترسيخ ثقافة ترى في الطفل إنساناً كامل الكرامة، لا مشروعاً مؤجلاً للمستقبل.

سؤال التقدم والأخلاق

ويبقى السؤال مفتوحاً أمام الجميع: هل نجحت البشرية في تطوير وسائل حماية الأطفال، أم نجحت أكثر في تطوير وسائل مشاهدة آلامهم؟ إنه سؤال يحمل في داخله مراجعة شاملة لمفهوم التقدم. فالتقنية تمنح الإنسان سرعة الوصول إلى الحدث، أما الأخلاق فتحدد طريقة الاستجابة له. وبين السرعة والمسؤولية تتحدد قيمة الحضارة. في ذكرى السيدة رقية (ع)، تبدو الحاجة ملحة إلى استعادة البوصلة الأخلاقية التي تجعل الطفولة أولوية، وتجعل الإنسان قادراً على رؤية الطفل بعين المسؤولية، لا بعين المشاهدة العابرة. فكل مجتمع ينجح في صيانة براءة أطفاله، يكتب فصلاً جديداً من تاريخه، وكل أمة تمنح الرحمة مكانها الطبيعي، تقترب أكثر من المعنى الحقيقي للحضارة.

ذات صلة

كيف نصنع حضارتنا؟اللاعنف في منهج الإمام الحسن المجتبى (ع)الفساد الأخطرالقصةُ وما فيها من أبعادٍ تربويةمن وحدة المحور إلى تعدد المصالح