اليابان تتحول إلى القوة العظمى بين القوى المتوسطة
شبكة النبأ
2026-06-14 04:01
في هذا المقال المنشور في موقع (معهد أمريكان إنتربرايز)، يقدم الكاتب (هال براندز) تحليلاً استراتيجياً للتحول الجذري في السياسة الخارجية لليابان، معتبراً إياها القوة العظمى الجديدة بين "القوى المتوسطة" في العالم. ويوضح كيف تواجه طوكيو عصراً جديداً من المخاطر الجيوسياسية الناجمة عن الصعود العسكري الصيني، مدفوعة بمخاوف مكتومة من تراجع موثوقية حليفها الأمريكي وانكفائه داخلياً، مما جعلها تتبنى استراتيجية طموحة ترتكز على تعزيز قدراتها العسكرية الذاتية ومضاعفة إنفاقها الدفاعي، بالتوازي مع بناء شبكة تحالفات إقليمية واسعة لتحقيق "الاستقلالية الجماعية"، مع التمسك الشديد بالتحالف مع واشنطن لترسيخ وجودها في المنطقة كخطة أساسية، بينما تؤسس هذه التحركات تلقائياً لخطة بديلة في حال انسحاب أمريكا مستقبلاً. ويخلص الكاتب إلى أن هذا الصعود الياباني، رغم أهميته البالغة لاستقرار المحيط الهادئ والعالم الديمقراطي، يصطدم بتحديات داخلية وجودية حادة، أبرزها الكلفة المالية الباهظة التي تهدد استقرارها الاقتصادي، والأزمة الديموغرافية المروعة المتمثلة في الانخفاض الحاد والشيخوخة المتسارعة لعدد السكان.
ويرى الكاتب في مقاله:
في حين يبتعد بعض حلفاء الولايات المتحدة عن واشنطن، تحافظ اليابان على علاقات جيدة مع الولايات المتحدة، في الوقت الذي تعزز فيه قدراتها العسكرية الخاصة.
إنه وضع لا يُحسد عليه ذلك الحليف الأميركي المكشوف استراتيجيًا؛ فالتهديدات تتصاعد من جانب تكتل من القوى المناوئة للوضع الدولي القائم، تقوده الصين وروسيا ومعهما القوى الدائرة في فلكهما. كما أن الشكوك بشأن الاستقرار السياسي الأميركي والالتزام الجيوسياسي للولايات المتحدة أصبحت أكثر وضوحًا. إنه زمن مقلق للدول التي احتمت طويلًا تحت مظلة التحالفات الأميركية. وفي أنحاء العالم، تعمل ما يُسمّى بالقوى المتوسطة على ابتكار استراتيجيات للتعامل مع هذا الضغط.
بعض حلفاء أميركا الأوروبيين يسعون إلى تحقيق استقلالية استراتيجية؛ أي بناء قارة قادرة على رسم مسارها الخاص في مشهد عالمي آخذ في التشظي. وقد جعل رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، من نفسه نجمًا محبوبًا في دافوس حين قال إن كلًا من الولايات المتحدة والصين “تستخدمان التكامل الاقتصادي كسلاح”، مشيرًا إلى أن على الدول الأصغر أن تتمرد على بكين وواشنطن معًا. وقد أصبح التحوط أكثر شيوعًا، من جنوب شرق آسيا إلى الشرق الأوسط. لكن أهم حليف منفرد للولايات المتحدة، وهو اليابان، اختار طريقًا مختلفًا.
زرتُ طوكيو مؤخرًا لعقد اجتماعات مع مسؤولين في الأمن القومي ومحللين بارزين آخرين. وليس من الصعب العثور على عبارات قلق، وإن كانت مكتومة، إزاء الأنماط الأخيرة في السلوك الأميركي. لكن ما لن تسمعه من المراقبين المسؤولين هو اقتراحات بأن تمضي اليابان وحدها أو أن تقطع علاقتها بالولايات المتحدة.
