نزع سلاح الفصائل في العراق.. المسارات الراهنة والمشاهد المتوقعة
د. احمد عدنان الميالي
2026-09-02 05:28
طرحت التطورات الأمنية والعسكرية المتصاعدة في المنطقة والمحيطة بالعراق خلال العام الحالي، وتحديدًا الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران، موضوعة وجود السلاح والفصائل المسلحة والحشد الشعبي إلى الواجهة بشكل أساسي، باعتبارها قوى ومتغيرات خارج السيطرة المباشرة للدولة، خاصة بعد التدخل الأمريكي المباشر في منصب رئيس مجلس الوزراء العراقي، وآخرها الاستهداف الأمريكي-السعودي لمقار الحشد الشعبي.
وتتزايد تعقيدات هذا الملف ليس بسبب وجود سلاح خارج إطار الدولة، بل بسبب البحث عن إجابة سؤال: من يملك القوة والنفوذ والسلاح في العراق؟
وصعوبة الإجابة تتمثل بطبيعة العلاقة المركبة والمتداخلة بين الفصائل المسلحة ومؤسسات الدولة؛ فجزء من هذه الفصائل يعمل داخل النظام السياسي، ويمتلك مقاعد نيابية ومواقع تنفيذية، وهي منضوية رسميًا ضمن هيئة الحشد الشعبي، مع احتفاظها في الوقت ذاته بعلاقات تنظيمية وعقائدية ولوجستية مع إيران. ولذلك، فإن معالجة قضية السلاح لا يمكن اختزالها في عملية تسليم أو مصادرة سلاح هذه القوى للدولة؛ لأنه سيعني نقل هذه الأسلحة من اليد اليمنى إلى اليد اليسرى، لأن امتلاك السلاح يرتبط في الحالة العراقية بشبكة واسعة تشمل امتلاكها معسكرات ومقار متموضعة في مناطق جغرافية جيوسياسية مهمة، لديها فيها مخازن ومستودعات، وتسيطر على طرق الإمداد، كما تمتلك قدرات استخبارية وحركة تمويل مستمرة.
ومن هنا، فإن الاختبار الحقيقي لمشروع حصر السلاح بيد الدولة لا يتمثل فقط في معرفة ما إذا كانت الفصائل ستسلّم كامل سلاحها أو جزءًا منه، وإنما في معرفة ما إذا كانت الدولة ستتمكن من إعادة احتكار القوة الشرعية، وإخضاع السلاح والجغرافيا ذات الاستخدام العسكري لسلطتها، ومنع إعادة بناء شبكات القدرات المسلحة خارج منظومتها.
وفي ضوء ذلك سنناقش المعطيات الآتية:
أولًا: المسارات الراهنة لنزع سلاح الفصائل
تواجه مسارات توجه الحكومة العراقية لنزع سلاح الفصائل عدة سياقات راهنة تحد من قدرتها على تنفيذ هذا الإجراء أو تؤجله، أهمها القدرات التسليحية العالية التي تمتلكها هذه القوى، فضلًا عن سيطرتها على شبكة متداخلة من المواقع الرئيسة والمساحات الجغرافية التي تؤدي وظائف مختلفة جعلت منها قوة موازية للدولة. هذا الانتشار الجغرافي يتضمن مجموعة من المناطق ذات القيمة الاستراتيجية العالية، يأتي في مقدمتها جرف الصخر بوصفها عقدة جغرافية تربط وسط العراق بجنوبه وغربه، فضلًا عن طبيعتها العسكرية والزراعية وبحيرات ذات ثروات سمكية مهمة وموقعها القريب من طرق رئيسة، كما تبرز بادية السماوة باعتبارها مساحة حدودية واسعة يمكن أن توفر عمقًا للحركة والتخزين والانتشار، إلى جانب غرب الأنبار القريب من المثلث الحدودي مع سوريا والأردن، والذي اكتسب أهمية إضافية بسبب موقعه في خطوط اتصال الحركة الإقليمية.
وفي الشمال الذي تتموضع فيه هذه الفصائل، يمثل سهل نينوى مجالًا تتقاطع فيه اعتبارات الأمن الداخلي مع الحدود السورية والتركية وإقليم كردستان، بينما تكتسب مناطق شرق ديالى والمنذرية أهمية بسبب اتصالها بالحدود الإيرانية وشبكات النقل باتجاه وسط العراق وشماله، وفي شرق البصرة والشلامجة يرتبط وجود هذه القوى بالحدود الإيرانية وبالعمق الاقتصادي والنفطي للعراق وبشبكات الحركة بين العراق وإيران.
