الاستقامة بوصلة الفائزين
قبسات من فكر المرجع الشيرازي
شبكة النبأ
2026-09-10 04:43
(يجب الاستقامة اليوم، وغداً، وفي كل مكان، لكل مؤمن ومؤمنة)
سماحة المرجع الشيرازي
تتجسد الاستقامة في منهج الأنبياء والأوصياء عليهم السلام باعتبارها الثبات المطلق على طريق الله عز وجل، دون تباطؤ أو تراخٍ، مهما عظمت التحديات وتفاقمت التضحيات. إنها ليست مجرد شعار يُرفع، بل مسار عملي شاق يضع صاحبه في مواجهة مباشرة مع قوى الانحراف والباطل، فقد مثل الأنبياء والمرسلون القدوة الأسمى في هذا المفهوم، إذ حملوا الأمانة الرسالية ولم يثنهم عن أدائها تهديد أو وعيد، متقبلين في سبيل ذلك أشد أنواع البلاء.
تبدأ تكلفة الاستقامة من الضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها النبي أو الوصي في بداية دعوته، حيث تُرمى رسالته بالتكذيب والسخرية، ويُحارب من محيطه، ثم تتصاعد هذه التضحيات لتطال الجانب المادي، فيُحاصر الصالحون وتُصادر أموالهم ويُضيق عليهم في أرزاقهم ومصادر عيشهم، كما تمتد الضريبة إلى الجسد، حيث تعرض العديد من الأنبياء للأذى المادي، والسجن، والنفي، والجلد، والتعذيب، إصراراً من الطغاة على إطفاء نور الحق الذي يحملونه، لكنهم فشلوا في ثنيهم عن مواصلة طريق الاستقامة.
إن استقامة الأولياء ليست مجرد مواقف تاريخية عابرة، بل هي سنّة إلهية تربوية للأشياء والأمم من بعدهم، إنها تؤكد أن طريق الحق مفروش بالمكاره، وأن الثبات عليه يتطلب إرادة فولاذية وإيماناً لا يتزعزع. ومن خلال هذه التضحيات المتعاقبة عبر التاريخ، تم حفظ المبادئ الإلهية وظلت جذوة التوحيد والعدل متقدة، لتلهم الأجيال المتعاقبة بأن القيمة الحقيقية للإنسان تكمن في قدرته على الصمود والوفاء بعهده مع الله مهما كان الثمن باهظاً.
سماحة المرجع الديني الكبير، آية الله العظمى، السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله، يقول ضمن سلسلة نبراس المعرفة في محاضرة عنوانها: الاستقامة في سبيل الله تعالى والمعصومين عليهم السلام:
(تعني الاستقامة المواصلة على طريق الله عزّ وجلّ، بالنسبة للأنبياء والأوصياء عليهم السلام. وعادة تكلف الاستقامة الإنسان المشاكل والتضحيات، في المال والجسم وأحياناً بالنفس وبالقتل).
وهكذا فإن مفهوم الاستقامة الحقيقي لا يتمثل في محطات مؤقتة أو اندفاعات عابرة يستقيم فيها الإنسان لبرهة من الزمن ثم يرتدّ إلى الوراء أو يتوقف عن مواصلة الطريق المستقيم، فهذا التذبذب يتنافى كلياً مع جوهر الاستقامة لأنها ليست حالة طارئة أو تجربة مرحلية، بل هي ثبات راسخ ومواصلة دائمة على طريق الحق والفضيلة دون انقطاع أو تراجع حتى نهاية المطاف.
تجاوز العقبات والتمسك بالاستقامة
إن المعنى الدقيق للاستقامة يتجلى في القدرة على الصمود والنفس الطويل، بحيث يظل المرء متمسكاً بمرضاة الله عز وجل ومبادئه الشريفة إلى آخر لحظة من حياته، بغض النظر عن العقبات والعواصف التي قد تعترض طريقه، وهي اختبار حقيقي للإرادة والإيمان، إذ تبدو قيمتها الناصعة كلما ازدادت الضغوط وتعاظمت التضحيات، لأن فالشخص المستقيم بحق هو من يستمر في مساره القويم مهما كلفه ذلك من مشاكل ومتاعب في ماله أو جسده أو علاقاته، مؤثراً رضا الحق والوفاء بالعهد على الراحة والدعة، لتكون عاقبة ثباته دوام الأثر وعظيم أجر الصابرين.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول في محاضرته:
(ليس معنى الاستقامة أن يكون الإنسان مواصلاً الاستقامة لفترة ثم يترك، فهذه لا يطلق عليها اسم الاستقامة. بل تقال بالنسبة لمن يواصل وإلى الأخير، فهذه هي الاستقامة، مهما كلّفت للشخص المستقيم من مشاكل).
