علم المنقطع المعطوف القرآني.. آية التطهير أنموذجًا

إبراهيم عليّ السّفسيف

2026-08-19 03:44

اصطلح على المباحث المتعلّقة بالقرآن الكريم من حيث نزوله، وتدوينه، وجمعه، وقراءاته، وناسخه ومنسوخه، ونحو ذلك، بـ"علوم القرآن". وكانوا قد قصدوا من كلمة "علم/علوم" هنا: المعرفة المنظّمة حول موضوع معيّن وفق منهجيّة متّسقة مع موضوعها.

 فمثلًا: كلّ ما يرتبط بكيفيّة أداء الكلمات القرآنيّة اتفاقًا واختلافًا، وما يتبع ذلك من سرد مذاهب رواتها وتحمّلها وروايتها، ولاحقًا تقعيد مصطلحاتها ومفاهيمها وضوابطها، وعرض قضاياها ومنافعها وأرخنتها، كلّ ذلك أُدرج تحت علم يُعرف باسم "علم القراءات القرآنيّة". وهكذا دواليك مع بقيّة أصناف علوم القرآن.

منذ القرن السادس الهجري، ظهرت مؤلفات توسّعت في تناول علوم القرآن كعلم مستقل في كتاب جامع، وتفنّنت في تعداد أصنافها. كان أبرزها كتاب (البرهان في علوم القرآن) لبدر الدين محمد بن عبد الله الزركشي (ت: 794هـ)، الذي رصد (48) علمًا، و(الإتقان في علوم القرآن) لعبد الرحمن بن كمال الدين السيوطي (ت: 911هـ)، حيث رصد (80) علمًا، و(الزيادة والإحسان في علوم القرآن) لابن عقيلة المكّي محمد بن أحمد بن سعيد (ت: 1150هـ)، حيث رصد (154) علمًا.

وعلى كل حال، فلا تزال أصناف علوم القرآن محصورة في سياج الأصناف التي ذكرها هؤلاء الأعلام وغيرهم. وهذا ما حدا بالباحثين إلى الدعوة للتجديد فيها، عبر تحرير مصطلحاتها، وإنضاج علومها، وإعادة قراءتها بما يواكب منجزات العلوم ذات الصلة بالبحث القرآني، كعلم الفقه والأصول والمناهج الفلسفية والألسنية الحديثة.

الإمامية وعلوم القرآن

بحسب ما يتوافر من مصادر، فإن علماء الشيعة الإمامية لم ينخرطوا في التأليف حول "علوم القرآن" كمصطلح دال على علم مستقل من علوم المعرفة الإسلامية، فقد خلت مؤلفاتهم على طول التاريخ حتى منتصف القرن الماضي من كتاب جامع ينظّر لهذا المصطلح ويقعّد لعلومه. وهذا لا يعني بالضرورة أنهم لم يؤلفوا في علوم القرآن أو يقعّدوها، فكتبهم شاهدة على سبقهم إلى كثير من هذه العلوم (1).

على أن وتيرة التأليف تحت هذا المصطلح ازدادت مع نهايات القرن الماضي ومطالع هذا القرن، وهي لا تزال مستمرة ومتطورة، حيث تُوّجت بالعديد من المؤلفات القيّمة، والتي من أهمها موسوعة (التمهيد في علوم القرآن) للشيخ محمد مهدي معرفة في عشرة أجزاء، وموسوعة *نصوص في علوم القرآن* للسيد علي الموسوي الدارابي، في عشرة أجزاء كذلك، وغيرها من المؤلفات المختصرة.

ولقد يلحظ المتابع لهذه المؤلفات الإمامية ملاحظتين، هما:

الأولى: أنها ركزت على مجموعة من العلوم وأغفلت الكثير، فتناولت مثلًا علومًا أساسية، كعلم الناسخ والمنسوخ، والمحكم والمتشابه، والإعجاز القرآني، وما يرتبط بتاريخ القرآن وتدوينه وجمعه. أما علوم القراءة وكثير من علوم التفسير وعلوم لغة القرآن، فقد بقيت تُطلب من مظانّها؛ وذلك لأسباب ليس مجالها هنا.

الثانية: أنها لم تضع في أولويتها مقاربة المصطلحات والمفاهيم والآراء والقضايا التي اشتغلت عليها وانشغلت بها مؤلفات علوم القرآن عامة وفق بيانات المعصومين (عليهم السلام) (2).

رسالة المحكم والمتشابه

من بين المصادر الإمامية التي حوت، بالتركيز، ما ورد عن أهل العصمة (عليهم السلام) من معارف القرآن وعلومه، (رسالة المحكم والمتشابه) (3)، والتي يرويها السيد المرتضى علم الهدى (ت: 436هـ)، بعدما أخذها كاملة عن تفسير النعماني (4)، المحدّث الثقة أبو عبد الله محمد بن إبراهيم النعماني، المعروف بأبي زينب (ت: 360هـ)، بسنده إلى الإمام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام)، عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام). حيث كان شيعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، إذا فرغت من تكاليفها، يسألونه عن ناسخ القرآن ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ورخصه وعزائمه، فيخبرهم.

