حين يصبح الزعيم عبئاً.. هل يدفع الجمهوريون ثمن ترامب؟
محمد مهدي صالح
2026-09-10 04:39
تقترب الولايات المتحدة من انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر بينما يدخل الحزب الجمهوري مرحلة شديدة الحساسية، ليس فقط بسبب صعوبة الدفاع عن أغلبيته في الكونغرس، وإنما لأن الانتخابات أصبحت مرتبطة بصورة متزايدة بالرئيس دونالد ترامب نفسه. فالرئيس الذي أعاد تشكيل الحزب حول شخصيته وخطابه وقاعدته الانتخابية لا يبدو مستعداً لمنح مرشحيه مساحة واسعة لخوض معاركهم بعيداً عنه، في حين يدرك عدد من الجمهوريين أن الارتباط الكامل به قد يحمل كلفة انتخابية في الدوائر التي لا تحسمها القاعدة المحافظة وحدها.
المشكلة لا تتمثل في ظهور جناح جمهوري قادر على تحدي ترامب، ولا في انقسام معلن داخل الحزب حول قيادته، بل في اتساع الفجوة بين النفوذ الذي يحتفظ به الرئيس وبين الثقة بقدرته على اتخاذ الخيارات الأفضل للحزب في هذه المرحلة. مسؤولون في البيت الأبيض وشخصيات جمهورية تحدثت إلى أكسيوس بصورة خاصة قالت إن محاولات إقناع ترامب بتغيير قراراته أو التراجع عنها تراجعت بشدة، بعدما أصبح الاعتقاد السائد لدى بعض المحيطين به أن الاعتراض لن يغيّر شيئاً، حتى عندما لا يكونون مقتنعين بما يريده.
سلطة واسعة ومساحة أضيق للنقاش
ظل ترامب طوال العقد الماضي قادراً على فرض أولوياته داخل الحزب الجمهوري، فيما اعتاد جزء كبير من المؤسسة الحزبية الدفاع عن خياراته باعتبار أن قدرته على قراءة الناخبين تتجاوز حسابات السياسيين التقليديين. الجديد أن بعض هؤلاء لا يعودون، بحسب ما تنقله أكسيوس، يثقون بالقدر نفسه بتلك الغريزة السياسية، لكن تراجع الثقة لم يتحول إلى مواجهة، وإنما إلى قبول بالأمر الواقع والتوقف عن محاولة إقناعه بخيارات مختلفة.
هذه العلاقة تجعل وصف ترامب بأنه أصبح وحيداً أكثر تعقيداً من معنى العزلة السياسية التقليدي، فهو لا يواجه حزباً ثائراً عليه ولا قيادة جمهورية تعمل على تقليص نفوذه، وإنما يمارس سلطته في بيئة أصبحت أقل استعداداً لمجادلته. وهنا قد تتحول القوة نفسها إلى عامل عزل، لأن الرئيس يسمع اعتراضات أقل في الوقت الذي تصبح فيه قراراته أكثر ارتباطاً بالمصير الانتخابي لمرشحين يحاولون الاحتفاظ بمقاعدهم في مجلسي النواب والشيوخ.
انتخابات لا تحمل اسمه لكنها تدور حوله
يريد ترامب أن تكون انتخابات التجديد النصفي امتداداً مباشراً لرئاسته، وهو ما ظهر في إصراره على وضع نفسه في مركز الحملة الجمهورية، سواء من خلال المؤتمر الحزبي غير المعتاد في دالاس أو من خلال الإعلانات السياسية والفعاليات الانتخابية التي تقدم سجل إدارته باعتباره الرسالة الأساسية للجمهوريين. وتقول أكسيوس إن ترامب يتعامل مع الانتخابات على أساس أنها ستكون حكماً على رئاسته سواء حاول الجمهوريون الابتعاد عنه أم لم يفعلوا، ولذلك يرى أن الأفضل هو الدخول في المواجهة بصورة مباشرة بدلاً من محاولة إخفاء حضوره.