الوجود والسيطرة العسكرية والانتشار في هذه المناطق جميعها تكشف عن طبيعة الجغرافيا التي تجعل معالجة ملف نزع السلاح منها أكثر تعقيدًا. فبدون إخراجها من هذه المعسكرات وسيطرة الدولة عليها، لا قيمة للحديث عن تسليم السلاح، كما أن وجودها وسيطرتها على هذه المواقع الحيوية يجعل من موضوعة انسحابها وتسليم سلاحها أمرًا غير وارد إطلاقًا، خاصة إذا تحدثنا عن سياقات هادئة وتفاهمات سياسية حول ذلك، وهذا ما أشار إليه رئيس الوزراء مؤخرًا بأن لا تصادم بين الدولة والفصائل.
وحتى مع تسليم جزء من السلاح، فهذا لا يعني بالضرورة انتهاء قدرتها على إعادة إنتاج القوة إذا بقيت البنية الجغرافية التي تستند إليها القدرات العسكرية للفصائل قائمة في هذه المناطق الحيوية، ناهيك عن فرضية الارتباط العقائدي واللوجستي بإيران التي تعد هذه الفصائل أحد أهم ركائز المقاومة والمواجهة في حربها الحالية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. وقد صرحت طهران على لسان قائد فيلق القدس في الحرس الثوري، إسماعيل قاآني: «إن نزع سلاح فصائل المقاومة يمثل طعنة لإيران».
ثانيًا: التداخل المؤسسي بين الحشد الشعبي والفصائل
تمثل هذه المعضلة أقوى التحديات التي تواجه قضية نزع السلاح وأكثرها تعقيدًا؛ فالمشكلة لا تكمن في وجود مؤسسة رسمية تحمل صفة قانونية، وإنما في التداخل بين الإطار المؤسسي للحشد، وبين فصائل تمتلك هياكلها التنظيمية والسياسية والعسكرية الخاصة. ونجاح مشروع نزع السلاح يتطلب الفرز والفصل بين السلاح الموجود داخل هيئة الحشد الشعبي والذي تمتلكه الفصائل فعليًا، وعملياتيًا هذا غير وارد بسبب التداخل؛ فهذا السلاح يبدو واحدًا، ولا يخضع بصورة كاملة للسلطة السياسية والعسكرية للدولة. لهذا يمثل نزع السلاح اختبارًا سياسيًا أكثر منه عسكريًا للدولة التي يبدو أنها قادرة، من حيث المبدأ، على استخدام قواتها الأمنية والعسكرية لمصادرة الأسلحة غير المرخصة، إلا أن تطبيقها عمليًا يعد مسألة معقدة بسبب تداخل القوة العسكرية مع النظام السياسي وخارجه. فالفصائل المسلحة، كما قلنا، ليست كيانات منفصلة عن النظام السياسي، بل إن جزءًا منها يمتلك تمثيلًا نيابيًا ووزنًا حكوميًا وشبكات اجتماعية واقتصادية، وبالتالي فإن المواجهة معها لا تعني مواجهة قوة عسكرية فقط، وإنما تعني أزمة سياسية داخل مؤسسات الدولة.
ثالثًا: المشاهد المتوقعة لنزع السلاح
تبرز أمامنا، في ظل هذه السياقات الراهنة، عدة مشاهد متوقعة لمشروع نزع السلاح، وكالآتي:
المشهد الأول: نزع سلاح فعلي وشامل
يستند هذا المشهد إلى حدوث تحول جوهري في موقف الفصائل، بحيث تقبل بالتخلي عن الأسلحة والقدرات العسكرية والمواقع الجغرافية التي تتمركز فيها، والاندماج الكامل في المؤسسات السياسية والأمنية للدولة. ويتطلب تحقق هذا المشهد توافر ثلاثة شروط مترابطة:
1. وجود قرار سياسي عسكري عراقي حاسم وغير قابل للتراجع أو الخضوع للضغوط الخارجية أو للفواعل الداخلية.
2. قبول إقليمي، ولا سيما من إيران، بتغيير وظيفة الفصائل المسلحة وإدماجها في مؤسسات الدولة الأخرى.
3. توفير ضمانات سياسية وقانونية للفصائل التي تتخلى عن قدراتها العسكرية وفق تشريع قانون برلماني أو اتفاق سياسي فيه أطراف ضامنة لعدم ملاحقتها أو عدم إدماجها في إطار الدولة.
