حدود تدخل الدولة في حياة المواطن بين التنظيم المشروع والكبت الإداري

وفق رؤية الإمام السيد محمد الشيرازي

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

2026-05-30 03:24

الإدارة العامة التي تنص على تنظيم الحياة وترتيب شؤون المواطنين؛ هي الدولة، فالدولة هي الحدود الإدارية والطبيعية التي يخضع الفرد من مواطنيها إلى سلطتها؛ فيلتزم بقوانينها ويؤدي واجباتها ويدافع عنها؛ بالمقابل تحفظ هذه الدولة حقوقه وتوفر له مستلزمات العيش الكريم بوساطة الحكومة المنتخبة التي تأخذ على عاتقها تنفيذ الأحكام والأطر التنفيذية، وكثيراً ما يخلط الناس بين الدولة والحكومة، فالدولة هي السيادة العامة للبلد؛ والحكومة هي الأداة التنفيذية للدولة، فالدولة ثابتة والحكومات تتغير، وهذا الخلط جعل غير أهل التخصص والمعرفة يعمم الفجوة بين الحكومة والشعب لتشمل الدولة، في حين أن المعضلة بين الشعب والحكومة.

تعد معضلة العلاقة بين السلطة الحاكمة والحرية الفردية واحدة من أعقد الإشكاليات التي واجهت الفلسفة السياسية والفقه القانوني عبر التاريخ. وفي الوقت الذي اتجهت فيه الدولة الحديثة نحو تضخيم جهازها الإداري والتدخل في أدق تفاصيل حياة الأفراد تحت شعارات التخطيط والتنظيم، قدم الفقه الإسلامي المعاصر أطروحات موازنة تسعى لضبط حركة السلطة، فيبرز في هذا الصدد آية الله العظمى الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي (1928-2001م) كأحد أهم فقهاء المرجعية الشيعية الذين أفردوا مساحة استثنائية للفقه السياسي (عبر موسوعته الفقهية الضخمة)؛ لذا تنطلق رؤية السيد الشيرازي السياسية من جذر أصيل يرفض استبداد الدولة وتمددها البيروقراطي، واضعاً حداً فاصلاً وحاسماً بين (التنظيم المشروع) الذي يخدم الأمة، وبين (الكبت الإداري) الذي يخنق حرياتها الفطرية والاقتصادية.

وفق رؤية الإمام الشيرازي نجد مديات المشروعية وحدود الكبت في ما يأتي:

أولاً: الفلسفة الجوهرية للدولة عند السيد الشيرازي (أصالة الحرية)

يقيم السيد الشيرازي نظريته السياسية على قاعدة فقهية كلامية صلبة وهي (أصالة البراءة والحرية) لكل إنسان، فالأصل في الرؤية الإسلامية هو عدم ثبوت الولاية لأي بشر على بشر آخر إلا بجعلٍ وتعيين إلهي محدد الضوابط، بناءً على ذلك؛ فإن وظيفة الدولة في الإسلام ليست (الوصاية المطلقة) كما أطلق عليها السيد الشيرازي على المجتمع، بل هي وسيلة و(جهاز خدمي حارس) وظيفته تسهيل حياة الناس وحمايتها(1).

ويستدل السيد الشيرازي بالآية القرآنية المحورية في فكره السيادي والتشريعي: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ (الأعراف: 157)، إذ يرى أن كل قانون وضعي أو تدبير إداري يؤدي إلى تضييق حياة الناس وتحجيم طاقاتهم دون مصلحة شرعية قطعية، يُعد من (الأغلال) و(الآصار) التي جاء الإسلام لرفعها، وبالتالي يفقد مشروعيته(2).

ثانياً: التنظيم المشروع ومقاصد التدخل الحتمي

لا يدعو السيد الشيرازي إلى الفوضى أو الدولة الهامشية الضعيفة (كالمفهوم الليبرالي الكلاسيكي)، بل يقر بوجود مساحة لـ (التنظيم المشروع)، لكنه يضعه في أضيق الحدود الإدارية ويهدف منه تحقيق أربعة مقاصد أساسية:

1- إقامة العدل ودفع الظلم: التدخل لرفع الجور وحماية الفئات المستضعفة من التغول الاقتصادي أو الاجتماعي(3).

2- حفظ الأمن والدفاع الخارجي: حماية بيضة الإسلام وحدود الدولة من الاعتداءات(4).

