العراق بعد 30 سبتمبر.. هل يعبر من الدولة الموازية إلى الدولة المركزية؟

شبكة النبأ

2026-08-19 03:38

مقدمة

قد يكون من المبالغة النظر إلى 30 سبتمبر/أيلول 2026 باعتباره يومًا ستتغير فيه بنية الدولة العراقية دفعة واحدة، لكنه يمثل نقطة اختبار استثنائية؛ إذ يتزامن فيه، وفق الترتيبات المعلنة، اكتمال انسحاب القوات الأميركية من العراق مع انتهاء المهلة التي حددها رئيس الحكومة علي الزيدي للجماعات المسلحة غير الحكومية للتخلي عن سلاحها. وتؤكد وكالة أسوشيتد برس أن الانسحاب الأميركي ما يزال على المسار المقرر، وأن الحكومة ربطت بينه وبين انتهاء المبرر الذي تستند إليه الفصائل للاحتفاظ بالسلاح، مع إقرارها بأن إنجاز نزع شامل للسلاح بحلول الموعد نفسه يبدو صعبًا. 

لكن أهمية الموعد لا تتعلق بالسلاح وحده. فالمشكلة التي تواجه العراق أوسع من وجود جماعات مسلحة؛ إنها تتصل بنموذج تشكل تدريجيًا خلال العقدين الماضيين، تتعايش فيه مؤسسات الدولة الرسمية مع مراكز سياسية وعسكرية واقتصادية قادرة بدرجات متفاوتة على العمل خارج القرار المركزي. لذلك يصبح السؤال الاستشرافي الحقيقي: هل يستطيع العراق استثمار ما بعد 30 سبتمبر للانتقال من دولة تتقاسم سلطتها مع قوى موازية إلى دولة تمتلك مركزًا واضحًا للقرار، من دون أن يؤدي ذلك إلى صدام داخلي أو إلى استبدال نفوذ خارجي بآخر؟

ما المقصود بالانتقال إلى الدولة المركزية؟

لا تعني «الدولة المركزية» هنا العودة إلى المركزية السلطوية أو إلغاء النظام الاتحادي أو تقليص صلاحيات إقليم كردستان والمحافظات. المقصود هو مفهوم الدولة الحديثة في وظيفتها السيادية: وجود مركز دستوري واحد يمتلك القرار النهائي في استخدام القوة، وإدارة السياسة الخارجية، وتطبيق القانون، وجباية الموارد العامة وتوزيعها.

وبالمقابل، لا تعني «الدولة الموازية» أن العراق يضم دولة سرية متكاملة بجانب الدولة الرسمية. المصطلح يستخدم هنا لوصف حالة تتوزع فيها بعض وظائف السيادة بين المؤسسات الدستورية وشبكات حزبية ومسلحة واقتصادية تمتلك قدرة على التأثير في القرار أو تعطيله أو العمل خارجه.

ومن هذه الزاوية، فإن معيار نجاح ما بعد سبتمبر ليس عدد البنادق التي ستُجمع، بل مقدار استعادة المؤسسات العامة للوظائف التي لا ينبغي أن ينازعها فيها فاعل غير دولتي.

30 سبتمبر ونهاية المبرر لا نهاية السلاح

التحول الأول الذي سيصنعه الانسحاب الأميركي هو إسقاط واحد من أهم المبررات التي استندت إليها الفصائل المسلحة في استمرار سلاحها. فقد قال الزيدي إن الجماعات غير الحكومية لن يبقى لديها مبرر للاحتفاظ بالسلاح بعد خروج القوات الأجنبية. لكن بعض الجماعات القوية المدعومة من إيران أعلنت أنها لا تنوي التخلي عنه، وهو ما يجعل انتهاء المبرر السياسي مختلفًا عن انتهاء القدرة العسكرية الفعلية.

ولهذا فإن الأول من أكتوبر لن يشهد بالضرورة عراقًا منزوع السلاح الموازي، وإنما عراقًا تبدأ فيه معركة مختلفة حول شرعية هذا السلاح.

فالانسحاب الأميركي قد يضعف حجة «المقاومة»، لكنه لا يلغي المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية التي تشكلت حول الفصائل، ولا المخاوف المرتبطة بالحرب الإقليمية، ولا التصورات العقائدية لبعض الجماعات عن دورها.

وهنا تكمن أولى مفارقات المرحلة الجديدة: قد يصبح السلاح أقل قابلية للتبرير سياسيًا، لكنه يظل موجودًا ماديًا وقادرًا على حماية نفسه.

