زيارة الأربعين وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

خضير العواد

2026-08-01 04:02

زيارة الأربعين تتكامل بعاملين:

أولًا: القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الهدف الأسمى الذي من أجله ثار سيد الشهداء (عليه السلام) على حكم الفاسق يزيد بن معاوية كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حيث قال سلام الله عليه في وصيته إلى أخيه محمد بن الحنفية: "إني ما خرجت أشرًا ولا بطرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، إنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب"(1).

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي صمام الأمان والحافظ لكل مجتمع، فبدونها ينهار المجتمع، ويتفشى به الظلم والفساد، ويصبح تحت قيادة الشيطان وأعوانه من جنود الإنس والجن. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): "الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم في سبيل الله، لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّى عليكم أشراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم"(2).

وقد بيّن أمير المؤمنين (عليه السلام) منزلة وعظمة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في أعمال الخير، حيث قال سلام الله عليه: "وما أعمال البرّ كلها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا كنفثة في بحر لجي، وإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يقرّبان من أجل ولا ينقصان من رزق، وأفضل ذلك كلمة حق عند إمام جائر"(3).

وبترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ينزل العذاب. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهونَّ عن المنكر، أو ليعمّكم الله بعذاب"(4).

وقد بيّن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كيفية العمل بهذه الفريضة المهمة والخطيرة، حيث قال (صلى الله عليه وآله): "من رأى منكرًا فلينكره بيده إن استطاع، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فحسبه أن يعلم الله من قلبه إنه لذلك كاره"(5).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): "لو أنكم إذا بلغكم عن الرجل شيء مشيتم إليه فقلتم: يا هذا، إما أن تعتزلنا وتجتنبنا أو تكف عنا، فإن فعل، وإلا فاجتنبوه"(6).

وفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هي الحصن الذي يُحصّن المؤمنين في الدنيا والآخرة. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "رأيت رجلًا من أمتي في المنام قد أخذته الزبانية من كل مكان، فجاءه أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، فخلصاه من بينهم وجعلاه من الملائكة"(7).

فريضة بهذه الخطورة والأهمية، بها سعادة الدنيا والجنان في الآخرة، تُترك، بل يُعاقَب من المجتمع من يقوم بها، حتى انتشر الظلم، وظهر الفساد، وتوغل في كل شارع، وتمدّد إلى كل زاوية، حتى أصبح المنكر، كالزنا والتبرج والكذب والخيانة والعلاقات غير الشرعية والملابس غير المحتشمة والغناء والرشوة وغيرها من المحرمات، يُعمل به، والمعروف يُتناهى عنه، كترك الصلاة والصيام، وترك بر الوالدين، وترك الحجاب، وعدم التفقه بالدين، وعدم التخلق بأخلاق أهل البيت (عليهم السلام)، وخيانة الأمانة وغيرها من موارد المعروف.

فأصبح هذا الفساد كالسيل الذي يجرف من يقف أمامه، ولا يمكن لنا أن نوقفه إلا بوقفة حقيقية تهز المجتمع كما هزّ أبو الأحرار (عليه السلام) المجتمع الإسلامي في يوم عاشوراء، وأيقظه من سباته العميق.

وقد سهّل علينا الإمام الحسين (عليه السلام) المهمة، وسحب لنا المجتمع كله إلى طريق الهدى والصلاح، وهو طريق زيارة الأربعين. وما علينا إلا أن نضع من يقوم بهذه المهمة الجبارة في هذا الطريق، من بداياته إلى قبر سيد الشهداء (عليه السلام) في كربلاء المقدسة، ويقوم بإرشاد الناس، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر.

ونحتاج المئات، بل الآلاف، ممن يقوم بهذه المهمة ويذكّر الناس بمخاطر ترك المعروف والتمسك بالمنكر، وتذكيرهم بهدف الإمام الحسين (عليه السلام) من يوم عاشوراء، وجعلها ثورة تتفجر في طريق يا حسين، تأخذ قوتها وطاقتها من ثورة كربلاء، وجعلها مستمرة في كل أيام السنة.

وأفضل من يقوم بهذه المهمة هم طلاب الحوزة ورجال الدين والمؤمن المثقف الواعي؛ فهم أعرف بالمعروف وأنكر للمنكر. قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فيه ثلاث خصال: رفيق بما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، عدل فيما يأمر به، عدل فيما ينهى عنه، عالم بما يأمر به، عامل بما ينهى عنه"(8).

وبالقيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نكون قد حققنا هدف وغاية الإمام الحسين (عليه السلام) من ثورته على حكم بني أمية، وخصوصًا ونحن نسير إلى زيارة قبره ونقول في زيارته: "أشهد أنك قد أقمت الصلاة، وآتيت الزكاة، وأمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر، وجاهدت في سبيل الله حتى أتاك اليقين"(9).

ونجدد العهد معه في السير على طريقه والتخلق بأخلاقه، وأفضل وسيلة لتحقيق هذا العهد هي القيام بفريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبذلك تتكامل زيارة الأربعين.

...................................................

(1) حياة الإمام الحسين، ج2، ص246.

(2) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج97، ص90.

(3) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج97، ص89.

(4) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج97، ص87.

(5) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج97، ص87.

(6) بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج97، ص88.

(7) بحار الأنوار، ج97، ص91.

(8) بحار الأنوار، ج97، ص87.

(9) مفاتيح الجنان، زيارة الإمام الحسين (عليه السلام).

ذات صلة

الحياة مع الظالمين.. من التمكين والتطبع إلى التطبيع مع النفاقالمساواة على الأقدام: كيف تكسر الأربعينية الأنا وتصنع رأس مال اجتماعي عابر للطبقات؟أثر الفساد العلمي على الحق في التعليمالرياض وبغداد بين النار والدبلوماسيةتقدير موقف.. سردية استقالة علي الزيدي بين تفاعل الشارع الرقمي وحدود الموقف الأميركي