المنهج النبوي ومثيرات الإقبال الجمعي عليه
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-08-13 02:32
(كان رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل إنسان، وصاحب خير منهج)
سماحة المرجع الشيرازي
إنّ السنة النبوية المطهرة ليست مجرد أحكام إجرائية أو توجيهات ظرفية ارتبطت بزمن محدد، بل هي تجسيد حقيقي للكمال البشري والتشريعي الذي حمله نبي الإسلام صلى الله عليه وآله، وكما أن ذات النبي الأعظم هي القدوة المطلقة والأسوة الحسنة التي اختارها الله للبشرية، فإن النظام والأحكام والقوانين التي صاغها وقررها للمسلمين هي امتداد لطهر رسالته وكمال أخلاقه.
لقد جاءت هذه التشريعات لتبني مجتمعاً متوازناً يجمع بين العدل والمرحمة، وتنظم حياة الإنسان في كافة جوانبها الروحية، والاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية بأعلى درجات الدقة والانسجام.، حيث أن خلود هذه الأحكام يتجلى في قدرتها الفريدة على ملائمة الفطرة الإنسانية في كل زمان ومكان، حيث تضمن للناس الحقوق وتدفع عنهم المفاسد.
ومثلما لا يدانى النبي صلى الله عليه وآله في مقامه الشريف وفضله، لا تداني سنته وقوانينه أي تشريعات وضعية أيا كانت دقتها، لأن مصدرها رباني ونورها معصوم، لذا فالتمسك بنظامه والعمل بأحكامه ليس مجرد واجب ديني فحسب، بل هو السبيل الوحيد لتحقيق السيادة والكرامة والعدالة الاجتماعية المطلقة، لتبقى سنته النبوية الشريفة هي النظام الأكثر كمالاً والمنهج الأفضل لتنظيم الحياة البشرية وسعادتها في الدارين.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول في كتابه القيّم الموسوم بـ (نفحات الهداية):
(إن السنّة أو النظام والأحكام والقوانين التي قرّرها نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله للمسلمين، مثلها مثل النبي صلى الله عليه وآله نفسه؛ فهي أفضل وأكمل القوانين والأحكام، ويجب أن تكون كذلك؛ أي يجب أن يكون هناك تناسب من حيث الأصل والنسخية، وهذا أمرٌ حاصل).
ولكن لم تكن مرحلة الدعوة في مكة المكرمة بعد البعثة الشريفة إلا تأسيسًا للنموذج والمنهج، حيث واجه نبي الإسلام صلى الله عليه وآله ظروفًا قاهرة ومحيطًا يعادي القيم الجديدة، مما جعل تطبيق البرامج السياسية والأحكام التشريعية والتنظيمية أمرًا متعذرًا عمليًا.
التطبيق الميداني الروحي والأخلاقي
فطيلة تلك السنوات، ظلت أغلب تعاليمه وأقواله الشريفة ترتكز على بناء العقيدة والتربية الروحية والأخلاقية، دون أن تخرج تشريعاته وسياساته إلى التطبيق الميداني العلني، نظرًا لعدم تهيؤ الأرضية الاجتماعية والسياسية المناسبة لتشكيل مجتمع دولة ينفذ هذه الأحكام.
ولم يكن هذا القصور تطبيقًا ناتجًا عن ضعف أو تقصير، بل فرضته الواقعية القيادية وطبيعة المرحلة؛ إذ لم تكن تتوفر بيده صلى الله عليه وآله خيارات أخرى لحماية الرسالة والمسلمين الأوائل سوى الصبر والإعداد، حتى أذن الله بالهجرة إلى المدينة المنورة لتتحول تلك البرامج والتعاليم من إطارها النظري والدعوي إلى واقع عملي وتطبيقي متكامل.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي دام ظله:
(طيلة حضور نبي الإسلام صلى الله عليه وآله في مكة - بعد البعثة الشريفة - لم تخرج برامجه وتعاليمه وسياسته إلى العلن؛ فأكثر أقواله لم تطبق عملياً، لأنّ أرضية التطبيق لم تكن مهيَّأة بعد، ولم تتوافر بيده صلى الله عليه وآله حيال ذلك خيارات أُخرى).
وعندما وطئت أقدام نبي الإسلام صلى الله عليه وآله أرض المدينة المنورة، انشقت أستار الضيق لتشرق مرحلة جديدة في تاريخ البشرية حيث شرع فور وصوله في تأسيس وإرساء نواة الدولة الإسلامية المباركة، ثم بانكسار طوق الحصار الجائر الذي فرض على المسلمين طوال السنوات المكية، انطلقت الرسالة إلى فضاء التطبيق الرحب، وسرت في الأمة الإسلامية عافية الشريعة السمحاء وحيوية السنة المطهرة بأحلى صورها وأصدق معانيها.