لا تقف أهمية الرسالة، فيما يخصّنا هنا، عند حدود ذكر مسمّيات أصناف علوم القرآن، بل تتعداه إلى ضبط مراداتها، والتمثيل عليها من آيات القرآن الكريم. فوق هذا، فإنها أشارت وبيّنت ومثّلت لأصناف من علوم القرآن لم يذكرها أحد ممن كتب قبل ظهور مصطلح علوم القرآن وبعده، وبما يشمل كل المؤلفات المستقلة في علوم القرآن والجامعة أيضًا، بحسب اطلاعي القاصر.

في مطاوي هذه الرسالة، وقفتُ على علم من علوم القرآن لم يتناوله أحد بالذكر، وهو علم "المنقطع المعطوف"، مع الإشارة إلى أن الرسالة ذكرت علمًا آخر، هو علم "المنقطع غير المعطوف"، لكنها لم تفصّل فيه. وأعتقد أنه ذاته الذي ذكره السيوطي في (إتقانه) عند حديثه عن "النوع التاسع والعشرين: في بيان الموصول لفظًا المفصول معنى" (5).

علم المنقطع المعطوف

نظرًا لوضوح العبارة في هذه الرسالة عن علم المنقطع المعطوف(6)، سأنقل ما ورد فيها حرفيًا، حيث جاء الآتي:

"والمنقطع المعطوف في التنزيل هو أن الآية من كتاب الله عز وجل كانت تجيء بشيء ما، ثم تجيء منقطعة المعنى بعد ذلك، وتجيء بمعنى غيره، ثم تعطف بالخطاب على المعنى الأول. مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ (لقمان: 13)، ثم انقطعت وصية لقمان لابنه، فقال: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (لقمان: 14-15)، ثم عطف بالخطاب على وصية لقمان لابنه، فقال: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 16).

ومثل قوله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ (النساء: 59)، ثم قال تعالى في موضع آخر عطفًا على هذا المعنى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (التوبة: 119)، كلامًا معطوفًا على ﴿أُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾.

وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ (البقرة: 110)، ثم قال تعالى في الأمر بالجهاد: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ...﴾ الآية (البقرة: 216).

ومثله قوله عز وجل في سورة المائدة: ﴿وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (المائدة: 3)، ثم قطع الكلام بمعنى ليس يشبه هذا الخطاب، فقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (المائدة: 3)، ثم عطف على المعنى الأول والتحريم الأول، فقال سبحانه: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِّإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (المائدة: 3).

وكقوله عز وجل: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (الأنعام: 11)، ثم اعترض تعالى بكلام آخر، فقال: ﴿قُل لِّمَن مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُل لِّلَّهِ كَتَبَ عَلَىٰ نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ (الأنعام: 12)، ثم عطف على الكلام الأول، فقال عز وجل: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (الأنعام: 12).

وكقوله في سورة العنكبوت: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ يا قوم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ (العنكبوت: 16-18)، ثم استأنف القول بكلام غيره، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * يُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَن يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ * وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ * وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَٰئِكَ يَئِسُوا مِن رَّحْمَتِي وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (العنكبوت: 19-23)، ثم عطف القول على الكلام الأول في وصف إبراهيم، فقال تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ (العنكبوت: 24)، ثم جاء تعالى بتمام قصة إبراهيم (عليه السلام) في آخر الآيات.

ومثله قوله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ (الإسراء: 55)، ثم قطع الكلام، فقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ (الإسراء: 56)، ثم عطف على القول الأول، فقال تمامه في معنى ذكر الأنبياء وذكر داود: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ (الإسراء: 57).

ومثله قوله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ (البقرة: 285)، ثم استأنف الكلام، فقال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ (البقرة: 286)، ثم رجع وعطف تمام القول الأول، فقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (البقرة: 286) إلى آخر السورة. وهذا وأشباهه كثير في القرآن" (7).

آية التطهير.. من الاستطراد إلى المنقطع المعطوف

وقعت آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ (الأحزاب: 33)، موقع أخذ ورد بين المفسرين والمتكلمين المسلمين؛ ذلك لأنها تُعدّ من أشهر ما نزل في واقعة معينة في ثلّة خاصة من أقرباء النبي، وبدلالة بيّنة على طهارة هذه الثلّة من الرجس، وبإرادة تكوينية من الله تعالى، وما سيترتب على ذلك من إثبات مقولة قوم ودحض مقولة آخرين.