3- توفير البنية التحتية والخدمات العامة: إدارة المرافق التي يعجز الأفراد منفردين عن النهوض بها (كالطرق الكبرى، الصحة العامة، والمشاريع الاستراتيجية)(5).

4- تطبيق الأحكام الشرعية الثابتة: دون زيادة أو ابتداع في آليات إدارية تعسفية.

ويشترط الشيرازي أن ينبثق هذا التنظيم من مبدأ (شورى الفقهاء المراجع) ومشاركة الأمة، لضمان عدم انفراد الحاكم بصياغة أنظمة تخدم بقاء سلطته على حساب حريات الناس.

ثالثاً: الكبت الإداري ومظاهر تغول الدولة

في المقابل، يشن الشيرازي هجوماً فقهياً لاذعاً على ما يصفه بـ (البيروقراطية والكبت الإداري)، مبيناً أن الدولة الحديثة (سواء كانت دكتاتورية أو حتى الديمقراطيات الغربية في بعض جوانبها) قد تجاوزت حدودها المشروعة وصادرت حقوق الأفراد بذريعة (التنظيم والتراخيص).

أبرز مظاهر هذا الكبت في فكره تتمثل في:

1- منع السفر والإقامة (إلغاء الحدود): يرى الشيرازي أن (الأرض لله والعباد عباده)، وأن فرض (تأشيرات السفر) و(جوازات الحدود) بين بلاد المسلمين، وتقييد حركة الإنسان في التجارة أو الهجرة، هو كبت إداري محرم وغير مشروع يصادم النص القرآني(6).

2- سيل القوانين الوضعية المقيدة للرزق: ينتقد بشدة اشتراط الدولة الحصول على (رخص إدارية معقدة) لفتح دكان، أو ممارسة مهنة، أو البناء. فالأصل الفقهي عنده هو: "الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم"، ولا يحق للدولة مصادرة هذا الحق إلا إذا تسبب الفعل بضرر مباشر صريح للآخرين(7).

3- الضرائب والمكوس التعسفية: يعد السيد الشيرازي النظام المالي للإسلام محدد بـ(الخمس، الزكاة، الجزية، الخراج). أما الضرائب الحديثة التي تفرضها الدول على المبيعات، والرواتب، والعقارات بشكل تصاعدي وخانق، فهي بنظره نوع من الجباية غير المشروعة (المكوس) التي تضعف القدرة الاقتصادية للمواطن(8).

رابعاً: معالم العلاقة المتوازنة (الحلول الشيرازية)

للوصول إلى نقطة الاتزان ومنع تمدد الدولة نحو الكبت الإداري، وضع السيد الشيرازي مرتكزات عملية لإعادة هيكلة السلطة:

[ أصالة الحرية الفردية ] <───> ( تقليص البيروقراطية ) <───> [ لجان التحكيم والأمة ]

     │               │               │

     │               │               │

     ▼               ▼               ▼

( أضيق حدود التنظيم ) <───> [ حفظ الأمن والعدالة ] <───> [ الشورى والتعددية ]


* اللامركزية الإدارية الواسعة: تفكيك أجهزة الدولة المركزية وتحويل الصلاحيات إلى الولايات والمناطق، ليدير الناس شؤونهم بأنفسهم دون الحاجة لروتين العاصمة(9).

* تفعيل الأحكام الحرة (قانون الحريات): صياغة دستور إسلامي يضمن حرية التجارة، حرية الزراعة، وحرية التعبير دون قيود مسبقة، والاكتفاء بالعقوبات البعدية في حال حدوث اعتداء فِعلي ومثبت قضائياً(10).

* تحجيم الوظائف الحكومية: تشجيع المجتمع على العمل الحر والقطاع الخاص، لأن تضخم الجهاز الوظيفي للدولة يجعل المواطنين أجراء لدى السلطة، مما يسهل عملية كبتهم وتوجيه آرائهم(11).

خامساً: التطبيقات الإجرائية والنوازل المعاصرة في الفكر السيد الشيرازي

لم تقف أطروحة السيد الشيرازي عند التنظير الفلسفي، بل اشتبكت وتواشجت مع تفاصيل الدولة الحديثة عبر فتاوى وتطبيقات فقهية واضحة تفصل بين التنظيم المشروع والكبت الإداري، من ذلك ما جاء في:

1. تطبيق قطاع العقارات، البناء، وإحياء الأراضي في الدولة الحديثة، حيث لا يستطيع المواطن البناء أو استغلال أرض إلا بعد سلسلة طويلة من رخص البلدية والتخطيط العمراني والرسوم.