هذه الاستراتيجية تحمل منطقاً انتخابياً واضحاً بالنسبة إلى فريقه، لأن عدداً كبيراً من ناخبي ترامب لا يشاركون عادة بالحماسة نفسها عندما لا يكون اسمه على ورقة الاقتراع. ولذلك يحتاج الجمهوريون إلى تحويل ناخبي الانتخابات الرئاسية المؤيدين له إلى ناخبين في انتخابات التجديد النصفي، وهي مهمة يصعب تحقيقها إذا حاول المرشحون الجمهوريون تقديم أنفسهم باعتبارهم منفصلين عن الرئيس الذي صنع جانباً كبيراً من القاعدة الحالية للحزب.
جمهوريون يحتاجون ترامب ويخشون كلفته
المعضلة التي تواجه الحزب تكمن في أن الحاجة إلى ترامب لا تلغي المخاوف منه. المرشح الجمهوري الذي يخوض سباقاً في ولاية أو دائرة شديدة المحافظة يستطيع غالباً الاستفادة من الارتباط بالرئيس، لكن الحسابات تختلف في المناطق المتأرجحة التي يحتاج فيها الحزب إلى مستقلين وناخبين معتدلين أو إلى جمهوريين غير متحمسين لبعض سياسات الإدارة.
أكسيوس تنقل عن مسؤولين ومستشارين جمهوريين شعوراً بأن الحزب أصبح مرتبطاً بترامب إلى درجة يصعب معها اختيار مسافة آمنة منه، لأن رفض ظهوره مع مرشح ما قد يحمل مخاطر سياسية داخل الحزب، بينما لا توجد ضمانة بأن ظهوره إلى جانب ذلك المرشح سيضيف أصواتاً يحتاج إليها فعلاً. وفي الوقت نفسه، لا يستطيع الجمهوريون تجاهل ناخبي ترامب الأكثر ولاءً، لأن انخفاض مشاركتهم قد يكون كافياً لخسارة مقاعد متقاربة.
وهكذا يصبح ترامب بالنسبة إلى الحزب مصدراً للقوة ومصدراً للمخاطرة في آن واحد؛ فمن دونه قد يفقد الجمهوريون الطاقة التي تحرك قاعدتهم، ومع وجوده في قلب كل سباق قد تصبح الانتخابات استفتاءً وطنياً على الرئيس بدلاً من أن تكون عشرات المعارك المحلية التي يستطيع المرشحون إدارتها وفق ظروف ولاياتهم ودوائرهم.
عندما تتحول المعركة المحلية إلى معركة رئاسية
كان عدد من الجمهوريين يأملون خلال الصيف في العودة إلى ولاياتهم وتركيز حملاتهم على ملفات محلية تتعلق بالاقتصاد والخدمات والأمن والمرشحين المنافسين، لكن ترامب واصل إدخال قضايا وطنية إلى قلب تلك السباقات، بما جعل من الصعب على بعض المرشحين تحديد رسالتهم بصورة مستقلة.
ومن بين الملفات التي أثارت اعتراضات داخل الحزب مقترحات تتعلق بواردات لحوم الأبقار، والدعم الحكومي لرعاية الأطفال، والسياسة التجارية تجاه كندا، والموقف من مراكز البيانات، إضافة إلى الضغوط المرتبطة بأسعار الفائدة. وأشارت أكسيوس إلى أن أكثر من عشرة أعضاء جمهوريين في مجلس الشيوخ انتقدوا علناً خطة لاستيراد كميات من لحوم الأبقار من دون رسوم لفترة محددة، كما أن التصعيد التجاري مع كندا وضع مرشحين في ولايات حدودية أمام حسابات اقتصادية لا تتطابق بالضرورة مع الخطاب الوطني للبيت الأبيض.
هذه الخلافات لا تعني أن الحزب تبنى موقفاً مضاداً لترامب، لكنها تظهر أن بعض السياسات التي يمكن الدفاع عنها على المستوى الوطني قد تصبح عبئاً مختلفاً عندما ينتقل النقاش إلى ولاية تعتمد على قطاع صناعي معين أو إلى منطقة تتأثر مباشرة بتجارة الحدود أو بأسعار الوقود.