المشكلة أعمق من السلاح

إذا اختُزل مشروع الدولة في تسليم الصواريخ والطائرات المسيّرة والمخازن العسكرية، فقد يتحقق تقدم أمني من دون حدوث تحول بنيوي في الدولة. فالقوة الموازية لا تقوم على السلاح وحده، وإنما يمكن أن تقوم أيضًا على الحزب والمال والإدارة والإعلام وشبكات المصالح والوظائف والمنافذ والقدرة على التأثير في المؤسسات.

ولهذا يمكن تصور ثلاثة مستويات لاستعادة الدولة: احتكار القوة، واحتكار الموارد السيادية، واستقلال القرار العام.

إذا تحقق الأول دون الثاني، تستطيع الشبكات السياسية والاقتصادية إعادة إنتاج نفوذها. وإذا تحقق الأول والثاني بينما ظل القرار العراقي تابعًا لإرادة خارجية، تكون الدولة قد قلصت القوى الداخلية الموازية لكنها لم تحقق استقلالها السيادي.

وبالتالي فإن التحول الحقيقي لا يقاس بنزع سلاح الفصائل وحده، بل بقدرة القانون على أن يصبح أعلى من الفصيل والحزب والشخصية السياسية والمؤسسة الاقتصادية النافذة.

معضلة الحشد الشعبي

هنا تبرز ضرورة الفصل بين الحشد الشعبي بوصفه مؤسسة رسمية منشأة بقانون وبين الجماعات المسلحة التي تحتفظ بدرجات مختلفة من الاستقلال في القيادة والقرار والارتباط السياسي.

فمحاولة التعامل مع الحشد كله باعتباره مشكلة واحدة قد تؤدي إلى توحيد قوى تختلف أصلًا في مصالحها ومواقفها. وفي المقابل، فإن تجاهل وجود تشكيلات تمتلك قرارًا يتجاوز التسلسل الرسمي يبقي جوهر المشكلة قائمًا.

لذلك قد يكون المسار الأقل كلفة هو تعزيز الطابع المؤسسي للحشد نفسه: سلسلة قيادة فعلية، موازنة خاضعة للدولة، ضبط التعيينات، منع الازدواج التنظيمي، وربط حركة السلاح والعمليات العسكرية بقرار القائد العام للقوات المسلحة.

وبهذا المعنى، ليس السؤال: هل يبقى الحشد أم يختفي؟ بل: هل يصبح الحشد جزءًا من الدولة بالكامل، أم تبقى أجزاء من الدولة والفصائل متداخلة على نحو يصعب معه تحديد من يأمر من؟

الانقسام داخل الفصائل قد يكون المتغير الحاسم

التعامل مع الفصائل بوصفها كتلة واحدة يخفي اختلافات مهمة في حساباتها السياسية والأمنية. وبعضها أكثر اندماجًا في النظام السياسي، وبعضها أكثر ارتباطًا بمنطق «المقاومة»، فيما تختلف كذلك درجات ارتباط هذه الجماعات بطهران.

لهذا قد لا تكون المواجهة المقبلة بين «الدولة والفصائل»، وإنما عملية إعادة فرز داخل البيئة المسلحة والسياسية نفسها.

قد تقبل جماعات بتحويل نفوذها العسكري إلى نفوذ سياسي، وتقبل أخرى بالاندماج المؤسسي مقابل ضمانات، بينما تتمسك نواة أكثر صلابة باستقلالها العسكري.

إذا حدث ذلك، فسيكون أمام الحكومة خيار أكثر واقعية من المواجهة الشاملة: توسيع دائرة القوى المستفيدة من الدولة، مقابل تضييق دائرة القوى المستعدة لمواجهتها.

لكن هذا المسار يحمل مخاطرة مقابلة؛ إذ يمكن أن ينتج تسوية شكلية تتحول فيها الفصائل إلى أحزاب وقوى اقتصادية مع الاحتفاظ بقدرات عسكرية غير معلنة. عندها يتغير شكل الدولة الموازية ولا تختفي.

إيران: خسارة النفوذ أم تغيير أدواته؟

لا يمكن استشراف مستقبل هذا الملف من دون إيران. فالنفوذ الإيراني في العراق ليس عسكريًا فقط، بل سياسي واقتصادي واجتماعي وديني أيضًا. ولذلك فإن حصر السلاح لن يعني تلقائيًا خروج إيران من المعادلة العراقية.