وتتمثل فرضيات تأكيد هذا المشهد بأن يصبح ممكنًا، إذا توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى تفاهم إقليمي أوسع، يتضمن إعادة تعريف وظيفة القوى الحليفة لإيران في العراق، بحيث يصبح الحفاظ على النفوذ السياسي أكثر أهمية من الحفاظ على السلاح. وفي هذه الحالة قد تتحول بعض الفصائل تدريجيًا من تنظيمات عسكرية ذات استقلال عملياتي إلى قوى سياسية تعمل ضمن الدولة.
أما فرضيات نفي هذا الاحتمال، والذي يبقيه ضعيفًا، فتتمثل باستمرار البيئة الإقليمية في اعتبار العراق ساحة للصراع أو الردع المتبادل بين الأطراف المتصارعة؛ فالسلاح بالنسبة إلى أكثر الفصائل ارتباطًا بإيران لا يمثل مجرد وسيلة مواجهة أو سيطرة ونفوذ داخلي، بل يمثل جزءًا من منظومة ردع إقليمية تعتمد عليها إيران.
المشهد الثاني: نزع سلاح جزئي مع إعادة الهيكلة
يمثل هذا المشهد خيارًا وسطًا بين بقاء الوضع الحالي وبين نزع السلاح الكامل، وهو قريب من الواقع، ويتمثل بتفكيك تدريجي جزئي لبعض القدرات التسليحية، خصوصًا الأسلحة الثقيلة والصواريخ والطائرات المسيّرة، مع الإبقاء على بنية بشرية وتنظيمية قابلة للتجدد، وقادرة على إعادة بناء القوة عند تغير الظروف.
وفق هذا السيناريو، توافق بعض الفصائل على تسليم جزء من أسلحتها، أو إيقاف استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، أو إخراج الأسلحة الثقيلة من المدن، مقابل الاعتراف بدورها السياسي واستمرار وجودها داخل الأطر الرسمية. وقد يجري في المقابل دمج جزء من العناصر في المؤسسات الأمنية، وإعادة توزيع قسم آخر، وتحويل بعض الفصائل إلى أطر سياسية.
فرضية تأكيد هذا المشهد تتناسب مع طبيعة النظام السياسي العراقي؛ لأنه يسمح للحكومة بتحقيق تقدم ملموس من دون الذهاب مباشرة إلى مواجهة شاملة، كما أنه يتيح للفصائل الحفاظ على مصالحها السياسية والاجتماعية، بينما تستطيع الحكومة تقديم العملية داخليًا وخارجيًا باعتبارها تقدمًا في مشروع حصر السلاح.
أما فرضيات النفي، فتكمن في أن إعادة الهيكلة قد تتحول إلى مجرد إعادة تسمية، خصوصًا إذا بقيت القيادات ذاتها، وشبكات التمويل ذاتها، والقدرات العسكرية ذاتها، وإن تغيرت الصفة القانونية. وقد تسلّم الفصائل أسلحة قديمة أو محدودة القيمة شكليًا، بينما تحتفظ بالقدرات الأكثر حساسية، مثل الطائرات المسيّرة والصواريخ وشبكات الاتصالات والاستخبارات والمعسكرات، وتقلص من فعالياتها مؤقتًا لحين انتهاء ولاية الرئيس ترامب، خاصة فيما لو تزامنت مع التوصل إلى اتفاق أمريكي - إيراني حول إيقاف الحرب وفتح مضيق هرمز. وهذا يجعل المشهد الثاني أكثر قابلية للتحقق من النزع الكامل والشامل، لكنه لا يعني بالضرورة سيطرة الدولة فعليًا على السلاح والقوة الشرعية بشكل مطلق ومستمر.
المشهد الثالث: تمديد مهلة وتأجيل حسم نزع السلاح
يقوم هذا المشهد على استمرار التفاوض، وتعديل الجداول الزمنية، وتأجيل الإجراءات الأكثر حساسية، خصوصًا المتعلقة بالمواقع الاستراتيجية والأسلحة الثقيلة. ويمكن هذا الخيار منح جميع الأطراف مساحة للمناورة وترتيب الأوراق؛ فالحكومة تتجنب المواجهة، وتستطيع طرح آليات وفعاليات لنزع السلاح وإعادة التأهيل والإدماج، وتستفيد من الوقت لترقب حصول اتفاق أمريكي - إيراني دافع لتأكيد هذا الخيار. أما الفصائل فتحصل على الوقت الكافي لإعادة ترتيب أوضاعها، والولايات المتحدة تحصل على مؤشرات شكلية على وجود تقدم ومقدمات ضرورية لموافقة حصول ما تريده من نزع سلاح لهذه الفصائل، وتتجنب إيران فقدان ورقة محورية في المواجهة الحالية مع خصومها، بالمحافظة على ورقة الفصائل العراقية المهمة جدًا لها في سياسة الدفاع المتقدم التي تستند إليها في ردع حلفاء أعدائها.