فاليابان تتمسك بأميركا بقوة، حتى وهي تستثمر بصورة عاجلة في مصادر قوتها السيادية وفي علاقات بديلة. وهي تسعى إلى رفع الحواجز الجماعية أمام التوسع الصيني، مع إدارة التردد الأميركي والحد بهدوء من آثاره السلبية.
ونتيجة لذلك، تصبح اليابان أكثر قيمة باطراد بالنسبة إلى واشنطن واستقرار منطقة المحيط الهادئ. كما أنها، بصورة أكثر خفاءً، تجهز نفسها لمواجهة أخطار أكبر قد تتعرض لها إذا انسحبت الولايات المتحدة في نهاية المطاف من العالم.
تمثل استراتيجية اليابان الخيار الأفضل في عصر تكون فيه أميركا غير موثوقة لكنها لا غنى عنها، حتى وإن كانت هذه الاستراتيجية لن تجنب طوكيو تحديات قاسية.
عصر جديد في السياسة الخارجية
نحن ندخل العصر الرابع من السياسة الخارجية اليابانية الحديثة. فمنذ خمسينيات القرن التاسع عشر، أعادت اليابان تشكيل نفسها مرارًا استجابة لتحولات عالمية كبرى.
في منتصف القرن التاسع عشر، هددت الثورة الصناعية بجعل اليابان دولة متأخرة في عصر كانت الإمبراطوريات الغربية تتوسع فيه. وكانت النتيجة هي إصلاحات ميجي وبناء اقتصاد حديث وجيش قوي. وفي بضعة عقود قصيرة، حولت اليابان نفسها إلى قوة كبرى هزمت الصين، ثم روسيا لاحقًا، في حروب قصيرة وحاسمة.
وجاء تحول ثانٍ في فترة ما بين الحربين العالميتين. فبعد الحرب العالمية الأولى، تبنت اليابان لفترة وجيزة الديمقراطية البرلمانية. لكن بعدما انهار الاقتصاد العالمي وصعدت الدول الفاشية خلال ثلاثينيات القرن العشرين، اتجهت اليابان إلى النزعة العسكرية والتوسع العنيف والسعي إلى إقامة إمبراطورية آسيوية ضخمة مكتفية ذاتيًا. وقد غزت البلاد لفترة وجيزة ما يقرب من ربع العالم، قبل أن يؤدي الصراع مع الولايات المتحدة إلى هزيمة مدمرة.
وبعد تلك الكارثة، بدأ عصر ثالث، إذ تصالحت اليابان مع القوة الأميركية. تخلى قادة اليابان عن سياسة خارجية مستقلة، وأصبحوا يعتمدون على الحماية الأميركية. وقد جرت دمقرطة البلاد تحت الاحتلال الأميركي؛ ثم نهضت وازدهرت باعتبارها جزءًا من المجتمع الغربي. وساعدت اليابان المتحولة على تحويل شرق آسيا، الذي بات يتمتع بازدهار واستقرار وسلام غير مسبوق.
لكن البيئة العالمية اليوم تتدهور، وهناك تحول رابع جارٍ. فالتوسع العسكري لبكين يتحدى اليابان في بحر الصين الشرقي، ويعرض أمن غرب المحيط الهادئ للخطر. والصين تهدد تايوان، التي تحمي المداخل الجنوبية الغربية لليابان، وتتحين الفرصة لتصفية حسابات قديمة مع طوكيو.
ويخشى الاستراتيجيون اليابانيون أن تكون أجزاء من جنوب شرق آسيا قد انزلقت بالفعل إلى دائرة النفوذ الصيني. ويقلق مخططو الدفاع من تحرك صيني ضد جزر سينكاكو المتنازع عليها، أو ربما من غزو تايوان أو فرض حصار عليها أو إخضاعها لحجر جمركي.