وتكشف زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى العراق ومدارسة خطة نزع السلاح مع قادة سياسيين وأمنيين وقادة فصائل مدى أهمية الملف بالنسبة إلى طهران. ونقلت الجزيرة عن مصدر مجهول أن الرسالة الإيرانية في تلك الاجتماعات كانت معارضة تسليم أسلحة الفصائل في الوقت الراهن بسبب تقدير طهران لاحتمال تجدد الحرب. وبما أن هذه المعلومة منسوبة إلى مصدر غير معلن، فينبغي التعامل معها بوصفها تقريرًا صحفيًا يحتاج إلى التمييز عن الموقف الإيراني الرسمي.

لكن المصلحة الإيرانية نفسها معقدة. فإضعاف الفصائل قد يقلص إحدى أدوات نفوذها، بينما انهيار الاستقرار العراقي أو اندلاع مواجهة شيعية داخلية قد يلحق بطهران أضرارًا أكبر.

لذلك يوجد احتمال واقعي لأن تسعى إيران، إذا أصبحت عملية حصر السلاح حتمية، إلى تحويل نفوذها بدل خسارته: من النفوذ العسكري المباشر إلى الأحزاب والبرلمان والتجارة والطاقة والعلاقات الاجتماعية والمؤسساتية.

وهنا لا يكون نجاح العراق في بناء الدولة مرهونًا بإنهاء علاقته بإيران، وإنما بقدرته على تحويلها إلى علاقة دولة بدولة، كما ينبغي أن تكون علاقته بالولايات المتحدة والسعودية وتركيا وغيرها.

والولايات المتحدة ليست خارج المعادلة

الانسحاب العسكري الأميركي لا يعني انتهاء التأثير الأميركي. فواشنطن ستظل تمتلك أدوات مالية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية كبيرة، بينما يظل الاقتصاد العراقي شديد الارتباط بالنظام المالي الدولي.

ومن ثم، فإن أحد اختبارات سيادة الدولة الجديدة سيكون قدرتها على منع تحول مشروع حصر السلاح إلى مشروع يُنظر إليه داخليًا باعتباره تنفيذًا لمطلب أميركي.

هذه مسألة جوهرية؛ لأن نجاح المشروع يتطلب شرعية عراقية. وكلما ظهر باعتباره جزءًا من المواجهة الأميركية مع إيران، ازدادت قدرة الجماعات الرافضة على إعادة بناء شرعية «المقاومة».

ولهذا تحتاج الحكومة إلى معادلة دقيقة: الاستفادة من البيئة الدولية التي تدعم احتكار الدولة للسلاح، مع الحفاظ على استقلال القرار العراقي عن الاستقطاب الأميركي–الإيراني.

الدولة والفساد: المعركة الأصعب

الانتقال من الدولة الموازية إلى الدولة المركزية يصبح ناقصًا إذا اقتصر على القوة المسلحة. فالدولة يمكن أن تستعيد السلاح وتبقى ضعيفة أمام الفساد والمحاصصة وشبكات المصالح.

وتشير قراءة حديثة لـ الغارديان إلى الترابط بين ضعف السيطرة الحكومية على الجماعات المسلحة، وهشاشة الاقتصاد، والفساد وشبكات المحسوبية، وهو ما يجعل أزمة السيادة أوسع من بعدها العسكري. وهنا يمكن أن تكون مكافحة الفساد الوجه المدني لحصر السلاح.

فالمنطق في الحالتين واحد: ألا توجد قوة تستطيع استخدام السلاح خارج القانون، وألا توجد قوة تستطيع استخدام المال العام خارج القانون.

إذا نجحت الحكومة في الأولى وفشلت في الثانية، فقد تنتقل مراكز القوة من المجال العسكري إلى المجال الاقتصادي والسياسي، وتستمر الدولة الموازية بأدوات أقل ظهورًا.

الاقتصاد والانفتاح الخارجي

التحول نحو دولة أكثر مركزية في قرارها السيادي يمكن أن يمنح العراق مكسبًا اقتصاديًا يتجاوز الجانب الأمني. فالاستثمار طويل الأمد يحتاج إلى إمكانية توقع القانون والقرار الأمني وحركة الأموال والعقود.

وإذا أصبحت الحكومة قادرة على ضمان الأمن وضبط الحدود والمنافذ وحماية المنشآت وفرض قواعد واحدة على الفاعلين الاقتصاديين، يمكن أن تتحسن قدرة العراق على جذب رؤوس الأموال وتنويع شراكاته.