فرؤية السيد الشيرازي (التنظيم): إذ يرى أن تنظيم الشوارع، والمرافق العامة، ومنع إغلاق الطرق أو الإضرار بالجيران هو تنظيم مشروع تفرضه قاعدة "لا ضرر ولا ضرار"(12).

بالإضافة إلى حد الكبت الإداري: عند السيد الشيرازي أن اشتراط موافقة الدولة ومؤسساتها لكي يبني الإنسان في ملكه، أو يحيي أرضاً مواتاً (متروكة)، أو يفرض رسوم باهظة لمنحه (إجازة بناء)، هو كبت إداري ومصادرة للحق الشرعي القائل: "من أحيا أرضاً مواتاً فهي له". الدولة هنا -وفق رأيه- يجب أن تكون "مسجِّلة وموثِّقة" للحقوق تلافياً للنزاعات، لا "مالكة" تبيع الأرض للمواطنين وتتحكم في حريتهم بالعمران(13).

2. تطبيق العمل، التجارة، والمهن الحرة تفرض النظم الإدارية المعاصرة تراخيص مسبقة لفتح أي مشروع تجاري، أو ممارسة مهنة، وتحدد أوقات العمل وأسعار السلع.

ورؤية الشيرازي في ذلك (التنظيم): ينحصر التدخل المشروع للدولة في مراقبة الغش، الاحتكار، تدليس السلع، والتأكد من عدم وجود ضرر صحي أو بيعي على المستهلك (مراقبة الحسبة)(14).

والحد من الكبت الإداري: يرى الشيرازي أن إجبار المواطن على استخراج "رخصة تجارية" لبدء كسب عيشه، أو فرض "التسعير الجبري" للسلع (إلا في حالات الاحتكار الخانق)، أو تحديد أوقات إغلاق المحلات قسراً، هو كبت إداري يعطل الدورة الاقتصادية. فالأصل هو إطلاق "حرية التجارة والزراعة والصناعة" دون كوابح بيروقراطية مسبقة، والاكتفاء بالرقابة البَعدية للقضاء(15).

3. تطبيق التعليم والجامعات ومناهج المعرفة تسيطر الدول الحديثة على منظومة التعليم، وتفرض شروطاً صارمة لمعادلة الشهادات أو فتح المدارس والمعاهد.

فرؤية الشيرازي في ذلك (التنظيم): تشجيع الدولة للعلوم، ووضع معايير الجودة العلمية، وتمويل البحث العلمي هو من الواجبات التنظيمية التمكينية للسلطة(16).

والحد من الكبت الإداري: يرى الشيرازي أن "احتكار الدولة للتعليم" وفرض مناهج ذات توجه أيديولوجي واحد، أو منع الأهالي والعلماء من تأسيس مدارس وجامعات حرة وحرمان خريجيها من الحقوق بذرائع إدارية، هو كبت فكري وإداري خطير. فالتعليم في الإسلام -حسب قراءته- يجب أن يكون حراً ومتاحاً للجميع، معتمداً على الكفاءة الذاتية لا على الاعتراف البيروقراطي السلطوي.

4. تطبيق الإعلام، النشر، وتداول المعلومات تستخدم الحكومات قوانين المطبوعات والنشر، وتراخيص وسائل الإعلام، لضبط الفضاء العام.

ورؤية الشيرازي في ذلك (التنظيم): يُمنع شرعاً نشر المحتوى الذي يتضمن السب، القذف، هتك الحرمات، أو إشاعة الفساد الأخلاقي الصريح (المنكر).

والحد من الكبت الإداري لديه: إذ يرفض الشيرازي مبدأ "الرقابة المسبقة" على الكتب، أو اشتراط ترخيص أمني وإداري لإصدار صحيفة، أو إنشاء وسيلة إعلامية، أو التعبير عن الرأي السياسي المعارض. ويعد أن منع الكلمة وحظر وسائل التعبير يندرج تحت كبت الطاقات الذي يسهم في صناعة الديكتاتورية(17).

الاستنتاجات

1- تتميز رؤية السيد محمد الحسيني الشيرازي بتقديم أطروحة فقهية ذات مسحة "أفقية" تحررية، تقف بالمرصاد أمام "عمودية" الدولة الحديثة المتغولة.

2- إن حد تدخل الدولة المشروع عنده يقف تماماً عند عتبة الحرية الفردية؛ فمتى ما تحول التنظيم إلى عائق يمنع الإنسان من السعي في الأرض، أو يعطل طاقاته الفكرية والاقتصادية، فإنه يتحول إلى "كبت إداري" تجب مقاومته بالوسائل السلمية عبر التوعية والشورى والتعددية السياسية.

