العراق: مجتمع بثلاث طبقات صنعها الريع
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-08-13 02:26
لا يمكن فهم المجتمع العراقي الراهن من خلال التقسيم الطبقي التقليدي وحده، لأن الاقتصاد العراقي نفسه لم يعد اقتصادًا طبيعيًا تتشكل طبقاته أساسًا من مواقع الناس في عملية الإنتاج، بقدر ما أصبح اقتصادًا ريعيًا تتحدد فيه المواقع الاجتماعية بدرجة كبيرة من خلال العلاقة بالدولة والمال العام. ولهذا فإن الريع النفطي لم يؤثر في مالية الدولة وسياساتها الاقتصادية فحسب، وإنما أسهم، على مدى عقود وبصورة أكثر وضوحًا بعد عام 2003، في إعادة تشكيل المجتمع العراقي نفسه.
وإذا تجاوزنا التفاصيل والتداخلات الطبيعية بين الفئات الاجتماعية، يمكن القول إن المجتمع العراقي يكاد ينقسم اليوم إلى ثلاث كتل اجتماعية كبرى: طبقة الموظفين الحكوميين، مع استثناء الدرجات الخاصة والعليا ذات الامتيازات الكبيرة؛ وطبقة واسعة من الفقراء والمحرومين والفئات الهشة؛ وطبقة من الأغنياء الطفيليين الذين لم تتكون ثرواتهم، في قسم مهم منهم، من عملية إنتاج حقيقية، وإنما من منظومة الريع والفساد والنفوذ السياسي والاتصال بالدولة.
وهذا التقسيم ليس جامدًا بطبيعة الحال، ولا يعني عدم وجود رجال أعمال منتجين، أو صناعيين ومزارعين وتجار وأصحاب مشروعات صغيرة ومتوسطة ومهنيين مستقلين. فهذه الفئات موجودة، وبعضها يؤدي أدوارًا اقتصادية واجتماعية مهمة، لكن المشكلة أن الاقتصاد العراقي لم يسمح لها حتى الآن بأن تصبح القوة المركزية التي يتشكل حولها المجتمع والطبقة الوسطى، كما حدث في المجتمعات التي انتقلت من الاقتصاد الريعي أو الزراعي التقليدي إلى الاقتصاد الصناعي والإنتاجي الحديث.
في الحالة الطبيعية، تتكون الطبقة الوسطى من المعلمين وأساتذة الجامعات والأطباء والمهندسين والموظفين والإداريين وأصحاب المهن والحرف والمشروعات الصغيرة والمتوسطة. وهي لا تستمد قوتها من مستوى دخلها فقط، وإنما من التعليم والمهنة والاستقلال النسبي عن السلطة، ومن ارتباط موقعها الاجتماعي بالعمل والمعرفة والإنتاج. ولهذا لعبت الطبقة الوسطى تاريخيًا دورًا أساسيًا في بناء الدولة الحديثة وفي نشر قيم المواطنة والحرية وسيادة القانون وتكافؤ الفرص.
أما في العراق، فقد حدث شيء مختلف. أصبح قسم كبير من الطبقة الوسطى مرتبطًا اقتصاديًا بالدولة، لأن الوظيفة الحكومية تحولت إلى المصدر الأكثر ضمانًا للدخل والأمن الاجتماعي. فالمدرس والموظف والمهندس والطبيب والأستاذ الجامعي وغيرهم قد ينتمون ثقافيًا وتعليميًا إلى الطبقة الوسطى، لكن نسبة كبيرة منهم تتلقى دخلها مباشرة من الخزانة العامة.
وبذلك نشأت طبقة وسطى ذات مفارقة واضحة: فهي تمتلك كثيرًا من الخصائص التعليمية والمهنية للطبقة الوسطى، لكنها لا تمتلك بالقدر نفسه استقلالها الاقتصادي عن الدولة.
وهذه ليست مسألة بسيطة، لأن الاستقلال الاقتصادي أحد الشروط التي تساعد الطبقة الوسطى على أداء وظيفتها التاريخية. فالطبقة التي يعتمد أمنها المعيشي بدرجة كبيرة على الدولة تصبح شديدة الحساسية تجاه أزمات الدولة المالية، وتصبح الوظيفة الحكومية بالنسبة إليها أكثر من مجرد عمل؛ إنها شبكة أمان اجتماعي تحول دون السقوط إلى الفقر والهشاشة.
وعلى الجانب الآخر توجد كتلة اجتماعية واسعة من الفقراء والمحرومين والعاملين في الاقتصاد غير المنظم والعاطلين وصغار الكسبة وأصحاب الدخول المتذبذبة. وهذه الفئات لا تعاني الفقر بمعناه النقدي فقط، وإنما تعاني أيضًا غياب الأمن الاقتصادي: وظيفة غير مستقرة، دخل غير مضمون، حماية اجتماعية محدودة، وفرص ضعيفة للانتقال الاجتماعي إلى الأعلى.