وعلى نطاق أوسع، فإن السلام النسبي الذي ساد حقبة ما بعد الحرب الباردة يفسح المجال لعصر من المنافسة والصراع. والاقتصاد الدولي يتصدع مع اضطراب العلاقات التجارية بفعل الخصومة. لقد أصبحت البيئة المحيطة باليابان أكثر خطورة من أي وقت مضى منذ عقود، في الوقت الذي أصبحت فيه الأسئلة حول مدى الاعتماد على الراعي الأميركي الخارق لطوكيو أكثر حدة.
قوة عظمى مُنهَكة
نادرًا ما تُطرح هذه الشكوك علنًا. ففي حوار شانغريلا في سنغافورة الشهر الماضي، عبّر وزير الدفاع الياباني شينجيرو كويزومي عن اعتقاده بأن التزام أميركا بأمن المحيط الهادئ لا يزال ثابتًا، وطلب علنًا من وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث تأكيد ذلك الالتزام، وقد فعل. ومع ذلك، فإن مجرد طرح كويزومي للسؤال يقول شيئًا ما.
ومع ذلك، ظل المسؤولون اليابانيون قلقين لسنوات بشأن قدرة أميركا الجيوسياسية على الاستمرار. فقبل ما يقرب من عقدين، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما أن على الولايات المتحدة أن تركز على بناء الأمة في الداخل بدلًا من بناء الأمم في الخارج. وقد أرسل رفضه تنفيذ “خطه الأحمر” الخاص باستخدام الأسلحة الكيميائية في سوريا موجات صدمة جيوسياسية إلى طوكيو.
وفي عام 2016، رفض مرشحو الرئاسة من الحزبين الرئيسيين اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ التجارية، التي ساعدت اليابان لاحقًا في إحيائها تحت اسم الاتفاقية الشاملة والتقدمية للشراكة عبر المحيط الهادئ. ثم جاءت دبلوماسية أميركا التي اتسمت غالبًا بالتقلب، وأحيانًا بالخشونة، في عهد الرئيس دونالد ترامب.
والرؤية الأساسية في طوكيو هي أن رد الفعل العكسي الناتج عن إفراطات العولمة، وعن إفراطات حروب أميركا في الشرق الأوسط بعد 11 سبتمبر، أدخل الولايات المتحدة في حالة طويلة من الإرهاق الجيوسياسي والاضطراب السياسي. وترامب نفسه هو في آن واحد مظهر من مظاهر ذلك الاضطراب ومحفز له.
في ولايته الأولى، شكك ترامب في قيمة التحالفات الأميركية. وفي ولايته الثانية، هز الاقتصاد العالمي بالرسوم الجمركية، وهدد بالاستيلاء على أراضٍ من حلفاء، وأثار الشكوك بشأن الالتزامات الأمنية الأميركية. إن قيادته الفوضوية تجعل من الصعب على الحلفاء فهم ما يجري في واشنطن، فضلًا عن التأثير فيه.
أما اهتمامه الظاهر بعالم منقسم إلى مناطق نفوذ، فله دلالات مشؤومة بالنسبة إلى الديمقراطيات الواقعة في ظل القوة الروسية أو الصينية. ثم هناك أثر الأحداث الأحدث.
كان هجوم ترامب الغاضب على إيران في فبراير عرضًا مثيرًا للإعجاب للقوة العسكرية الأميركية: ويأمل المسؤولون اليابانيون أن يرهب هذا الاستعراض العضلي موسكو وبكين. لكن الحرب تسببت أيضًا بألم اقتصادي عالمي واستنزفت مخزونات الأسلحة الأميركية. كما حولت وحدات عسكرية أميركية عن المحيط الهادئ وتسببت في تأخير بيع صواريخ توماهوك المجنحة إلى اليابان.
وعلى نحو أعمق، أثارت الحرب أسئلة حول جودة صنع القرار الأميركي، نظرًا إلى أن ترامب تعثر في الدخول إلى أزمة طويلة وفوضوية، ثم عانى في الخروج منها. وفي الوقت نفسه، فإن الانفراج الدبلوماسي الأخير بين ترامب والصين، وتردده العلني بشأن الدعم الأميركي لتايوان، يثيران الدهشة والقلق في اليابان.