فرضيات تأكيد هذا المشهد تزداد إذا بقيت المفاوضات الأمريكية - الإيرانية غير محسومة، وإذا استمرت الحكومة في مواجهة مشكلة داخلية تتمثل في أن القوى التي يفترض أن تنفذ إجراءات نزع السلاح مرتبطة سياسيًا ببعض الأطراف التي ينبغي إخضاعها.
أما فرضيات نفي هذا الخيار، فيصبح التمديد غير ممكن إذا اعتبرت الولايات المتحدة أن الإجراءات العراقية لا تتجاوز إدارة الأزمة، أو إذا تعرض العراق لهجمات جديدة من الأراضي العراقية ضد دول إقليمية، ما يدفع إلى إعادة استهداف مباشر أمريكي أو خليجي للفصائل والحشد الشعبي، خاصة مع حصول التحالف الثلاثي الجديد الذي وقع بين السعودية وتركيا وباكستان.
والأرجح في هذا الاحتمال هو تحول التمديد والتأجيل من إجراء مؤقت إلى نسق دائم ومتكرر، بحيث يجري كل عدة أشهر إعلان موعد جديد، بينما يبقى الهيكل الأساسي للسلاح قائمًا، ويتعرض العراق لضغوطات وتحديات مباشرة. وهذا حقيقة أخطر السيناريوهات المتوقعة من زاوية بناء الدولة؛ لأنه قد يحافظ على الوضع القائم تحت غطاء عملية إصلاحية مستمرة، لكنه سيعرضها للعقوبات والاستهدافات والإحراج المستمر، ما يظهرها بمظهر العاجز.
المشهد الرابع: مواجهة محدودة بين الدولة والفصائل
لا يعني هذا الاحتمال بالضرورة اندلاع حرب أهلية أو مواجهات واسعة، فقد تبدأ المواجهة من خلال عمليات محدودة ضد مواقع ثانوية، أو اعتقال أفراد، أو مصادرة مخازن، أو فرض السيطرة على بعض المنشآت والمواقع. فرضيات التأكيد لهذا الاحتمال ناشئة من فشل المفاوضات بين الطرفين، وتصبح الدولة بحاجة إلى إثبات أن قراراتها ليست سياسية فقط، وإنما قابلة للتنفيذ، ما يضطرها للمواجهة. وهنا قد تختار الدولة مواقع وأهدافًا محددة لا تمثل أعلى مستويات المواجهة، بهدف اختبار رد فعل الفصائل وبناء تدريجي للقدرة على فرض القانون، تتمثل بمداهمات واعتقالات ومحاصرة مقار غير فاعلة أو إخلائها مسبقًا قبل المواجهة. وهذا النسق الذي قد يكون فيه نطاق المواجهة المحدودة المتفق عليها بين الطرفين بشكل غير مباشر، أحد الاحتمالات الواردة.
أما فرضيات النفي لهذا الاحتمال، فالمواجهة، وإن كانت محدودة، ستبقى عالية الكلفة للطرفين؛ لأنها قد تجر إلى مواجهة شاملة وتمتد وتتوسع. كما أن الفصائل لا تملك السلاح فقط، بل تمتلك معرفة بالأرض وشبكات حركة وامتدادًا سياسيًا واسعًا، والدولة في وضع اقتصادي مأزوم، وكثير من أبناء القوات المسلحة العراقية لها امتدادات اجتماعية وأسرية مع أفراد الفصائل ضمن نطاق المكوّن الشيعي، ما يعقد مشهد المواجهة فعليًا بشكل كبير.
مع ذلك، وارد جدًا أن تنفذ الدولة عمليات محدودة، ثم تتوقف عند أول احتكاك جدي، لتعود بعدها إلى التفاوض، وفي هذه الحالة تصبح العمليات الأمنية وسيلة ضغط تفاوضية وليست مشروعًا متكاملًا لنزع السلاح.
المشهد الخامس: مواجهة شاملة وإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والفصائل
يمثل هذا المشهد الخيار الأكثر خطورة، ويقوم على انتقال الحكومة من العمليات المحدودة إلى محاولة السيطرة بالقوة على المراكز الرئيسة وإعادة تفكيك البنية العسكرية للفصائل.