الاستقامة تبدو اليوم وغداً، وفي كل زمان ومكان، كواجب إيماني ومسؤولية أخلاقية شاملة تنطبق على كل مؤمن ومؤمنة، دون استثناء أو تمييز، إنها مسار يتساوى فيه الجميع، من الشاب الطموح إلى الكبير المجرب، ومن العالم والموظف إلى العامل والغني والفقير، فلكل فرد موقعه ودوره في تجسيد هذا الثبات على طريق الحق والفضيلة، من خلال الإخلاص في العمل، والتزام الأمانة، ونصرة المبادئ السامية.
وتكتسب هذه الاستقامة أسمى معانيها عندما تكون مخلصة في سبيل الله تعالى، وسيراً على هدى رسوله الكريم صلى الله عليه وآله، واقتفاءً لأثر عترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين؛ لتكون نهج حياة يضمن صلاح الفرد والمجتمع واستمرار جذوة الحق متقدة عبر الأجيال.
حيث يقول سماحة المرجع الشيرازي:
(هكذا يجب الاستقامة اليوم، وغداً، وفي كل مكان، لكل مؤمن ومؤمنة، ولكل شاب وكبير، ولكل عالم، وموظّف وعامل، ولكي غني وفقير، أي الاستقامة في سبيل الله تعالى وفي سبيل رسول الله صلى الله عليه وآله، وفي سبيل أهل بيته، عترته الطاهرة صلوات الله عليهم أجمعين).
وهناك صلة وثيقة بين الالتزام والاستقامة، فكلاهما يعنيان السلوك القويم والتفكير السليم، لأن الالتزام الراسخ بتعاليم الدين الإسلامي الحنيف، والتمسك المخلص بهدي القرآن الكريم ونهج العترة الطاهرة صلوات الله عليهم، يمثل الجوهر الحقيقي للإيمان الواعي والعقيدة السليمة، غير أن هذا السلوك الإيماني ليس ادعاءً مجرداً، بل هو مسار عملي يترتب عليه تكاليف واستحقاقات شتى، قد تتفاوت بين كبير وصغير، وقليل وكثير، وفقاً لظروف المرء.
التضحية بالرغبات الشخصية
وقد يتمثل هذا الثمن في مواجهة التحديات الاجتماعية، أو التضحية بالرغبات الشخصية، أو تحمل الضغوط في سبيل المبدأ. ولذا، يتوجب على المؤمن والمؤمنة الصبر والتحمل بثبات وطيب خاطر، مدركين أن التضحية في طريق الحق هي الضريبة الطبيعية لارتقاء النفس، وأن العاقبة المحمودة والأجر الجزيل دائماً لمن ثبت وصبر.
حيث يؤكد سماحة المرجع الشيرازي على:
(إنّ الالتزام هو من الدين الإسلامي الحنيف، والالتزام باتّباع القرآن الكريم والعترة الطاهرة صلوات الله عليهم، لا بد وأنّه يكلف المرء بعض الشيء، كبيراً أو صغيراً، وقليلاً أو كثيراً، وعليه أن يتحمّل).
وفي عصرنا الراهن، يواجه المؤمنون والمؤمنات أشكالاً متزايدة من المآسي والضغوط والمشاكل، سواء كانوا يعيشون في البلاد الإسلامية أو في بلاد الغربة وغير الإسلامية، وأمام هذه التحديات القاسية، يتأكد واجب الصبر وتحمل المشاق والمواصلة الثابتة على طريق الاستقامة دونما انكسار أو تراجع.
إن الثبات على الحق وسط الأزمات هو الشق العملي للصدق في الإيمان، والذي يرفع العبد إلى مراتب المسلمين الصادقين والمؤمنين الصالحين الذين يعيشون في رحاب الرعاية الإلهية. وإن أثر هذا الصمود لا يقف عند حدود الدنيا، بل ينثمر طمأنينة وسكينة يفيضها الله على قلوبهم، لتتنزل عليهم الملائكة بالبشارة الخالدة: ألا تخافوا مما أمامكم من أهوال، ولا تحزنوا على ما فاتكم، ولكم الجنة التي كنتم توعدون.
سماحة المرجع الشيرازي دام ظله يقول:
(على المؤمنين والمؤمنات، في يومنا، وفي المآسي والمشاكل التي يعانونها، في البلاد الإسلامية وغير الإسلامية، أن يتحمّلوا ويواصلوا الاستقامة، حتى يكونوا من المسلمين الصادقين، ومن المؤمنين الصالحين الذين تنزل الملائكة عليهم، وتبشّرهم بأن لا تخافوا ولا تحزنوا).
ختاماً، تبقى الاستقامة الثابتة على نهج القرآن الكريم والعترة الطاهرة هي الميزان الحقيقي للإيمان الصادق، كما أن التمسك بالحق يتطلب صبراً وتحملاً لمختلف التحديات والمتاعب في كل زمان ومكان، والإنسان الذي يواصل طريق الاستقامة بثبات وإخلاص ودونما توقف حتى النهاية، يُكتب في عليين مع الصالحين، ويحظى بالبشرى الإلهية والطمأنينة التي تنزلها الملائكة على قلوب الأوفياء لعهدهم مع الله تعالى.