ولكي نكون واضحين، يرى مسؤولو الأمن اليابانيون قيمة في دعوات ترامب للحلفاء إلى زيادة الإنفاق الدفاعي. ولا يعتقد أحد ممن تحدثت إليهم أن أميركا في تراجع لا رجعة فيه. لكنهم يقلقون من أن الولايات المتحدة تدخل مرحلة من الصراع الداخلي وعدم الموثوقية الجيوسياسية. وقد قال لي أحد المراقبين القريبين من الاستراتيجية اليابانية إن هذه المشكلة هي “الأجندة غير المعلنة” كلما تشاور دبلوماسيو البلاد مع نظرائهم الآسيويين.
يمثل ذلك تحديًا ملحميًا لدولة ازدهرت في العالم الذي صنعته أميركا. وقد استدعى هذا التحدي ردًا طموحًا على نحو لافت.
اندفاع نحو الدفاع
بدأ هذا الرد يتبلور قبل وقت طويل من تولي رئيسة الوزراء الحالية، ساناي تاكايتشي، منصبها. فقبل نحو عشرين عامًا، سعى شينزو آبي إلى التخلص من أعباء اليابان التاريخية وجعلها “أمة طبيعية”. وخلال فترته الثانية كرئيس للوزراء في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، تصدى آبي للتوسع الصيني عبر وضع اليابان في موقع المدافع الصلب عن منطقة هندية ـ هادئة حرة ومفتوحة.
وفي السنوات الأخيرة، رفعت اليابان الإنفاق الدفاعي بصورة هائلة. دعمت طوكيو أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي، في الوقت الذي تصدت فيه للإكراه الصيني في غرب المحيط الهادئ. وقد أعلن سلف تاكايتشي المباشر، شيغيرو إيشيبا، أن على اليابان “مواجهة حقائق البيئة الأمنية الشديدة”. والآن، تستعد تاكايتشي، وهي تلميذة سياسية لآبي حققت فوزًا كاسحًا في انتخابات فبراير، للمضي بالاستراتيجية الكبرى اليابانية عبر نهج ذي ثلاثة محاور.
يتعلق المحور الأول بتقوية اليابان من خلال توسيع قدراتها الذاتية. فقد تضاعف الإنفاق العسكري تقريبًا منذ عام 2022، من 1% إلى 2% من الناتج المحلي الإجمالي. ويقول المسؤولون اليابانيون إن هذا الارتفاع القوي سيستمر: وعلى الرغم من أن الهدف الدقيق لا يزال غامضًا، فقد يصل إنفاق طوكيو إلى 3% من الناتج المحلي الإجمالي أو أكثر بحلول أوائل ثلاثينيات القرن الحالي. وبحلول ذلك الوقت، قد تمتلك اليابان ثالث أكبر ميزانية عسكرية في العالم، بعد الصين والولايات المتحدة، وجيشًا مدججًا بصواريخ بعيدة المدى وغواصات هجومية وطائرات مسيرة جوية وبحرية وأسلحة متقدمة أخرى.
وستعرض الوثائق الاستراتيجية المقبلة، وهي استراتيجية جديدة للأمن القومي واستراتيجية جديدة للدفاع الوطني من المقرر صدورهما في نهاية هذا العام، التهديدات بوضوح حاد كوسيلة لتوليد الدعم الشعبي. وتنشر قوات الدفاع الذاتي أسلحة أكثر تطورًا وتخزن معدات في الجزر الجنوبية الغربية لليابان، بالقرب من تايوان.
