الانهاك الرقمي: ما هي تداعيته علينا؟
عزيز ملا هذال
2026-09-08 02:59
وفقاً للانخراط الطبيعي فيما تحدده المرحلة وجدنا أنفسنا نقضي ساعات طويلة من اوقاتنا على منصات التواصل الاجتماعي او في استخدام الشاشات المتصلة بشبكة الانترنت، وهذا الاستخدام له من المنافع ماله وله من المضار ماله، فماهي أبرز سلبيات الانهاك الرقمي، وكيف نحد منه لتوفير قدر من الصحة النفسية؟
يعرف الانهاك الرقمي على انه حالة متقدمة من الإجهاد الذهني، والإنهاك العاطفي والإنهاك البدنـي الناجم عن التعرض المفرط غير المنضبط، والمستمر للشاشات والمثيرات الرقمية عبر مختلف المنصات والتطبيقات.
ويختلف الانهاك الرقمي عن الانهاك العادي أو ضغوط العمل التقليدية اختلافاً كبيراً، حيث إن الضغوط التقليدية غالباً ما تكون مرتبطة بمهام محددة وساعات عمل لها بداية ونهاية بيئة جغرافية وزمانية معلومة، بينما يتسم الإنهاك الرقمي بطبيعته العابرة للحدود؛ فهو يلاحق الفرد في بيته وغرفة نومه، وأوقات راحته، وعطلاته الأسبوعية، مجرداً إياه من المساحات الآمنة التي كان يعود إليها لترميم طاقته النفسية.
اضرار الانهماك الرقمي
الأضرار النفسية الناجمة عن الإنهاك الرقمي تغير من نمط تفاعل الانسان مع العالم الواقعي في اغلب الحالات، ولعل من أبرز الاضرار التي تتجلى في هذا السياق هي:
أولى الاضرار تتسم في التشويه الإدراكي للزمن والحضور، حيث تفرغ التكنولوجيا المفاهيم الطبيعية للزمان والمكان من معانيها، فالمعلومات تقدم على الفور، والتفاعلات تحدث في لحظات، والأحداث تتوالى بشكل سريع، وهذه السرعة تؤدي إلى إرهاق عقلي ناجم عن فقدان الإحساس بالزمن. الشخص الذي يعاني من هذا الإرهاق الرقمي يفقد قدرته على التواجد في اللحظة الحالية حيث يكون جسمه في مكان معين، بينما ذهنه مشغول بتدفقات رقمية مستمرة أو إشعارات قادمة، هذا الغياب عن الحضور الفعلي يخلق نوعاً من "المعية الزائفة"، حيث يمر الوقت دون الشعور الحقيقي بتجارب الحياة.
ومن الاضرار التي ينتجها الانهاك الرقمي هو تآكل الصبر فقدان التفكير العميق لدى الانسان، فقد يعتاد العقل على التعامل مع النصوص القصيرة، والمقاطع السريعة، والتنقلات الخاطفة بين التطبيقات، مما يؤدي إلى ضمور القدرة على الصبر المعرفي، وبالتالي يجد الفرد المنهك رقمياً صعوبة بالغة في ممارسة التفكير المجرد، أو القراءة التحليلية المطولة، أو الاستغراق الذهني في قضية واحدة.
ومما يحدثه الانهاك الرقمي ايضاً هو التردد الشللي وتآكل الإرادة، حيث يتطلب التصفح الرقمي المستمر والتفاعل مع آلاف الرسائل والخيارات اتخاذ قرارات متناهية الصغر طوال اليوم وهذا ما يؤدي تراكم هذه العمليات الذهنية إلى حالة تُعرف بـ “تآكل قوة الإرادة"، فعندما تنفد الطاقة النفسية المخصصة للتنظيم الذاتي، يصبح الفرد عاجزاً عن اتخاذ قرارات حاسمة في حياته الشخصية أو المهنية، وبالتالي يقع المنهك رقمياً في فخ التردد الشللي، ويفقد قدرته على التخطيط الممتد، ويتجه نحو الاستسلام للظروف المحيطة بدلاً من توجيه حياته بإرادة واعية.
كما يتعرض الفرد عبر الشاشات لضخ يومي مكثف من الأخبار الصادمة، والمنشورات العاطفية، والمشاهد المتناقضة بين الفرح المطلق والمآسي الإنسانية. أمام هذا التدفق الذي يفوق الطاقة الاستيعابية للوجدان البشري، يلجأ الجهاز النفسي إلى استخدام حيلة دفاعية تعرف بـ الانفصال العاطفي أو البلادة مما يجعله بعيداً عن واقعه المعاش.
كيف نواجه الانهاك الرقمي؟
اول الخطوات لتفادي اضرار الانهاك الرقمي هي وضع جدول زمني لمتابعة مواقع التواصل والحرص على متابعة الصفحات ذات المحتوى الجيد والمفيد فكرياً وهو ما يبقي الانسان بعيداُ عن التأثير السيء لمواقع التواصل الاجتماعي المتزايدة.
ومن الأهمية بمكان ان يدير الانسان وقته بين القراءة والتسلية والاهتمام بالمتطلبات العائلية، حيث ان الإدارة الجيدة ستقلل من فرص الرضوخ للشاشات لأوقات طويلة وبالتالي تبقى الشاشات مجرد وقت عابر غير مؤثر.
وفي الخلاصة نقول: ان الانسان يمكنه ان يجعل من الانترنت ومواقع التواصل أداة للتواصل الفكري والمعرفي والاجتماعي ضمن حدود المقبول، واما ان يجعله أدوات للضرر والاثار السلبية التي تلحق بها وتبقى عالقة معه.