وبين موظف الدولة الذي يبحث عن الأمان في الراتب الحكومي، والفقير الذي يبحث عن مورد ثابت للحياة، تظهر الطبقة الثالثة التي تمثل واحدة من أخطر النتائج الاجتماعية للاقتصاد السياسي الذي تشكل بعد عام 2003: طبقة الثراء الريعي الطفيلي.
وهنا ينبغي أن يكون التمييز واضحًا. ليس الغنى جريمة، وليس كل غني طفيليًا، وليس كل من كوّن ثروة بعد عام 2003 فاسدًا. المجتمع الحديث يحتاج إلى المستثمر ورجل الأعمال والصناعي والمزارع والتاجر والمبتكر، ويحتاج إلى تراكم رأس المال المنتج، لأن الثروة الناتجة عن الإنتاج تضيف قيمة إلى المجتمع وتخلق فرص العمل وتوسع الاقتصاد. لكن هناك فرقًا جوهريًا بين الرأسمالي المنتج والثري الطفيلي.
الأول يراكم ثروته من خلال إنتاج قيمة جديدة: ينشئ مصنعًا، أو يطور مشروعًا، أو يقدم خدمة، أو يستثمر في الزراعة أو التكنولوجيا أو التجارة الحقيقية، ويوظف العمال، ويتحمل المخاطر، ويسهم في زيادة الناتج الوطني. أما الثاني فيراكم الثروة أساسًا من خلال الاقتراب من المال العام ومراكز القرار: عقد مشوه، عمولة، امتياز احتكاري، فساد إداري، مضاربة مرتبطة بالنفوذ، استحواذ على موارد عامة، أو شبكة مصالح سياسية واقتصادية تسمح بتحويل جزء من ريع الدولة إلى ثروة خاصة. والفرق بين الاثنين هو، في جوهره، الفرق بين إنتاج القيمة والاستحواذ على القيمة.
وهذه النقطة بالذات تكشف الطبيعة الحضارية للمشكلة. فمن منظور القانون الحضاري القائم على تعظيم القيمة وتقليل الهدر، ليست المشكلة أن يكون في المجتمع أغنياء، وإنما أن تصبح إحدى الطرق الرئيسية إلى الثراء هي الاستحواذ على قيمة لم ينتجها صاحبها. عندئذ لا يعود الفساد مجرد سرقة للمال العام، وإنما يتحول إلى آلية لإعادة توزيع الثروة والمكانة والنفوذ داخل المجتمع.
وفي الاقتصاد المنتج تكون الحركة الطبيعية للثروة هي: عمل وإنتاج، ثم دخل، ثم تراكم، ثم ثروة. أما في الاقتصاد السياسي المشوه، فتظهر حركة معاكسة: سلطة ونفوذ، ثم وصول إلى الريع، ثم ثروة، ثم استخدام الثروة للحصول على مزيد من النفوذ والسلطة. وهنا تنغلق الدائرة .فالسلطة تنتج الثروة، والثروة تعيد إنتاج السلطة.
وعندما تستقر هذه الحلقة لا نكون أمام فساد أفراد فحسب، وإنما أمام بنية اجتماعية واقتصادية وسياسية متكاملة. وهنا يمكن فهم العلاقة بين الاقتصاد الريعي وبين الأوليغاركية الانتخابية التي تشكلت في العراق؛ لأن الأوليغاركية السياسية تحتاج إلى قاعدة اقتصادية، كما أن الثروة الريعية الطفيلية تحتاج إلى حماية سياسية. وهكذا تنشأ علاقة تبادلية بين المال والنفوذ، يصبح فيها كل واحد منهما منتجًا للآخر وحاميًا له.
لهذا فإن أخطر ما فعله الريع في العراق ليس فقط أنه جعل الموازنة العامة تعتمد على النفط، وإنما أنه أعاد تشكيل العلاقة بين المواطن والدولة. الموظف ينظر إلى الدولة بوصفها مصدر الراتب، والفقير ينتظر منها الإعانة أو فرصة العمل، وصاحب النفوذ يسعى إليها بوصفها مصدر العقود والامتيازات والثروة.
وفي الحالات الثلاث تصبح الدولة مركز توزيع الريع بدل أن تكون الإطار السياسي والقانوني لتنظيم مجتمع منتج.
وهنا تظهر أزمة الطبقة الوسطى العراقية بصورة أعمق من مجرد انخفاض الدخل أو ما يمكن تسميته «فقر الطبقة الوسطى». صحيح أن الطبقة الوسطى يمكن أن تعاني فقر الوعي والمشروع والقيم العامة، لكن المشكلة العراقية تبدأ قبل ذلك أيضًا: من ضعف استقلالها الاقتصادي ومن عدم اكتمال تشكلها بوصفها طبقة واسعة قائمة على اقتصاد منتج.