كما يستعد الجيش الياباني للحروب المستقبلية من خلال استيعاب الدروس الحديثة. وتسعى طوكيو إلى تعبئة القدرة الإنتاجية اللازمة لاستدامة حرب طويلة الأمد من النوع المعروض في أوكرانيا. وتنشر قوات الدفاع الذاتي مستشارين في قيادة حلف شمال الأطلسي الخاصة بأوكرانيا في ألمانيا، لاستخلاص رؤى حول الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية وأدوات أخرى.
وقد ذكر وزير الدفاع كويزومي ومسؤولون كبار آخرون حتى احتمال أن تبني طوكيو غواصات هجومية تعمل بالطاقة النووية، وهي خطوة نحو كسر المحظور النووي الياباني، وقد تقود في نهاية المطاف ربما إلى امتلاك أسلحة نووية. إن فكرة اليابان الساكنة المسالمة أصبحت قديمة: فطوكيو تبني عناصر قوة عسكرية ثقيلة الوزن.
أما المحور الثاني في الاستراتيجية اليابانية فيتعلق ببناء شبكة واسعة من العلاقات. لعقود، أسست اليابان سياستها الخارجية على تحالف ثنائي مع واشنطن. أما اليوم، فقد تكون اللاعب الأكثر حماسة للتعددية في المحيط الهادئ.
بنت طوكيو شبه تحالفات، تتضمن تعاونًا عسكريًا متعمقًا تدريجيًا، مع أستراليا والفلبين. وتربط شراكات استراتيجية مزدهرة طوكيو بدول تمتد من الهند إلى جنوب شرق آسيا. وتؤدي اليابان دورًا قويًا في تحالف “كواد”، وهو تجمع أمني غير رسمي يضم أستراليا واليابان والهند والولايات المتحدة؛ كما تحاول الحفاظ على الزخم في تحسين علاقتها التاريخية المعقدة مع كوريا الجنوبية.
وقد تعهدت طوكيو بتقديم أموال لمساعدة دول في جنوب شرق آسيا، مثل ماليزيا وتايلاند، تعاني من ارتفاع أسعار الطاقة، خشية أن تفتح الضائقة الاقتصادية الأبواب أمام النفوذ الصيني. كما تسعى إلى إقامة شراكات في المعادن الحيوية مع أستراليا وكندا وإندونيسيا باعتبارها ردًا على الضغط الاقتصادي الصيني.
وستروج استراتيجية الأمن القومي المقبلة لفكرة “الاستقلالية الجماعية”؛ أي أن اليابان لا تستطيع الحفاظ على حرية حركتها في مواجهة القوى المعادية إلا من خلال العمل الوثيق مع مجموعة متنامية من الأصدقاء. يحذر الدعاة الصينيون بلا انقطاع من عودة النزعة العسكرية اليابانية، لكن في معظم آسيا تُعد قوة طوكيو ثقلًا موازنًا مرحبًا به في مواجهة بكين.
وتربط دبلوماسية صناعية نشطة بين المحورين الأول والثاني. ففي أبريل، رفعت اليابان معظم القيود المتبقية على صادرات الأسلحة. وهي تعقد صفقات لبيع معدات مثل الصواريخ والفرقاطات إلى الفلبين وأستراليا ودول أخرى. والفكرة هي تقوية الدول الصديقة، وفي الوقت نفسه تنشيط قاعدة الصناعات الدفاعية اليابانية التي كانت تاريخيًا بطيئة وخاملة، بحيث تكون جاهزة للأزمات المقبلة.
“عصر ذهبي” جديد
لا يهدف أي من ذلك إلى إزاحة التحالف مع واشنطن: فالمحور الثالث في استراتيجية طوكيو يعزز التعاون الأعمق مع الولايات المتحدة.
تجنب القادة اليابانيون بعناية الخلافات العلنية مع واشنطن، مع استيعاب المطالب الأميركية المتعلقة بتنازلات تجارية غير متكافئة وتعهدات استثمارية ضخمة. وقد احتفلت تاكايتشي وترامب بـ“عصر ذهبي جديد” للتحالف؛ كما أيد الرئيس علنًا رئيسة الوزراء قبل انتصارها الانتخابي في وقت سابق من هذا العام.
