المحاصصة التوافقية: الآلة التي تعيد إنتاج الأزمة
محمد عبد الجبار الشبوط
2026-05-30 03:03
يميل كثير من المحللين إلى تفسير أزمات النظام السياسي العراقي من خلال التركيز على الأشخاص والأحزاب والقيادات السياسية، فيُقال إن المشكلة تكمن في ضعف هذه القيادة أو فساد تلك النخبة أو عجز هذا الحزب. ورغم أن هذه العوامل ليست بلا أهمية، إلا أن التركيز عليها وحدها قد يحجب المشكلة الأعمق، وهي طبيعة النظام السياسي نفسه وآلية عمله الداخلية.
فالنظام السياسي العراقي بعد عام 2003 لم يتأسس عملياً على مبدأ التنافس الديمقراطي الطبيعي الذي يفرز أغلبية حاكمة وأقلية معارضة، بل تأسس على نموذج يمكن وصفه بـ”المحاصصة التوافقية”، أي إشراك القوى السياسية الرئيسية جميعها تقريباً في السلطة، بصرف النظر عن نتائج التنافس الانتخابي الفعلية. ومع مرور الوقت تحولت هذه الآلية من حل مؤقت لإدارة مرحلة انتقالية إلى قاعدة دائمة لإدارة الدولة.
المشكلة الأساسية في المحاصصة التوافقية أنها لا تنتج فقط حكومات معينة، بل تنتج منظومة كاملة من السلوكيات والظواهر السياسية التي تعيد إنتاج نفسها باستمرار.
أولى هذه الظواهر هي الزعامات الدائمة. ففي الأنظمة الديمقراطية الطبيعية تخضع القيادات السياسية لاختبارات متكررة من خلال المنافسة الانتخابية وإمكانية الانتقال إلى المعارضة. أما في نظام المحاصصة التوافقية فإن الزعيم الحزبي لا يواجه هذا النوع من المخاطر السياسية الحقيقية، لأنه يعلم أن حزبه سيكون جزءاً من السلطة في جميع الأحوال تقريباً. وهكذا تتحول القيادة السياسية إلى موقع دائم أكثر منها وظيفة سياسية مؤقتة.
والظاهرة الثانية هي ما يمكن تسميته الاستحقاق الانتخابي المشوه. ففي الديمقراطيات المعتادة تحدد الانتخابات من يحكم ومن يعارض. أما في النظام التوافقي العراقي فقد تحولت الانتخابات إلى عملية تفاوض على نسب المشاركة في السلطة أكثر من كونها وسيلة لاختيار حكومة ومعارضة. وهكذا ظهر مفهوم “الاستحقاق الانتخابي” بوصفه حقاً في الحصول على حصة من السلطة لا تفويضاً لتشكيل حكومة تتحمل المسؤولية أمام الشعب.
أما الظاهرة الثالثة فهي الحكومات الائتلافية الواسعة التي تضم عدداً كبيراً من القوى السياسية المتنافسة نظرياً والمتشاركة عملياً. هذه الحكومات توفر قدراً من الاستقرار الظاهري، لكنها في الوقت نفسه تضعف قدرة الدولة على اتخاذ القرار وتحول مجلس الوزراء إلى ساحة للتوازنات الحزبية أكثر منه مؤسسة تنفيذية موحدة.
ومن نتائج ذلك أيضاً ضعف المعارضة السياسية. فحين تشارك معظم القوى الفاعلة في الحكومة، تتراجع مساحة المعارضة الحقيقية. وقد تجد أحزاباً تشارك في السلطة صباحاً وتنتقدها مساءً، فتضيع الحدود بين الحكومة والمعارضة، ويصبح من الصعب على المواطن أن يعرف من المسؤول عن النجاح أو الفشل.
وهنا نصل إلى النتيجة الأخطر، وهي ضعف المساءلة السياسية. ففي الأنظمة الديمقراطية الواضحة يستطيع الناخب أن يحاسب الحزب الحاكم ويستبدله بغيره إذا فشل. أما في نظام المحاصصة التوافقية فإن المسؤولية تتوزع بين أطراف عديدة إلى درجة تضيع معها المحاسبة. فكل طرف يستطيع أن يلقي اللوم على شركائه، وكل حزب يستطيع الادعاء بأنه لم يكن صاحب القرار النهائي.
وبمرور الزمن تنتج هذه المنظومة حلقة مغلقة: زعامات دائمة، وحكومات ائتلافية واسعة، ومعارضة ضعيفة، ومساءلة محدودة، ثم انتخابات لا تؤدي إلى تغيير جوهري في طبيعة السلطة، بل إلى إعادة توزيع مواقعها فقط.
لهذا فإن الحديث عن إصلاح النظام السياسي لا ينبغي أن يقتصر على تغيير الأشخاص أو تجديد الوجوه، لأن المشكلة ليست في أعمار السياسيين بقدر ما هي في القواعد التي تحكم اللعبة السياسية نفسها. فالنظام الذي ينتج النتائج ذاتها بصورة متكررة سيستمر في إنتاجها مهما تغيرت الأسماء.
إن التحدي الحقيقي أمام العراق لا يتمثل في البحث عن زعماء جدد فقط، بل في الانتقال من منطق المحاصصة التوافقية إلى منطق التنافس السياسي الواضح، حيث توجد أغلبية حاكمة تتحمل المسؤولية، ومعارضة فاعلة تمارس الرقابة، وانتخابات تؤدي فعلاً إلى تداول السلطة لا إلى إعادة توزيع الحصص.
وعندئذ فقط يمكن للديمقراطية أن تتحول من آلية لتقاسم السلطة إلى آلية لبناء الدولة.