لكن العلاقة ليست آلية. فحصر السلاح لا ينتج اقتصادًا جيدًا من تلقاء نفسه. فإذا بقيت البيروقراطية والفساد والمحاصصة وضعف القضاء، فإن رأس المال سيظل مترددًا حتى لو انخفض نفوذ الجماعات المسلحة.

لذلك فإن الاختبار الاقتصادي لما بعد سبتمبر سيكون: هل تتحول مكاسب الاستقرار، إن تحققت، إلى إصلاح مؤسسي أم تبقى مجرد هدوء أمني؟

خطر المركزية نفسها

هناك وجه آخر ينبغي إدخاله في أي قراءة محايدة: ليس كل انتقال من تعدد مراكز القوة إلى مركز واحد نتيجة إيجابية بالضرورة.

فاحتكار الدولة للقوة شرط أساسي للدولة الحديثة، لكن تركيز القوة في الحكومة دون مؤسسات رقابة وقضاء مستقل وبرلمان فاعل قد يحول مشروع بناء الدولة إلى مشروع لبناء سلطة تنفيذية شديدة المركزية.

ومن هنا يجب الفصل بين «الدولة القوية» و«الحكومة القوية». فالدولة القوية هي التي تخضع فيها الحكومة والفصائل والأحزاب والمسؤولون للقانون. أما الحكومة القوية فقد تكون مجرد سلطة تنفيذية تمتلك أدوات أكبر من منافسيها. لذلك لا يكتمل الانتقال من الدولة الموازية إلى الدولة المركزية إلا إذا انتهى إلى مركزية القانون، لا مركزية الأشخاص.

خمسة مسارات محتملة بعد 30 سبتمبر

يمكن اختزال المجال الاستشرافي في خمسة مسارات رئيسية:

 الأول هو الاندماج التدريجي، وفيه تدخل غالبية الجماعات في ترتيبات تفاوضية تؤدي بمرور الوقت إلى إنهاء استقلالها العسكري. وهو الأكثر استقرارًا، لكنه يحتاج إلى وقت وضمانات وإصلاح للمؤسسات الأمنية.

الثاني هو الفرز، حيث تقبل بعض القوى وتقاوم أخرى، فتتقلص المشكلة من مواجهة الدولة مع بيئة واسعة إلى مواجهة سياسية وقانونية مع نواة محدودة. ويبدو هذا من أكثر المسارات واقعية في ضوء تعدد مصالح الفصائل.

الثالث هو التسوية الشكلية: تسليم جزء من السلاح أو إعادة تصنيف التشكيلات مع بقاء القرار الموازي والشبكات المالية والتنظيمية. وهو سيناريو قد يسمح لجميع الأطراف بإعلان الانتصار من دون تغيير جوهر النظام.

الرابع هو التراجع الحكومي، بأن تنتهي المهلة ويجري تمديدها أو تفريغها من مضمونها. وهذا لا يعني سقوط الحكومة، لكنه سيضعف مصداقية مشروع حصر السلاح ويعزز الاعتقاد بأن ميزان القوة الحقيقي لم يتغير.

أما الخامس فهو الصدام. وتوضح AP أن بغداد تواجه معضلة حقيقية: الضغط السريع قد يثير قتالًا في بلد يحمل ذاكرة ثقيلة من الصراعات الداخلية، بينما البطء الشديد يعرض الحكومة لضغوط خارجية ويقوض صدقية مشروعها.

أي السيناريوهات أكثر ترجيحًا؟

المعطيات الحالية لا تدعم توقع نزع شامل لسلاح الجماعات في 30 سبتمبر، كما لا تقدم أساسًا كافيًا للجزم بأن العراق يتجه إلى مواجهة عسكرية واسعة. بل إن AP ترى أن استكمال نزع سلاح الجماعات غير الحكومية ضمن المهلة يبدو غير مرجح بسبب رفض بعض القوى النافذة. لذلك يبدو السيناريو الأكثر واقعية مزيجًا من الفرز والتفاوض والضغط المؤسسي.

قد يصبح 30 سبتمبر خطًا فاصلًا سياسيًا أكثر منه موعدًا تنفيذيًا نهائيًا: بعده يصبح استمرار السلاح بحاجة إلى مبررات جديدة، وتبدأ الحكومة بمحاولة تحويل الإجماع النظري حول «حصر السلاح بيد الدولة» إلى ترتيبات قانونية وأمنية ومالية قابلة للتطبيق.