وتتسارع وتيرة التدريبات العسكرية. وتعمل قوات الدفاع الذاتي ووزارة الدفاع الأميركية على تحصين الجزر الجنوبية الغربية لليابان باعتبارها نقاط ارتكاز ساحلية، وعلى بناء ترتيبات القيادة والتشغيل البيني العميق الذي يجعل التحالف صالحًا للقتال. كما يشجع التوسع السريع للأسلحة النووية الصينية على تعاون أوثق للحفاظ على الردع الأميركي الموسع. اليابان لا تنأى بنفسها عن واشنطن؛ بل تحاول تثبيت الولايات المتحدة بصورة أرسخ في المنطقة.
في الواقع، تتمثل الخطة “أ” لدى اليابان في أن تجعل نفسها أقوى وأكثر ارتباطًا إقليميًا، وبذلك تجعل نفسها حليفًا أميركيًا أكثر قيمة وجاذبية. وبالطبع، فإن المبادرات نفسها تبدأ أيضًا في تشكيل ملامح الخطة “ب” التي ستحتاج إليها اليابان إذا وقع الأسوأ وعاد الأميركيون، يومًا ما، إلى ديارهم.
تحدٍّ متنامٍ وسكان يتناقصون
ليس من المبالغة وصف ما يجري بأنه ثورة في السياسة الخارجية اليابانية. فالقيادة السياسية في البلاد مقتنعة بأن التحركات الجريئة ضرورية للبقاء؛ كما أن مجموعة من الموظفين المدنيين النافذين، وكثير منهم ينظرون إلى الصين بحذر منذ جيل كامل، يوجهون البيروقراطية في ذلك الاتجاه.
وسط الخطر وعدم اليقين، يحتاج العالم الديمقراطي إلى يابان ذات وزن وطاقة أكبر. وينبغي لإصلاحات تاكايتشي وأسلافها أن ترسخ مكانة اليابان بوصفها أهم حليف للولايات المتحدة؛ أي الدولة التي تعد قدراتها وتعاونها ضروريين لموازنة القوة الصينية والحفاظ على عالم ملائم. لكن لا ينبغي التقليل من شأن التحديات المقبلة.
التحدي الأول هو أن المقاومة الديمقراطية تجلب عداوة استبدادية: فسياسات اليابان تجعلها هدفًا لبكين. ففي نوفمبر، قالت تاكايتشي إن اليابان ستنظر إلى أي حصار صيني لتايوان باعتباره موقفًا يتعلق بالحياة أو الموت، بما يعني ضمنًا أن طوكيو قد لا تجد خيارًا سوى التدخل. وكان رد الصين غضبًا محسوبًا.
فقد هدد القنصل العام الصيني في أوساكا بقطع رأس تاكايتشي على وسائل التواصل الاجتماعي. وقد حُذفت المنشور سريعًا. وأجرت الصين مناورات عدوانية في بحر الصين الشرقي وفرضت عقوبات اقتصادية على اليابان شملت الآلات الثقيلة وبناء السفن. وتحاول بكين أن تجعل من رئيسة الوزراء اليابانية عبرة؛ ومن المرجح أن تصبح مستويات أعلى من الضغط والإكراه الوضع الطبيعي الجديد بالنسبة إلى اليابان.
ثانيًا، هناك حالة عدم يقين بشأن ما إذا كانت اليابان وأصدقاؤها قادرين على مجاراة التحدي الصيني. فحشد بكين العسكري، التقليدي والنووي، لا يتوقف. وتتوسع الأنشطة العسكرية الصينية: قال لي مسؤول ياباني إنه لم يكن يتخيل يومًا أنه سيرى حاملتي طائرات صينيتين تعملان خارج سلسلة الجزر الأولى، وهي سلسلة الجزر الممتدة من اليابان جنوبًا إلى إندونيسيا، كما حدث للمرة الأولى في العام الماضي.