3- إنها رؤية تسعى لبناء "مجتمع قوي ودولة حد أدنى عادلة"، بدلاً من "دولة متضخمة ومجتمع مسحوق".

4- وضع السيد الشيرازي يده على الخلل التنظيمي في الجهاز المركزي للسيطرة الإدارية، ونبَّه عليه بإشارات وتلميحات وبطريقة مباشرة أيضاً.

5- بعد أن شخص الخلل؛ وضع الحل، وهذا من باب (مَن كسر كسراً كان عليه جبره) فيجب على مشخص الداء أن يُرشد إلى الدواء، وهذا ما فعله السيد الشيرازي.

6- في كل موضع يطالب السيد الشيرازي بالحريَّة في كل شيء، فحريَّة الرأي وحرية التعبير وحرية البناء وحرية شورى وحرية الزراعة وغيرها من حقوق الإنسان، ولكن الواجب على الدولة تنظيم هذه الحريات وتقنينها.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

................................................

[1) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، موسوعة الفقه: كتاب السياسة، دار العلوم، بيروت، ط2، 1407هـ، ج1، ص 45-48. (حول أصالة الحرية وسلطنة الناس على أنفسهم).

[2) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الحرية في الإسلام، مؤسسة المجتبى للتحقيق والنشر، بيروت، 2002م، ص 18-22. (تفسير آية الآصار والأغلال وتطبيقاتها المعاصرة).

[3) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الحكم في الإسلام، دار الصادق، كربلاء، ط3، 1398هـ، ص 62-65. (بحث شورى الفقهاء واللامركزية الإدارية).

[4) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، قانون الحريات في الإسلام، مركز الرسول الأعظم للدراسات، بيروت، 1418هـ، ص 104. (حدود التنظيم الأمني والدفاعي مقابل حرية المواطن).

[5) الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الفقه: الحقوق، دار العلوم، بيروت، 1411هـ، ج2، ص 210. (مسألة إسقاط الحدود وجوازات السفر في الرؤية الفقهية).

[6) الشيرازي، السيد محمد الحسيني، اقتصادنا بين التدهور والإنقاذ، مؤسسة الوعي الإسلامي، بيروت، ط1، 1400هـ، ص 77-83. (نقد الضرائب الحديثة ودعوته لتقليص اعتماد المجتمع على الوظيفة الحكومية).

[7) يُنظر: موسوعة الفقه: كتاب السياسة: ج1، ص 45-48.

[8) يُنظر: اقتصادنا بين التدهور والإنقاذ: ص 77-83.

[9) يُنظر: الحكم في الإسلام: ص 62-65.

[10) قانون الحريات في الإسلام: ص 104.

[11) اقتصادنا بين التدهور والإنقاذ: ص 77-83.

[12) الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الفقه: كتاب العمارة، دار العلوم، بيروت، ط1، 1412هـ، ص 15-22. (حول حرية البناء وإحياء الأراضي ونقد رخص البلديات).

[13) يُنظر: الفقه: كتاب العمارة: ص 15-22.

[14) الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الفقه: كتاب التجارة، دار العلوم، بيروت، ط2، 1409هـ، ج1، ص 88-92. (حول أصالة البراءة في المعاملات ونقد القيود الإدارية على الأسواق).

[15) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، صياغة جديدة لإعلام وحرية وتجارة الإسلام، مركز الرسول الأعظم للدراسات، بيروت، 1419هـ، ص 65. (تطبيقات عملية حول إلغاء التراخيص التجارية).

[16) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، السبيل إلى إنهاض المسلمين، مؤسسة الفكر الإسلامي، بيروت، ط3، 1405هـ، ص 112-115. (نقاش حول حرية التعليم وتحرير المناهج من هيمنة الدولة).

[17) يُنظر: الشيرازي، السيد محمد الحسيني، الفقه: الحرية والشورى، مؤسسة الوعي الإسلامي، بيروت، 1402هـ، ص 41-44. (تطبيقات حول حرية الصحافة والنشر وحدود الرقابة المشروعة).

ذات صلة

الزيدي بين فرصة التغيير وقيود الإطار التقليديالكاتب الاصطناعيسياسات الرفق وبرامج الأملالمحاصصة التوافقية: الآلة التي تعيد إنتاج الأزمةثقافة التضحية والهوية الرسالية في العراق