وقد تجسدت تلك الأحكام والقوانين واقعًا حيًا يلمسه الناس في عدالة التشريع، وتآخي المجتمع، وإدارة الدولة بروح الرحمة والإنصاف، لقد قدم النبي صلى الله عليه وآله من خلال إدارته الحكيمة وسياسته الراشدة الصورة المثلى لأمثل دولة في الوجود، دولة توازن بين الروح والمادة، وتحمي الكرامة الإنسانية، لتغدو المدينة المنورة منطلقًا لنور العدالة الإلهية، ونموذجًا فريدًا يفيض بالخير والسلام، وشاهدًا حيًا على كمال التشريع الإسلامي وسمو أهدافه النبيلة.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(حتّى اتضح جميع ذلك في المدينة، حين شرع صلّى الله عليه وآله في بناء نواة الدولة الإسلامية المباركة، وزال طوق الحصار عنه وعن المسلمين، عندها سرت في الأُمّة الإسلامية عافية الشريعة السمحاء والسنّة المطهّرة بأحلى صورها وأصدق معانيها، فعكس بذلك صلّى الله عليه وآله الصورة المثلى لأمثل دولة في الوجود).
ولكن خلال التسع سنوات وبضعة أشهر التي قضاها رسول الله صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة، حدثت أعظم معجزة تربوية واجتماعية في تاريخ البشرية، لم يكن التغيير الذي أحدثه مجرد تعديل في السلوك، بل كان انقلابًا جذريًا في الفكر والروح والمشاعر إذ صاغ من أولئك القوم الذين أضنتهم الجاهلية أمة مؤمنة تتمتع بأعلى درجات الرحمة والعدالة.
حكمة القيادة الفذة
وبفضل التطبيق العملي للعدل الإلهي، وسمو خُلقه، وحكمته القيادية الفذة، استطاع صلى الله عليه وآله أن ينفذ إلى أعمق جوارحهم ليصيّرهم مسلمين بحق، يجسدون قيم الإسلام في واقعهم اليومي وبتكامل هذا النموذج الحضاري الراقي ودخوله كل بيت، انقادت القلوب طائعة لشرع الله، حتى تحقق قول الله تعالى: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا.
وهنا يتساءل سماحة المرجع الشيرازي ويجيب عما حدث في المدينة المنورة قائلا:
(كيف غيّر رسول الله صلى الله عليه وآله أولئك الناس، وصيّرهم مسلمين؛ حتى تحقق قول الله تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجاً﴾؟ لقد حصل ذلك أثناء السنوات التسع وبضعة أشهر التي عاشها صلى الله عليه وآله في المدينة المنورة، حيث أقبل الناس أفواجاً وجماعات على الدين الإسلامي، وإذا ما تهيأت الأرضية نفسها في أية منطقة من مناطق العالم - بما فيها بلاد الكفر ـ وفي أيّ زمان، واُعلن هذا الأمر، وطبِّق على أرض الواقع، لتحوّل سكان تلك البلاد إلى الإسلام).
لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله القمة الشامخة في الكمال البشري والنموذج الأسمى للإنسانية، حيث جمع بين طهارة الذات وعصمة المنهج الإلهي الذي أرسله الله به رحمة للعالمين، فالشريعة التي جاء بها والنظام الذي أرسى دعائمه يمثلان أعدل وأكمل القوانين التي عرفتها البشرية نظراً لارتباطهما بالوحي وصلاحهما لكل زمان ومكان.
وأمام هذا السمو والكمال المنهجي والروحي، تتجه الفطرة السليمة والنفوس التواقة للحق تلقائياً نحو سنته الشريفة فمن ذا الذي لا يحب أن يتبع المنهاج الأفضل، أو ينضوي تحت لواء النظام الأمثل الذي يضمن للإنسان سعادته، وكرامته، وعدالته، واستقراره في الدنيا والآخرة؟ لذا فإن الانتساب إلى هذا الدين العظيم والتمسك بهديه هو الغاية الأسمى لكل عاقل يسعى للكمال والرفعة.
كما يؤكد ذلك سماحة المرجع الشيرازي دام ظله في قوله:
(كان رسول الله صلى الله عليه وآله أفضل إنسان، وصاحب خير منهج، فمن ذا الذي لا يحب أن يتبع المنهاج الأفضل، أو ينتسب إلى النظام الأمثل؟!).
وهكذا حظيت البشرية كلها، والمسلمون منهم على وجه الخصوص فرصة في الحصول على منهج (نبوي) يضع الجميع على الجادة الصواب، في مجالات الحياة كلها، سواء ما يخص الحقوق أو الواجبات أو الحريات، وتنظيم العلاقات بين الناس جميعا كبيرهم وصغيرهم، قويّهم وضعيفهم، حاكمهم ومحكومهم، فالكل أمام هذا المنهج النبوي في توق ورغبة وكلهم سيجدون الحلول التي تضمن العدالة فيما بينهم وحماية كرامتهم وحقوقهم ولعل الأعظم هو تحقيق العيش الكريم للجميع.