مرتكز الأخذ والرد ناشئ عن الاختلاف في تحديد المقصود بـ"أهل البيت" في الآية. فالخاصة ذهبوا إلى أن المقصود هم الخمسة أصحاب الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين)، ومنحصر فيهم، وفي هذا تصريح بعصمتهم. أما غيرهم فذهبوا إلى أن المقصود منحصر في نساء النبي (صلى الله عليه وآله)، وفي أحسن الأحوال أنه يشمل الاثنين معًا: نساء النبي وهؤلاء الخمسة، فلا دلالة على اختصاص إذهاب الرجس والتطهير بهؤلاء الخمسة دون غيرهم، أو القول بعصمتهم.

استند النافون لاختصاص الآية بالخمسة أصحاب الكساء (صلوات الله عليهم أجمعين) إلى مستندين: الأول روائي، فقد رووا عن عكرمة وقتادة وعروة أنها نزلت في نساء النبي. والثاني السياق، فآية التطهير واردة في سياق الآيات النازلة في نساء النبي، وبيان جملة الأحكام المختصة بهنّ. يقول تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا * وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَىٰ ۖ وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا * وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَىٰ فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ (الأحزاب: 32-34).

إذًا، مقتضى السياق أن يكون المراد بـ"أهل البيت" في هذه الآيات خصوص الزوجات، وإلا عُدّ مقطع ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ مقحمًا على سياق الآيات.

بخصوص المستند الروائي، فقد رُدّ بروايات الفريقين في أن آية التطهير نزلت في حادثة مستقلة، وفي أصحاب الكساء حصرًا(8)، إضافة إلى ما نصّ عليه العديد من علماء العامة بأنها خاصة في الخمسة أصحاب الكساء(9).

أما فيما يخص مستند السياق، فقد أجاب عنه السيد علي الموحّد الأبطحي (ت: 1423هـ) إجابة بديعة، ألخّصها على النحو الآتي:

1. آيات أحكام نساء النبي نزلت في أول الهجرة بحدود السنة الرابعة للهجرة، وآية التطهير نزلت في أواخر عمر النبي (صلى الله عليه وآله).

2. آيات أحكام نساء النبي محفوفة بالعتاب والتهديد، وآية التطهير في مقام الملاطفة وبيان الفضيلة، وهذا لا يتناسب مع العتاب.

3. القرآن الكريم لم يُجمع بحسب النزول، ما عدا مصحف الأمير (عليه السلام)، وحجية السياق إنما تكون في الكلام الواحد المشتمل على جمل متعددة نزلت دفعة واحدة، لا الجمل التي وُضع بعضها إلى جنب بعض. فلا حجية من هذه الجهة، خصوصًا مع الاختلاف الواضح في الأسلوب بين آيات أحكام نساء النبي وآية التطهير. فلو أراد الأزواج لكان مقتضى الحال أن يقول: "عنكنّ الرجس ويطهركنّ تطهيرًا". ولو خاطب الأزواج لما عدل إلى عنوان "أهل البيت"، حيث أوجب هذا العدول الإبهام في خصوص الآية، وأوقع الاختلاف بين المسلمين. وعلى فرض صحة العدول، فقد كان من الأنسب أن يقول: "يا أهل بيوت النبي"، كما قال: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾. وهذه الأمور تُضعف دلالة السياق المزعوم.

4. آية التطهير جاءت على نحو الاستطراد (10)، وهو واقع في القرآن الكريم نفسه، والشعر العربي، وسائر كلام أهل الفصاحة. والغرض منه هنا: إن الله تعالى لما عاتب نساء النبي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ (الأحزاب: 28)، ناسب أن يقول حينئذ: أما "أهل البيت" فليسوا كذلك، بل أراد الله إذهاب الرجس عنهم. ففي مقام توهّم أن المنتسبين للنبي كلهم على حال واحد، يقول: ليسوا سواءً، فأولئك النسوة لهنّ شأن، وهؤلاء الخمسة لهم شأن آخر؛ بلبثهم في مقام الطاعة وإرادتهم لما أراد الله (11).

أقول: لا أعلم على وجه الدقة: هل سبق أحدٌ السيد الأبطحي إلى استثمار علوم البلاغة العربية، بإدخال آية التطهير في فن الاستطراد، في الإجابة عن هذا الإشكال أم لا؟ إلا أن الأكيد أن علوم القرآن برواية أهل البيت (عليهم السلام) قد أجابت عن هذا الإشكال. فآية التطهير أحد أمثلة علم المنقطع المعطوف، كما سمّاه وعرّفه أمير المؤمنين (عليه السلام) في (رسالة المحكم والمتشابه).

...............................................

الهوامش:

(1) انظر الفصل (12: في تقدّم الشيعة في علوم القرآن)، من كتاب: تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام، للسيد حسن الصدر: 316-350.

