الاحتواء المزدوج: النظرية ومشوار التطبيق الطويل
عبد الامير المجر
2026-08-19 03:35
في العام 1993 طرح الدبلوماسي الأميركي مارتن إنديك نظرية (الاحتواء المزدوج) لكل من العراق وإيران، بحيث لا يكون العراق موازناً لإيران، ولا إيران موازنة للعراق، بل احتواء الاثنين معاً، وقد حققت هذه السياسة أهدافها في العراق من خلال استمرار محاصرته وتقويض قدراته وصولاً إلى احتلاله في العام 2003.
هل وجدت أميركا نفسها في مأزق كبير بعد أن بركت في وحل العراق، كما يرى البعض، أم أنها كانت تخفي خطة أشمل لاحتواء إيران التي يرى كثيرون أنها استثمرت الفرصة وتمددت بشكل غير متوقع، وعززت ما يعرف بـ(محور المقاومة) الذي أعلنت أنه يهدف إلى تحرير فلسطين؟
اتكأ المشروع الإيراني على مبدأ عقائدي إسلامي، تماهت معه قوى وحركات إسلامية في بعض بلدان المنطقة، فيما عارضته وبشدة قوى أخرى في البلدان نفسها، سواء كانت إسلامية بغطاء مذهبي مختلف أو غير إسلامية، رأت أن المشروع بمثابة قناع عقائدي يستبطن رغبة إيرانية في الهيمنة والتوسع، وقد أفرز هذا التقاطع الحاد انقسامات كبيرة، تلتها تداعيات أمنية وسياسية واقتصادية خطيرة في تلك البلدان، كانت بمثابة المدخل الاستراتيجي لاحتواء جميع دول المنطقة أميركياً، بما فيها إيران نفسها.
القصة قديمة إذن، و(الاحتواء المزدوج) لم يكن سياسة انتهت مع حقبة كلينتون، وإنما باتت نواة لنمط استراتيجي أوسع، وباستحداث أدوات جديدة، وصولاً إلى هدف طال انتظاره لمن أدهشهم التمدد السريع لإيران في المنطقة وسكوت أميركا أو عدم تحركها لإيقافه، لا سيما أنه بات يداهم إسرائيل ويهدد وجودها، أو هكذا تصوروا.
اشتغلت أميركا على إدامة تداعيات الصراع المحلي في كل دولة وصلها المشروع الإيراني، إذ عملت على وفق مبدأ (إدارة الأزمة)، لا سيما أثناء (الربيع العربي) الذي تحولت فيه أراضي أكثر من دولة إلى ميادين لصراعات وحروب بالنيابة، بين أميركا وخلفها بعض دول المنطقة المعارضة للتمدد الإيراني، وبين إيران، ومن خلال الأذرع المدعومة من كلا الطرفين، وقد كان أقسى تلك الصراعات هي التي حصلت في العراق وسوريا فيما بعد، أما الوضع في فلسطين ولبنان فقد استقر على انقسام سياسي لحين حرب غزة.
لقد أدى الانقسام الفلسطيني المتمثل باختلاف وجهتي نظر كل من فتح وحماس في التعاطي مع إسرائيل إلى تعطيل أي قرار فلسطيني موحد أمام العالم، يضع أميركا أمام مسؤولياتها في حل الدولتين الذي اقترحته الدول العربية في مؤتمر (قمة بيروت) مطلع العام 2002، والذي رفضته حماس المدعومة إيرانياً.
إسرائيل وظفت هذا لصالحها وعملت عليه إعلامياً، بما يقدمها للعالم مستهدفة ومدافعة عن وجودها، وبعد عملية (طوفان الأقصى)، بدا الموقف الدولي، وتحديداً الأوروبي، مؤيداً لها بقوة. الأمر نفسه حصل مع لبنان، إذ اتكأت أميركا على موقف محلي لبناني متناغم مع رؤية واشنطن في حسم الأمور مع إسرائيل من خلال التفاوض المباشر، بعيداً عن رؤية حزب الله، ومن خلفه إيران، التي ظلت تدعم خيار المواجهة المسلحة معها.
سوريا، التي تعد الميدان الأهم لإيران والعقدة الاستراتيجية لـ(محور المقاومة)، والتي تجاوزت حرباً داخلية مرعبة طيلة أكثر من ثلاثة عشر عاماً، أصبحت، كنتيجة لهذا الاستنزاف المدمر والعقوبات الاقتصادية المستمرة، مهيأة للسقوط الذي تم بتعاون إقليمي ووفق مخطط كان يسير بشكل منتظم، لتجد إيران نفسها في شبه عزلة وأمام خيارات محدودة.
العراق وجد نفسه بعد ثلاثة أعوام من تداعيات حرب غزة في وضع حرج للغاية، بسبب تهديدات أميركا بإيقاف ضخ أموال النفط العراقي، المصدر الوحيد لتمويل الدولة، في حال عدم تجاوب الحكومة مع رؤية أميركا المتمثلة بحل الفصائل وتسليم سلاحها للدولة.
إذن الجميع بات أمام معادلة إقليمية ودولية جديدة أفرزتها معطيات الصراع، فيما فقدت إيران عمقها المتكامل (وحدة الساحات) في أغلب الدول التي كانت حاضرة فيها، لتواجه انكشافاً استراتيجياً، جاء بالتدريج ليمهد لمواجهة عسكرية مباشرة مع أميركا، ترافقت مع شبه عزلة دولية وعقوبات اقتصادية قاسية أخذت تتضاعف بسبب غلق مضيق هرمز والضجة الدولية بشأنه.
الشيء الذي نريد الوصول إليه هو أن نظرية (الاحتواء المزدوج) جرى تطويرها بشكل ملحوظ، وبما يناسب معطيات كل مرحلة، وأن التمدد الإيراني لم يكن بعيداً عن الرصد والاهتمام الأميركي، كما ظن البعض، وإنما كان أشبه باستدراج نحو فخ تاريخي أريد منه احتواء إيران، الدولة أو النظام، وسيكون هذا هو الهدف النهائي.
تمدد إيران وصناعتها لمحور واسع معادٍ لأميركا بغية إخراجها من منطقة (الشرق الأوسط) الحساسة، كان خياراً مكلفاً جداً لإيران ولغيرها، إذ رآه كثيرون غير واقعي من الناحية العملية، وخلق حالة انقسام داخلي كبير في البلدان التي وصلها، لا سيما بين نخبها، وأدى إلى صراعات انتهت إلى تقويضها كدول وتصدع وحدة شعوبها، وهذا مهّد الطريق لإسرائيل لأن تنقض عليها، حيث وجدتها واهنة وغير قادرة على المقاومة، وسوريا مثالاً واضحاً، يضاف إلى ذلك غياب التوازن الاستراتيجي بين دول المنطقة بشكل عام وبين إسرائيل ومن خلفها أميركا عسكرياً وسياسياً واقتصادياً، وبذلك وجدت جميع هذه الدول نفسها في مأزق مركب، فإما أن تساير الرؤية الأميركية التي يصعب رفضها ومواجهتها بغياب القدرة على ترجمة هذا الرفض، وإما أن تقف مع مشروع إيران الذي بات أقصى ما يطمح إليه إبقاء النظام والدولة، لأن المزيد من المواجهة والحصار الحديدي قد يؤدي إلى تداعيات يصعب تصورها مستقبلاً.