التربية على الادخار: مهارة إنشاء الوعي المالي المقاوم للإنجراف الاستهلاكي
عزيز ملا هذال
2026-09-02 05:22
بين الحين والآخر تختلف مطاليب التربية وادواتها وانواعها تبعاً لاختلاف الحاجات الإنسانية، فما كان بالأمس واجباً أصبح ليس ذو أهمية والعكس منطقي، ونظراً لتحول الكثير من المجتمعات الإنسانية ومنها مجتمعنا العربي الى مجتمعات استهلاكية صار لازم ان نربي أبنائنا على الادخار الذي يجعلهم يقاومون متطلبات الحياة المعقدة، ماهي انعكاسات التربية على الادخار في المستقبل؟
ان تعليم الأبناء لمهارة الادخار لا يعني بأي شكل من الاشكال حرمانهم من التصرف بأموالهم او تدريبهم على البخل بالمطلق، بل هو تمرين على معرفة قيمة الأموال وضرورة انفاقها في اوقاتها وامكانها السليمة،
فعندما نعلمهم الحفاظ على جزء من مواردهم المالية من أجل اهداف مستقبلية، فأننا ننمي لديهم التفكير الاستراتيجي، ونعلمهم كيفية السيطرة على نزواتهم، وكيف يحولون رغباتهم العشوائية إلى أهداف منظمة تتطلب الصبر والالتزام والتخطيط.
من الواقع
لي صديق يقول: دربت ابنائي اعطائهم مبلغ مالي في كل يوم وقبلها احضرت لهم حصالة نقود، وطلبت منهم ان يضعوا هذه المبالغ في الحصالة لينفقوا منها على شراء احتجاجاتهم سواء في المنزل او المدرسة او في أي مكان آخر، ومن لم يجمع المال منهم لا يعطيه ما يحتاجه وهكذا غرس فيهم الشعور بأهمية النقود والصبر من اجل تجميعها وبالتالي تربيتهم على احترامها والابتعاد عن التبذير والإساءة لها.
نفسياً يرى الانسان ان المال هو رمزية للأمان أو السيطرة، والطفل الذي يفتقر إلى الشعور بالاستقرار العاطفي أو يعاني من الحرمان البيئي والنفسي قد يلجأ إلى الشراء القهري كآلية دفاعية للتعويض عن الفراغ الداخلي، لكن من ناحية أخرى، فإن تعويد الطفل على الادخار يزيد من احساسه بالإنجاز الذاتي والاستقلالية مما يعزز ثقته بنفسه وتصوره الإيجابي لمفهوم الكفاءة الذاتية.
ماهي مردودات تعليم الأبناء الادخار؟
هناك نوعين من المردودات وهما:
مردودات تربوية تتمثل بتنمية الضبط الذاتي وإرجاء الإشباع، اذ يدرب الادخار الابناء على مقاومة الرغبات اللحظية لصالح أهداف مستقبلية أكبر، وهو ما يعزز قدرتهم على ضبط النفس والسيطرة على الاندفاعات في مختلف مجالات حياتهم.
ومن المردودات التربوية ايضاً ترسيخ السلوك التخطيطي والتفكير الاستراتيجي لدى الأبناء، حيث يقتضي الادخار تحديد أهداف بعيدة وقريبة المدى ومراقبة التقدم فيها، الأمر الذي يحول تفكير الطفل من العشوائية إلى التنظيم والتحليل والمقارنة بين الخيارات وبالتالي يحاول الحصول على أكبر منفعة من ماله.
كما يمكن للأبناء عبر اذكاء مهارة الادخار في نفوسهم إدراك قيمة الجهد والمسؤولية، فحين يتعلم الطفل أن المال نتاج عمل وصبر، مما يجعله أكثر تقديراً للممتلكات الشخصية والعامة وحرصاً على عدم إهدار الموارد في أوقات وأماكن غير مناسبة ويفضل انفاقها في اماكنها الصحيحة وفيما لا يعد تبذيراً او اسراف.
وآخر المردودات التربوية هي تعزيز الكفاءة الذاتية والاستقلالية للأبناء، حيث إن تحقيق الطفل لهدفه المالي بجهده الخاص يمنحه إحساساً بالاستحقاق والقدرة على النجاح، الأمر الذي يعزز ثقته بنفسه ويزيد استقلاليته ويقلل اعتماده على الوالدين.
اما اهم المردودات الاجتماعية فتتمثل في تخفيف ضغط الاستهلاك التفاخري والابتعاد عن المقارنة في الانفاق بين الاقران، فحين يتربى الابن على عقلية الصمود وعدم الاكتراث للإعلانات وموجات الموضة حينئذ لا ينصاع للمباهاة الاجتماعية أو الرغبة في التقليد لمجرد إثبات الذات أمام زملائه.
ومن المردودات الاجتماعية خفض مستويات النزاعات الأسرية وبناء لغة الحوار، حيث يقلل الوعي المالي لدى الأبناء من نوبات الغضب والمطالبات التعجيزية من آبائهم، ليحل محل ذلك لغة التفاهم والمشاركة في إدارة الميزانية بناءً على الأولويات وتقدير الظروف العائلية وعدم الضغط على الوالدين لكون يعرف صعوبة توفير الأموال في أي وقت.
واخيراً سيتمكن الأبناء من التخطيط للمستقبل مما ينعكس على استقرار العلاقات، فمن يتقن مهارة الادخار أكثر قدرة على إدارة حياته المستقلة بنجاح، وهو ما يجنبه مستقبلاً الوقوع في دوامة الديون أو الأزمات المالية التي قد تؤثر سلباً على استقراره الأسري والاجتماعي، ولأجل كل هذه المردودات الإيجابية صار لزاماً على كل الآباء تربية أبنائهم على الادخار كأسلوب حياة.