كيف نستعد لحروب الغد

بروجيكت سنديكيت

2026-02-28 04:27

واشنطن العاصمة ــ نحن نعيش لحظة حاسمة بالنسبة للأمن العالمي. فالقواعد والافتراضات والأنظمة التي دعمت الاستقرار العالمي النسبي منذ نهاية الحرب الباردة تصل الآن إلى نقطة انقلاب. وسوف تشكل القرارات التي تتخذها الديمقراطيات في العالم خلال هذا العقد المشهد الأمني الدولي لأجيال قادمة، وسوف تحدد ما إذا كان المستقبل ليتسم بقدر أكبر من المرونة الديمقراطية أو بمزيد من التجاوز الاستبدادي.

تدفع هذا الانقلاب ثلاثة تحولات. فبادئ ذي بدء، انتقل العالم من التنافس السلبي إلى المواجهة النشطة. كان في غزو روسيا الشامل لأوكرانيا، الذي أعاد الحرب إلى القارة الأوروبية، وتنسيقها مع أنظمة استبدادية الأخرى، تحديا لافتراضات قديمة حول الردع والاستقرار. وتستخدم الصين القهر العسكري، والضغط الاقتصادي، والعمليات السيبرانية لإعادة تشكيل منطقة الهادي الهندي. في الوقت ذاته، واجهت العلاقات بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها التقليديين اضطرابات، الأمر الذي دفع كثيرا من هؤلاء الحلفاء إلى زيادة إنفاقهم الدفاعي، وبعضهم إلى إعادة النظر في افتراضات قائمة منذ أمد بعيد.

من ناحية أخرى، بدأ الذكاء الاصطناعي يحول الاقتصادات، والمجتمعات، والأمن القومي، واعدا بجلب مزايا اقتصادية واستراتيجية حاسمة إلى البلدان التي تطبقها بأكبر قدر من الفعالية. وأصبحت الحرب تركز على نحو متزايد على البيانات وتحددها سرعة ودقة ومرونة الأنظمة الشبكية. وأصبح الآن التكيف، أكثر من القوة الغاشمة، هو الذ يوفر للقوى الفاعلة أعظم ميزة استراتيجية.

بدلا من التمسك بالأنظمة والرؤى العتيقة للعالم على حساب قدرتها على تشكيل المشهد الأمني، يتعين على الدول أن تدرك هذه التغيرات ــ وتستعد لها وفقا لذلك. ما يدعو إلى التفاؤل أن الديمقراطيات في أوروبا وآسيا بدأت مؤخرا تفعل هذا على وجه التحديد. على مدار السنوات القليلة الأخيرة، نبذت هذه الدول على نحو متزايد حالة الرضا عن الذات التي عززتها مكاسب السلام بعد الحرب الباردة، وعملت على تحديث استراتيجياتها الأمنية، وزيادة ميزانياتها الدفاعية.

بعد اعترافها في عام 2022 بأنها وصلت إلى Zeitenwende ("نقطة تحول")، أنشأت ألمانيا صندوقا دفاعيا خاصا بقيمة 100 مليار يورو (118 مليار دولار). وبحلول عام 2024، بلغ إنفاقها العسكري 88.5 مليار دولار، لتصبح ألمانيا أكبر دولة من حيث الإنفاق الدفاعي في أوروبا الوسطى والغربية لأول مرة منذ إعادة التوحيد، والرابعة على مستوى العالم. من جانبها، تعمل بولندا على بناء واحدة من أكبر القوات البرية وأكثرها حداثة في أوروبا، وتخطط لزيادة الإنفاق الدفاعي إلى 4.7% من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام.

خارج أوروبا، تعهدت اليابان بمضاعفة إنفاقها الدفاعي هذا العام واكتساب قدرات توجيه الضربات المضادة، وهو ما كان لـيُعَد حتى وقت قريب نسبيا سلوكا غير متصور سياسيا. وتعمل أستراليا على إعادة هيكلة وضعها الدفاعي بما يسمح لها بالتركيز على قدرات الضربات البعيدة المدى، والعمليات تحت الماء، والتعاون الصناعي المتقدم مع شركائها الاستراتيجيين في الاتفاقية الأمنية الثلاثية AUKUS (المملكة المتحدة والولايات المتحدة).