وعلى الرغم من الجهود المبذولة لإنشاء ترابط إقليمي أكبر، لا يزال غرب المحيط الهادئ يفتقر إلى إطار متعدد الأطراف متين لمواجهة العدوان. وتتزايد القدرات العسكرية الصينية بوتيرة أسرع مما استطاعت أميركا واليابان وأصدقاؤهما الرد عليه. وفي طوكيو، يمكن للبيروقراطية المجزأة أن تكون بطيئة على نحو محبط في الأمن الاقتصادي وقضايا ملحة أخرى. إن اليابان ترفع مستوى أدائها بصورة مثيرة للإعجاب، لكن ذلك قد لا يكون كافيًا.
ثالثًا، سيكون ثمن طموح طوكيو باهظًا. فقد رفعت تاكايتشي الأمن فوق الملاءة المالية. وألقت بالحذر المالي جانبًا عبر زيادة الإنفاق الدفاعي، بينما تسعى أيضًا إلى خفض ضرائب الاستهلاك.
وتزيد إعانات الطاقة، التي فرضتها أزمة الخليج الفارسي، الضغط على الميزانية. ولا تملك الحكومة سوى إجابات قليلة عن كيفية دفع اليابان في النهاية تكاليف بناء قوتها الدفاعية، ما ينطوي على خطر تمرد في سوق السندات قد يوقف برنامج تاكايتشي في مساره.
أما التحدي الرابع فهو وجودي. فالمسار الديموغرافي لليابان كارثي: ففي عام 2024 بلغ معدل الخصوبة لديها 1.1 مولود فقط لكل امرأة، وهو أدنى بكثير من مستوى الإحلال البالغ 2.0. وسينخفض عدد سكان البلاد بشدة خلال العقود القليلة المقبلة، ما سيزيد الضغط على الاقتصاد. كما أن تقلص عدد السكان في سن الخدمة العسكرية سيجعل من الأصعب كثيرًا على قوات الدفاع الذاتي ملء صفوفها.
تتوسع مسارات الهجرة. لكن المجتمع الياباني المتجانس يفتقر إلى ثقافة استيعاب تساعد الوافدين الجدد على أن يصبحوا يابانيين. وعلى المدى القريب، تضخم اليابان وزنها الجيوسياسي. أما على المدى الطويل، فهي تواجه تراجعًا حادًا وكارثيًا.
عصر القوة اليابانية
التحديات لا مفر منها: فالضربة المزدوجة المتمثلة في الحزم الصيني والنزعة العدوانية الأميركية تضرب النظام العالمي الذي ازدهرت اليابان في ظله. وفي ظروف مشحونة، تبدو كل المسارات إلى الأمام خطرة. لكن مقاربة اليابان مصممة وفق حقائق عصرنا.
يبقى جذب الولايات المتحدة إلى موقع قريب أمرًا حتميًا، لأنه، في المستقبل المنظور على الأقل، لا يوجد خيار آخر لكبح القوة الصينية. كما أن توسيع علاقات اليابان أمر حيوي، لأن جهدًا جماعيًا أكبر سيكون مطلوبًا لإنقاذ بيئة تستطيع اليابان وأصدقاؤها الازدهار فيها. والتحوط من انكفاء أميركي أمر حكيم، لكن القلق العلني الصاخب بشأن هذا الاحتمال لا يحقق مكاسب كبيرة، كما أن الخصومة العلنية مع واشنطن تحقق مكاسب أقل.
تدرك الاستراتيجية اليابانية حقائق عنيدة، حتى وهي تهيئ البلاد بهدوء لأسوأ السيناريوهات المستقبلية. وستكون طوكيو وواشنطن والمجتمعات الديمقراطية الأخرى حول العالم في وضع أفضل إذا كان عصر الخطر المقبل، في الوقت نفسه، عصرًا جديدًا للقوة اليابانية.