(2) قال الشريف المرتضى: "اعلم أخي، وفقك الله لما يرضيه بفضله، وجنّبك ما يسخطه برحمته، أن القرآن جليل خطره، عظيم قدره. ولما أخبرنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن القرآن مع أهل بيته (عليهم السلام)، وهم التراجمة عنه، والمفسرون له، وجب أخذ ذلك عنهم ومنهم. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، ففرض، جلّت عظمته، على الناس العلم والعمل بما في القرآن، فلا يسعهم مع ذلك جهله، ولا يُعذرون على تركه. وجميع ما أنزله في كتابه عند أهل بيت نبيّه الذين ألزم العباد طاعتهم، وفرض سؤالهم والأخذ عنهم، حيث يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43)، فالذكر هنا رسول الله، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا * رَّسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّه﴾ (الطلاق: 10-11)، وأهل الذكر هم أهل بيته. ولما اختلف الناس في ذلك، أنزل الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ (فاطر: 32)، فلم يفرض على عباده طاعة غير من اصطفاه وطهّره دون من وقع منه الشك أو الظلم ويُتوقع". رسالة المحكم والمتشابه: 53-54.

(3) يعلّل المحقق، السيد عبد الحسين الغريفي البهبهاني، عنوان الرسالة: إن تسمية الرسالة بهذا الاسم من باب إطلاق اسم الجزء على الكل.

(4) التفسير مفقود الأثر، ولم يصل منه سوى ما نقله السيد المرتضى في هذه الرسالة.

(5) قال السيوطي: "هو نوع مهم، جدير أن يُفرد بالتصنيف، وهو أصل كبير في الوقف، ولهذا جعلته عقبه. وبه يحصل حل إشكالات وكشف معضلات كثيرة: من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَت دَّعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَّنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (الأعراف: 189-190)؛ فإن الآية في قصة آدم وحواء كما يُفهمه السياق، وصُرّح به في حديث أخرجه أحمد والترمذي وحسّنه [...]، لكن آخر الآية مشكل، حيث نسب الإشراك إلى آدم وحواء، وآدم نبي مكلَّم، والأنبياء معصومون من الشرك قبل النبوة وبعدها إجماعًا. وقد جرّ ذلك بعضهم إلى حمل الآية على غير آدم وحواء، وأنها في رجل وزوجته كانا في أهل الملل، وتعدّى إلى تعليل الحديث والحكم بنكارته. وما زلت في وقفة من ذلك حتى رأيت ابن أبي حاتم قال: أخبرنا أحمد بن عثمان بن حكيم، حدّثنا أحمد بن مفضل، حدّثنا أسباط، عن السدّي في قوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ قال: هذه فصل من آية آدم، خاصة في آلهة العرب. وقال عبد الرزاق: أنا ابن عيينة، سمعت صدقة بن عبد الله بن كثير المكّي يحدث عن السدي، قال: هذا هو الموصول المفصول [...]، فانحلّت عني هذه العقدة، وانجلت لي هذه المعضلة، واتضح بذلك أن آخر قصة آدم وحواء ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾، وأن ما بعده تخلّص إلى قصة العرب وإشراكهم الأصنام". انظر: الإتقان في علوم القرآن، تحقيق: مركز الدراسات القرآنية بمجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف: 2 / 576-582.

(6) القطع لغة: إبانة، أي فصل، شيء عن شيء. أما العطف لغة: فهو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه.

(7) الشريف المرتضى، رسالة المحكم والمتشابه: 94-96.

(8) انظر: علي الحسّون، سبب نزول آية التطهير: دراسة في الأسانيد وإشكالات على المخالفين.

(9) جمع مجموعة من أقوالهم السيد مهدي الجابري في كتابه أهل البيت في آية التطهير بين دعوى عموم المصطلح وأدلة الإثبات: 118-127.

(10) الاستطراد فن من فنون علم البديع، ويُعرّف على أنه: خروج المتكلم من الغرض الذي هو فيه إلى غرض آخر لمناسبة بينهما، ثم يرجع متمّمًا الكلام الأول.

(11) السيد علي الموحّد الأبطحي، آية التطهير في أحاديث الفريقين: 2 / 121-125.

ذات صلة

الشمول المالي في العراق ودوره في تعزيز النمو الاقتصاديالعراق بعد 30 سبتمبر.. هل يعبر من الدولة الموازية إلى الدولة المركزية؟الاحتواء المزدوج: النظرية ومشوار التطبيق الطويلأزمة الانتماء ورهان السلم المجتمعي: حوار مع د. مصطفى حسين عبد الرسول حول كتاب بناء الهوية الدينية الصحيحةمن فلسفة دولة المدينة إلى الفيدرالية المكانية