فرضيات التأكيد تصبح مرجحة له، إذا توافرت حماية سياسية ودعم استخباري وعسكري واضح للدولة، مع وجود قرار إقليمي يسمح بالمواجهة، أو إذا ارتكبت الفصائل أعمالًا عسكرية واسعة تجعل استمرار وضعها غير مقبول.
أما فرضيات النفي، فترتكز على ارتفاع كلفة المواجهة الداخلية، التي قد تؤدي إلى تعطيل مؤسسات الدولة وإرباك الاقتصاد أكثر فأكثر، وتهديد الأمن الداخلي، وفتح المجال أمام تدخلات إقليمية تعصف بالدولة والمجتمع.
وهنا قد يحصل هذا السيناريو رغم فرضيات النفي، خاصة إذا بدأ التصعيد والاحتكاك، وقد يدفع هذا المشهد إلى السماح لقوة خارجية بالتدخل ونزع سلاح الفصائل بشكل واسع، أو استمرار القصف ضد مواقعها وقياداتها بقبول الدولة أو سكوتها، وهذا السيناريو صرّح به رئيس الوزراء قبل مدة.
في ضوء هذه المشاهد
واستنادًا إلى طبيعة النظام السياسي العراقي، وتداخل الفصائل مع مؤسسات الدولة، وارتباط الملف العراقي بالتوازن الأمريكي - الإيراني، فإن الاحتمال الأكثر ترجيحًا لا يتمثل في نزع السلاح الكامل والسريع، ولا في حرب شاملة بين الدولة والفصائل، بل من المتوقع اتباع مسار مركب من المشاهد والاحتمالات المذكورة، يجمع بين التفاوض والضغط الأمني التدريجي وإعادة الهيكلة الجزئية، مع استمرار المراوحة في القضايا الأكثر حساسية، من خلال اتخاذ إجراءات ضد المواقع الثانوية والأسلحة والمخازن التي يمكن التعامل معها بأقل قدر من المخاطر، ثم يتبعها تفاوض مع الفصائل الأكثر استعدادًا للاندماج في الدولة، مقابل ضمانات سياسية وأمنية.
ومع عزل وتحييد الفصائل الرافضة لنزع سلاحها، سياسيًا وأمنيًا، بدلًا من مهاجمتها بشكل مباشر، تبدأ عملية محاولة السيطرة التدريجية على بعض المواقع ذات القيمة الاستراتيجية العالية، عندما تصبح الظروف السياسية والأمنية أكثر ملاءمة. أما وضع الحشد الشعبي، فسيصبح خاضعًا بصورة أوضح لسلسلة القيادة العسكرية للدولة، وليس مجرد مظلة قانونية لمجموعات عسكرية متعددة الولاءات.
إذًا، المشهد الأكثر ترجيحًا خلال المرحلة المقبلة هو نزع سلاح جزئي وتدريجي، ترافقه تسويات سياسية وضغوط أمنية وعمليات محدودة، مع تمديد أو إعادة المهل الزمنية لتسليم السلاح. ومن غير المرجح، في المدى القريب، الوصول إلى نزع شامل وسريع لكل الفصائل، كما أن الحرب المفتوحة بين الدولة والفصائل تبدو أقل ترجيحًا بسبب كلفتها السياسية والأمنية.
في النهاية، إذا تمكنت الدولة من تحقيق هذه المراحل، فإن ذلك سيكون مؤشرًا على تحول نوعي في ميزان القوة. أما إذا دخلت القوات الحكومية إلى موقع ما ثم انسحبت، أو جرى نقل الأسلحة قبل وصولها، أو بقيت البنية البشرية والتنظيمية للفصائل قائمة، فإن العملية ستكون أقرب إلى إعادة توزيع للمواقع وموازين القوى منها إلى نزع للسلاح. أما في حال فشلها في تحقق كل السيناريوهات المطروحة وبقاء الوضع كما هو، فإن فرضية تدخل العامل الخارجي لإنجاز المهمة تبقى قائمة، ولهذا المشهد تداعيات معقدة.
حقيقةً، ومع كل ما طُرح من مسارات ومشاهد متوقعة وفرضيات التأكيد والنفي، فإن نجاح الحكومة العراقية في هذا الملف لا يُقاس بعدد الأسلحة التي تنزعها، أو عدد الفصائل التي تقبل بتسليم سلاحها، وإنما بمدى انتقال الدولة من نموذج متعدد لمراكز القوة إلى نموذج سيطرة الدولة على كل هذه المراكز. فمشروع نزع سلاح الفصائل في العراق ليس مشروعًا حول السلاح، بقدر ما هو مشروع حول من يمتلك القوة الشرعية والقرار السيادي، ومن يمسك الأرض؟