هل نحن بحاجة إلى بيروقراطية أقل أم إلى دولة أكثر مؤسسية؟

شبكة النبأ

2026-09-10 04:41

يدخل المواطن اليوم إلى مؤسسة حكومية لإنجاز معاملة يمكن أن تنجز في دقائق، فيجد نفسه أمام سلسلة من الخطوات والتواقيع والموافقات، وربما أمام منصة إلكترونية أضيفت إلى الإجراءات القديمة من دون أن تلغيها. تتغير التكنولوجيا، وتبقى المتاهة. هنا تظهر المفارقة التي تستحق التأمل: هل المشكلة في كثرة الموظفين والإجراءات، أم في غياب المؤسسة التي تعرف كيف تستخدم الإدارة لخدمة الإنسان؟

البيروقراطية في أصلها ليست شراً. الدولة الحديثة تحتاج إلى قواعد واضحة، واختصاصات محددة، وسجلات، وتسلسل إداري، ومساءلة تمنع القرار الفردي والمزاجية. وقد رأى ماكس فيبر فيها صورة من صور العقلانية الحديثة، لأنها تستبدل العلاقات الشخصية بالقانون والإجراء. غير أن هذه العقلانية تفقد معناها عندما تتحول القاعدة إلى غاية، ويصبح الإجراء أهم من النتيجة، والملف أهم من المواطن، والختم أهم من الحق الذي يفترض أن يثبته.

المشكلة الأكثر تعقيداً في مجتمعاتنا أن ما يسمى بيروقراطية لا يكون دائماً مؤسسياً بالمعنى الحديث. قد نجد عشرات التعليمات والنماذج والدوائر، بينما تستمر الواسطة والمحسوبية والعلاقات الشخصية في تحديد مسار المعاملة. عندها نعيش مفارقة مزدوجة: جهاز إداري ثقيل من الخارج، وشبكة علاقات غير رسمية من الداخل. المواطن لا يعرف أيهما أقوى: النص المكتوب أم الشخص الذي يستطيع تجاوزه.

وهنا تتحول البيروقراطية من أسلوب للإدارة إلى ثقافة اجتماعية. يتعلم الموظف أن حماية نفسه أهم من سرعة الإنجاز، فيكثر من الإجراءات تحسباً للمساءلة، ويتعلم المواطن أن الوصول إلى حقه يحتاج أحياناً إلى معرفة شخص داخل المؤسسة. ومع تكرار هذه الممارسات يتغير معنى الوظيفة العامة نفسها؛ فالموظف قد يرى المنصب امتيازاً، والمواطن قد يرى الدولة عقبة ينبغي البحث عن طريقة للالتفاف عليها.

الواقع الراهن يجعل هذه المشكلة أكثر وضوحاً. فالعالم يتجه نحو الحكومة الرقمية والذكاء الاصطناعي وأتمتة الخدمات، وهي أدوات تستطيع تقليل الوقت والاحتكاك المباشر ومواطن الفساد. لكن الرقمنة وحدها لا تصنع إدارة حديثة؛ فإذا نُقلت الإجراءات القديمة إلى شاشة جديدة، أصبحت البيروقراطية إلكترونية فقط. الإصلاح الحقيقي يبدأ من السؤال عن ضرورة كل إجراء، ومن يملك القرار، ولماذا يحتاج المواطن إلى هذه الخطوة أصلاً، وكيف يمكن اختصار الطريق من دون المساس بالحق أو الرقابة.

الأخطر أن البيروقراطية قد تنتج هوية جديدة للناس. فالهوية لا تتشكل من الشعارات وحدها، وإنما من التجربة اليومية. المواطن الذي يرى القانون يطبق على الجميع يتعلم احترام المؤسسة، أما الذي يرى أن القانون قابل للتجاوز وفق النفوذ والواسطة فسيتعلم أن العلاقات أكثر فاعلية من القواعد. ومع الزمن تصبح هذه الخبرة جزءاً من الثقافة العامة، فينشأ جيل لا يثق بالمؤسسة إلا بقدر ما يستطيع الوصول إلى الأشخاص الذين يديرونها.