الشعبية تصبح مسألة حزبية لا شخصية
عندما تكون شعبية الرئيس مرتفعة، يصبح وضعه في مركز الحملات وسيلة طبيعية لرفع الحماس وتوحيد الرسالة، لكن الحساب يصبح أكثر تعقيداً عندما تتراجع أرقام التأييد ويصبح الناخبون غير الراضين عن الاقتصاد أو السياسة الخارجية قادرين على تحويل انتخابات الكونغرس إلى وسيلة لمعاقبة الإدارة.
أكسيوس تشير إلى أن الجمهوريين ينظرون بقلق إلى تأثير ارتفاع أسعار الوقود والحرب مع إيران وقضايا القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، وهي ملفات يصعب عزلها عن ترامب عندما يصر الرئيس نفسه على أن تكون الانتخابات مرتبطة بسجله. لذلك لا تتعلق المشكلة بمجرد شعبية ترامب داخل الحزب، التي تبقى مرتفعة، وإنما بقدرته على توسيع تلك الشعبية خارج القاعدة التي تدين له بالولاء أصلاً.
قد يستطيع الرئيس تعبئة ملايين الناخبين المحافظين الذين يحتاج إليهم الجمهوريون، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ما إذا كانت هذه التعبئة ستعوض خسائر محتملة بين المستقلين والناخبين القلقين من الأسعار أو السياسات الخارجية أو طريقة إدارة السلطة. ولهذا يصبح تأثير ترامب الانتخابي مختلفاً عن نفوذه الحزبي؛ فالأول يحتاج إلى أصوات تتجاوز أنصاره التقليديين، بينما الثاني لا يزال يمنحه قدرة كبيرة على فرض اتجاه الحزب.
الخوف من خسارة الكونغرس
تكتسب هذه الحسابات أهمية أكبر لأن الجمهوريين لا يخوضون الانتخابات من موقع مريح، إذ تنقل أكسيوس وجود تشاؤم داخل الحزب بشأن الاحتفاظ بمجلس النواب وقلق بشأن مجلس الشيوخ، وهو ما يجعل أي خطأ في الرسالة أو توزيع الموارد أو اختيار القضايا أكثر كلفة مما كان يمكن أن يكون عليه في انتخابات ذات هوامش أوسع.
خسارة مجلس النواب ستمنح الديمقراطيين القدرة على تعطيل جانب مهم من أجندة الإدارة وفتح تحقيقات واسعة وممارسة رقابة أكبر على البيت الأبيض، بينما ستكون خسارة مجلس الشيوخ أكثر تأثيراً في ملفات التعيينات والتوازن التشريعي. وحتى فقدان أحد المجلسين وحده سيغير النصف الأخير من ولاية ترامب، لأن الرئيس سيكون مضطراً إلى التعامل مع كونغرس أقل قدرة على تمرير أولوياته وأكثر استعداداً لمواجهته.
ولهذا لا تبدو الانتخابات اختباراً عادياً لشعبية الحزب الحاكم، وإنما لحجم ما تبقى من قدرة ترامب على تحويل نفوذه داخل الحزب إلى أغلبية قادرة على البقاء في المؤسسات التشريعية.
وحيد في القرار وليس وحيداً في الحزب
المفارقة الأكثر وضوحاً أن ترامب قد يكون اليوم أقل عرضة للاعتراض من أي وقت سابق، لكنه ليس أقل نفوذاً. الجمهوريون الذين يشككون في بعض قراراته لا يملكون حتى الآن مشروعاً سياسياً بديلاً يستطيعون الالتفاف حوله، كما أن المرشحين الذين يريدون الابتعاد عن بعض سياساته لا يستطيعون بسهولة الاستغناء عن القاعدة التي بناها.
لهذا فإن العزلة التي تتحدث عنها التقارير لا تعني أن الحزب تخلّى عنه، بل إن العلاقة بين الطرفين أصبحت أقرب إلى الاعتماد المتبادل الذي لا يستطيع أي منهما إنهاءه قبل الانتخابات. ترامب يحتاج إلى بقاء الجمهوريين مسيطرين على الكونغرس كي يحافظ على قدرته على الحكم في السنتين الأخيرتين، والجمهوريون يحتاجون إلى ناخبيه وأمواله السياسية وقدرته على حشد الإعلام والقاعدة المحافظة.