وسيكون نجاحها مرهونًا بقدرتها على التحرك تدريجيًا من دون إظهار الضعف، وعلى استخدام القانون دون الانزلاق إلى الانتقام، وعلى تفكيك شبكات القوة دون تفجير البيئة الاجتماعية التي تتحرك فيها.

كيف نعرف أن العراق بدأ العبور فعلًا؟

لن يكون المؤشر الأول صورة مخزن أسلحة جرى تسليمه، المؤشرات الأعمق ستكون: توقف أي جهة عن اتخاذ قرار الحرب والسلام بصورة منفردة؛ خضوع جميع التشكيلات المسلحة لسلسلة قيادة حكومية قابلة للمساءلة؛ قدرة القضاء على ملاحقة أي مسؤول أو قائد دون حصانة فعلية؛ سيطرة الدولة على المنافذ والموارد العامة؛ وانخفاض قدرة القوى الخارجية على تمرير قراراتها عبر وكلاء محليين.

والمؤشر الأهم سيكون أبسط من ذلك كله: هل يستطيع المواطن العراقي أن يتوقع تطبيق القانون بالطريقة نفسها بصرف النظر عن الحزب أو الفصيل أو المنصب الذي يقف أمامه؟ وعند الوصول إلى هذه النقطة فقط يمكن الحديث عن تحول بنيوي في الدولة.

الخلاصة: عراق ما بعد السلاح

قد لا يكون 30 سبتمبر نهاية الدولة الموازية، وربما لا يكون حتى بداية نهايتها، إذا بقي مجرد موعد سياسي. لكنه يوفر فرصة نادرة لإعادة طرح السؤال الذي رافق العراق منذ 2003: أين تنتهي سلطة الجماعات والأحزاب، وأين تبدأ سلطة الدولة؟

نجاح العراق لن يقاس باختفاء الفصائل من المشهد السياسي، فهذا ليس واقعيًا ولا مطلوبًا في نظام تعددي إذا تحولت إلى قوى سياسية مدنية خاضعة للقانون. كما لن يقاس بإنهاء علاقاته مع إيران أو الولايات المتحدة، لأن الجغرافيا والمصالح تجعل العلاقات مع الطرفين ضرورة سياسية.

المعيار الحقيقي هو تغيير قواعد العلاقة: أن تكون الأحزاب داخل الدولة لا فوقها، وأن تكون المؤسسات المسلحة للدولة لا شريكة لها في السيادة، وأن تصبح العلاقة مع إيران والولايات المتحدة وغيرهما عبر المؤسسات الرسمية، وأن تخضع الموارد العامة للقانون بدل شبكات النفوذ.

ولهذا فإن السؤال بعد 30 سبتمبر لن يكون فقط: هل سلّمت الفصائل سلاحها؟

بل ستكون هناك أسئلة أصعب: هل أصبح قرار الحرب بيد الدولة؟ هل استطاعت الحكومة إخضاع المال والنفوذ للقانون كما تريد إخضاع السلاح؟ هل أصبحت مكافحة الفساد جزءًا من استعادة السيادة؟ وهل تستطيع الدولة أن تصبح أقوى من جميع مكوناتها من دون أن تتحول الحكومة نفسها إلى مركز قوة غير خاضع للرقابة؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة إيجابية، فقد يمثل 30 سبتمبر بداية انتقال طويل من تعدد مراكز السيادة إلى مركزية الدولة. أما إذا تغير شكل السلاح وبقيت شبكات القوة والمال والقرار على حالها، فلن تختفي الدولة الموازية؛ بل ستعيد إنتاج نفسها بصورة أقل عسكرية وأكثر سياسية واقتصادية.

وعندها يتضح أن الاختبار الحقيقي للعراق بعد 30 سبتمبر ليس نزع السلاح، بل بناء دولة لا يحتاج فيها أحد إلى السلاح خارجها كي يحمي مصالحه، ولا يستطيع أحد استخدام الدولة نفسها لحماية مصالحه فوق القانون.

ذات صلة

علم المنقطع المعطوف القرآني.. آية التطهير أنموذجًاالشمول المالي في العراق ودوره في تعزيز النمو الاقتصاديالاحتواء المزدوج: النظرية ومشوار التطبيق الطويلأزمة الانتماء ورهان السلم المجتمعي: حوار مع د. مصطفى حسين عبد الرسول حول كتاب بناء الهوية الدينية الصحيحةمن فلسفة دولة المدينة إلى الفيدرالية المكانية