وهنا يلتقي سؤال البيروقراطية بسؤال الأخلاق. الفساد لا يحتاج دائماً إلى موظف يسرق المال مباشرة؛ يكفي أن توجد إجراءات غامضة وسلطة واسعة ومساءلة ضعيفة حتى تصبح البيئة مهيأة للتلاعب. وكلما ازدادت المسارات غير الضرورية، اتسعت المساحات التي يمكن أن تستغلها الرشوة والوساطة والتأخير. لذلك فإن تبسيط الإدارة ليس قضية اقتصادية فقط، وإنما قضية أخلاقية أيضاً.

وتقدم الأدبيات الساخرة صورة دقيقة لهذه المفارقة، ومن أشهرها حكاية «ديوان الزير» التي يبدأ فيها الأمر بفكرة بسيطة: وضع زير ماء لخدمة الناس، ثم تتحول المهمة الصغيرة إلى ديوان كامل، وموظفين، وضرائب، وحراس، ونفقات، وتعقيدات، حتى يختفي الزير نفسه ويبقى الجهاز الذي أنشئ من أجله. قوة الحكاية أنها تكشف كيف يمكن للمؤسسة أن تنسى هدفها، ثم يصبح استمرارها أهم من المشكلة التي جاءت لمعالجتها.

لذلك لا تحتاج الدولة الحديثة إلى إلغاء الإدارة، وإنما إلى تحريرها من التضخم الذي يجعلها تدور حول نفسها. الموظف يحتاج إلى صلاحيات واضحة ومسؤولية واضحة، والمواطن يحتاج إلى خدمة واضحة، والإجراء يحتاج إلى مبرر يمكن فهمه. وكل قاعدة لا تضيف حماية للحق أو جودة للخدمة أو عدالة في التطبيق ينبغي أن تخضع للمراجعة.

الدولة القوية ليست التي تجعل المواطن يمر عبر أكبر عدد من المكاتب، وإنما التي تنجز حقه بأقصر طريق وأكثره شفافية. والتحديث الحقيقي لا يعني استبدال الورق بالشاشة فقط، وإنما الانتقال من ثقافة «راجعنا غداً» إلى ثقافة «هذه خدمتك وهذا حقك وهذه مسؤوليتنا». عندها تصبح التكنولوجيا أداة للإصلاح، والمؤسسة أداة للعدالة، والموظف جزءاً من الدولة لا سلطة صغيرة فوقها.

وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: هل نريد بيروقراطية أم لا؟ وإنما: أي نوع من الدولة نريد؟ دولة تتكاثر فيها الإجراءات حتى تصبح متاهة، أم دولة مؤسسية تستخدم القواعد لحماية الإنسان وتستخدم التكنولوجيا لتسهيل حياته؟ فالبيروقراطية حين تكون عقلانية تخدم الدولة، وحين تنفصل عن غايتها تبدأ في صناعة عالمها الخاص؛ عالم يصبح فيه المكتب أهم من المؤسسة، والإجراء أهم من الإنسان، والمحافظة على النظام أهم من إصلاحه. وفي تلك اللحظة لا تعود البيروقراطية مجرد مشكلة إدارية، وإنما تصبح مشكلة في هوية الدولة نفسها.

ذات صلة

الاستقامة بوصلة الفائزينحين يصبح الزعيم عبئاً.. هل يدفع الجمهوريون ثمن ترامب؟إلى الحكومة العراقية: تبنّوا مشروع منظومة الأمن الشرق أوسطي المشتركلماذا أصبحت إعادة إكساء الطرق الريفية ضرورة لا تحتمل التأجيل؟الذكاء الفائق.. هل يصبح أعظم اختراع بشري آخر اختراعات الإنسان؟