فلا يكفي أن يكون لدينا ملايين الموظفين لكي نقول إن لدينا طبقة وسطى قوية. الطبقة الوسطى القادرة على حمل مشروع الدولة الحديثة تحتاج إلى فضاء اقتصادي واجتماعي يسمح للإنسان بأن يعيش من علمه ومهنته وإنتاجه ومبادرته، لا أن يبقى مستقبله الاقتصادي كله تقريبًا معلقًا بقدرة الخزانة العامة على دفع الرواتب.
وهذا ما يجعل أي معالجة للأزمة المالية تقوم على تخفيض رواتب الموظفين أو إضعاف قدرتهم الشرائية معالجة شديدة الخطورة اجتماعيًا؛ لأنها لا تضغط على بند مالي في الموازنة فقط، وإنما تضغط على واحدة من أهم الكتل الاجتماعية التي ما تزال تحول دون اتساع دائرة الفقر والهشاشة. فالراتب الذي يتقاضاه الموظف لا يعيش منه فرد واحد في الغالب، وإنما تتحرك من خلاله شبكة عائلية واجتماعية واستهلاكية واسعة.
لكن الدفاع عن الموظفين لا يعني تكريس الاقتصاد الريعي إلى الأبد. المطلوب ليس توسيع الجهاز الحكومي بلا نهاية، وإنما بناء اقتصاد يستطيع تدريجيًا أن يخلق طبقة وسطى خارج الوظيفة الحكومية أيضًا: مهندس يعمل في شركة منتجة، وباحث يعمل في مؤسسة علمية، وصناعي يوسع مصنعه، ومزارع يستخدم التكنولوجيا، ومبرمج يؤسس شركة، وطبيب يعمل في نظام صحي متطور، وصاحب مشروع صغير يستطيع أن يتحول إلى مشروع متوسط ثم كبير. عندئذ فقط يبدأ المجتمع بالانتقال من طبقات يصنعها الريع إلى طبقات يصنعها الإنتاج.
وهذا هو التحول الذي يحتاجه العراق. فالمشكلة العراقية ليست نقص الأموال في بلد يمتلك موارد هائلة بقدر ما هي سوء الطريقة التي تتحول بها الموارد إلى قيمة اجتماعية واقتصادية. لقد أنتج الريع دولة ضخمة، وجهازًا حكوميًا واسعًا، وشبكات مصالح، وثروات خاصة هائلة، لكنه لم ينتج بالقدر نفسه اقتصادًا متنوعًا قادرًا على خلق فرص العمل والثروة المستقلة عن الخزانة العامة.
ولهذا فإن إصلاح الاقتصاد العراقي ليس مسألة مالية أو فنية فقط. إنه مشروع لإعادة بناء المجتمع نفسه.
المطلوب أن تصبح الطريق الطبيعية إلى الصعود الاجتماعي هي التعليم والكفاءة والعمل والإنتاج والمبادرة، لا الوظيفة التي تمنحها الدولة، ولا العلاقة التي تفتح باب العقد الحكومي، ولا النفوذ الذي يسمح بالوصول إلى المال العام.
وعندما يصبح المنتج قادرًا على أن يصبح غنيًا، والمهني قادرًا على أن يعيش بكرامة، والشاب قادرًا على بناء مستقبله خارج انتظار التعيين الحكومي، والفقير قادرًا على الانتقال إلى الطبقة الوسطى من خلال العمل والتعليم، تبدأ البنية الطبقية الطبيعية بالتشكل من جديد. وعندها فقط يمكن كسر الحلقة التي صنعت المجتمع الريعي الراهن: طبقة وسطى مرتبطة بالدولة، وطبقة واسعة من الفقراء والهشين، وطبقة ثراء طفيلي تستمد جانبًا من قوتها من الاقتراب من الريع والنفوذ.
إن مستقبل العراق الاقتصادي لا يقاس فقط بحجم الناتج أو سعر النفط أو مقدار الإيرادات العامة. المعيار الأعمق هو: كيف يصنع العراقي ثروته؟ إذا كانت الثروة تصنعها المعرفة والعمل والإنتاج، فنحن نبني مجتمعًا سليمًا. أما إذا كان النفوذ يصنع الثروة، والثروة تشتري النفوذ، بينما يبقى ملايين الناس بين راتب الدولة وحافة الفقر، فإن المشكلة لم تعد مجرد اقتصاد ريعي. إنها تصبح مجتمعًا صنع الريع طبقاته، وصنعت طبقاته نظامه السياسي، ثم أعاد النظام السياسي إنتاج الريع والطبقات معًا. وكسر هذه الدائرة هو أحد الشروط الأساسية لبناء الدولة الحضارية الحديثة.