تعكس هذه المبادرات والاستثمارات فهما لضرورة بناء الردع وصيانته، وأن القوة العسكرية الجديرة بالثقة شرط أساسي للاستقرار والحرية. ولكن ليس كل الإنفاق الدفاعي متساو، وفي كثير من الأحيان، كان هذا الإنفاق يستخدم لدعم التصنيع المحلي والتوظيف بدرجة أكبر من تعزيز القدرات العسكرية.

على سبيل المثال، نجد أن خططا من جانب بلجيكا وهولندا لتحويل مصانع السيارات المغلقة إلى منشآت إنتاج عسكرية تعطي الأولوية للعمالة على حساب الأهمية التشغيلية. على نحو مماثل، يبدو أن ترويج شركات فرنسية وإيطالية لاستثماراتها في بناء السفن الحربية يركز على خلق فرص العمل والمزايا الصناعية بقدر تركيزها على تحسين الفعالية القتالية.

ما يثير القلق بذات القدر أن الحكومات الأوروبية سعت إلى إعادة تصنيف الاستثمار في بنية حلف شمال الأطلسي الأساسية بل وحتى الطاقة المتجددة على أنها نفقات دفاعية، بحجة أن التقدم في هذه المجالات يعزز المرونة والقدرة على الصمود. ولكن في وقت حيث تعمل القوى الاستبدادية على تحديث قواتها العسكرية وتظهر استعدادا متزايدا لإكراه وترهيب وتهديد آخرين، يجب أن تخدم ميزانيات الدفاع غرضا واحدا: بناء الجيوش الأكثر فتكا، وقوة، وقدرة وِسع الإمكان.

مثل هذه القوات العسكرية من غير الممكن أن تكون مقيدة بأنظمة، ونهج، وهياكل قوى تنتمي إلى القرن العشرين، بما في ذلك المنصات الضخمة التي تتسم بدورات شراء بطيئة ومفاهيم الكتلة من زمن العصر الصناعي. وتماما كما يتعين على الشركات الراسخة التي تواجه تحديات من جانب شركات بادئة مبدعة أن تتكيف أو تموت، يجب على القوات العسكرية أن تجدد نفسها على نحو مستمر للحفاظ على تفوقها النوعي في عصر المنافسة التكنولوجية الشديدة.

هذا لا يعني نبذ القديم ــ فلا تزال الأنظمة القديمة تضطلع بأدوار مهمة ــ بل ضرورة تعزيز الجديد بسرعة. وهذا يعني احتضان طرق جديدة للعمل والاستثمار في التكنولوجيات المتطورة، من أجل تطوير وتحسين الأسلحة والقدرات المتقدمة التي يمكنها كسب حروب المستقبل. إن إهدار الوقت ليس اختيارا واردا: ففي عصر يتسم بالسرعة، والتكيف، والإبداع، لا يتمثل الخطر الأكبر في الأساليب الجديدة الـمُربِكة، بل في التأخير.

في مختلف أنحاء العالم الديمقراطي، تدرك الحكومات أنها يجب أن تستعد لعصر جديد يتسم بالمخاطر الأمنية المتصاعدة. في هذه اللحظة النادرة من التوافق السياسي، والوضوح الاستراتيجي، والغرض المشترك، تسنح للولايات المتحدة وحلفائها فرصة حاسمة لإرساء الأساس لعالم أكثر أمانا واستقرارا ــ وهو المسعى الذي سيستفيد من مزيد من الوحدة. إذا أهدروا هذه الفرصة، فسوف يخسرون الأرض بسرعة أمام خصومهم الذين يستعدون لحروب الغد.

* بقلم: جيمس رايسيف، مدير قسم الدفاع في مشروع الدراسات التنافسية الخاصة.

https://www.project-syndicate.org/

ذات صلة

ما هو دور الأئمة (ع) في الحياة: تأسيس حكومة أو بناء الإنسان؟خديجة الكبرى: الشهيدة البيضاء والدرع الذي حَمى فجر الإسلامالسلة الرمضانية: رسالة إنسانية تتجاوز الجوعالدولة العراقية.. مسار الاستمرارية وإدراك المعادلة الاقليمية‏خور عبد الله.. السيادة المعلقة