في المقابل، تشير أكسيوس إلى أن بعض المقربين من ترامب يرفضون التعامل معه باعتباره رئيساً ستتراجع أهميته بمجرد اقتراب نهاية ولايته، ويؤكدون أنه سيظل شخصية قوية داخل الحزب والسياسة الأمريكية حتى بعد مغادرة البيت الأبيض. ولذلك فإن من يتوقع أن تؤدي خسارة انتخابية واحدة تلقائياً إلى نهاية نفوذه قد يتجاهل أن جزءاً كبيراً من هوية الحزب الحالية أصبح مرتبطاً به وبالحركة السياسية التي بناها.
الرابع من نوفمبر وبداية المعركة التالية
في اليوم التالي لانتخابات التجديد النصفي ستبدأ داخل الحزب الجمهوري حسابات مختلفة، لأن الأنظار ستتحول سريعاً نحو انتخابات الرئاسة عام 2028 وإلى الشخصية التي ستملك فرصة وراثة القاعدة السياسية التي صنعها ترامب. وتزداد أهمية نتيجة نوفمبر هنا، لأن فوز الجمهوريين سيمنح الرئيس دليلاً يستخدمه لتأكيد أن حزبه لا يزال قادراً على الفوز عندما يتحرك خلفه، بينما ستفتح الخسارة الواسعة باباً أوسع للنقاش حول حدود تحويل الحزب بأكمله إلى امتداد لشخص واحد.
لكن حتى في حال الخسارة، لا يبدو أن هناك مساراً سريعاً لانقلاب جمهوري على ترامب، لأن القوى التي قد تنافس على قيادة الحزب في 2028 تحتاج هي الأخرى إلى جزء كبير من ناخبيه. ولذلك سيكون النقاش على الأرجح حول كيفية وراثة الترامبية وتعديلها، وليس بالضرورة التخلص منها بصورة كاملة.
معركة تحدد وزن ترامب بعد الرئاسة
سيكون من المبالغة القول إن ترامب أصبح وحيداً بالمعنى الذي يفيد بأن الجمهوريين تخلوا عنه، مثلما سيكون من الصعب اعتبار الصمت الداخلي دليلاً على وحدة كاملة خلف قراراته. الواقع يقع بين الحالتين؛ رئيس يتمتع بنفوذ استثنائي داخل الحزب، ومسؤولون ومرشحون أصبح بعضهم أكثر تحفظاً تجاه خياراته، لكنهم لا يرون حتى الآن طريقاً انتخابياً آمناً للانفصال عنه.
إذا نجح الجمهوريون في الاحتفاظ بالكونغرس، سيخرج ترامب من الانتخابات وهو قادر على القول إن تحويلها إلى استفتاء على رئاسته لم يكن خطأً، وإن القاعدة التي يقودها لا تزال قادرة على حماية الحزب حتى عندما لا يكون اسمه مرشحاً. أما إذا خسر الحزب بصورة واضحة، فستصبح الأسئلة حول كلفة هذه الهيمنة أكثر حضوراً، وسيتحول السباق نحو 2028 إلى أول اختبار حقيقي لقدرة الجمهوريين على بناء مستقبل يحتفظ بناخبي ترامب من دون أن يبقى الحزب أسيراً لكل قراراته.
ترامب، بهذا المعنى، لا يقف وحيداً في مواجهة خصومه بقدر ما يقف في مقدمة حزب لا يستطيع الابتعاد عنه ولا يستطيع تجاهل المخاطر التي تأتي مع البقاء خلفه. والنتيجة التي ستخرج بها صناديق نوفمبر لن تحدد فقط هوية الأغلبية في الكونغرس، وإنما ستعطي أول مؤشر جدي على ما إذا كان النفوذ الذي جعل ترامب الشخصية المهيمنة على الجمهوريين طوال سنوات سيظل قوة انتخابية بعد أن يبدأ العد التنازلي لنهاية رئاسته.