الزيدي بين فرصة التغيير وقيود الإطار التقليدي
مصطفى ملا هذال
2026-05-30 03:26
يمثل رئيس مجلس الوزراء علي فالح الزيدي حالة مختلفة نسبيا في المشهد السياسي العراقي، فهو لم يأت من المسار الحزبي التقليدي المعروف بقدر ما برز من خلفية اقتصادية ومصرفية وإدارية، الأمر الذي جعل كثيرين ينظرون إليه بوصفه محاولة لإنتاج نموذج "تكنوقراطي" داخل نظام سياسي أنهكته الصراعات والمحاصصة.
لكن هذه الفرصة نفسها تبدو محاطة بأسئلة كبيرة أهمها: هل يستطيع الزيدي أن يغيّر فعلا، أم أنه سيكون امتدادا للقوى التقليدية التي جاءت به؟
يمتلك الزيدي عناصر تمنحه أفضلية مقارنة بشخصيات سياسية سابقة، فالرجل قادم من بيئة مالية ومصرفية، إلى جانب خبرة في إدارة مؤسسات اقتصادية وتجارية، وفي بلد يعاني من أزمات اقتصادية مزمنة وارتفاع البطالة، واعتماد شبه كامل على النفط، تبدو الخلفية الاقتصادية أكثر أهمية من الخطابات السياسية التقليدية.
في الوقت الذي سئم فيه العراقيون من الشعارات الرنانة على مدار العقدين الماضيين، فهم اليوم لا ينتظرون شعارات كبرى بقدر ما يبحثون عن إدارة فعالة للدولة، ولذلك فإن شخصية مثل الزيدي قد تملك فرصة حقيقية إذا ركزت على الملفات الاقتصادية والخدمية بدل الدخول في الاستقطابات السياسية المعتادة.
فنجاح أي حكومة عراقية مستقبلا يمكن ان يُقاس بقدرتها على توفير فرص العمل، وتنشيط الاستثمار، فضلا عن تقليل الفساد وتحسين الخدمات الأساسية.
لكن المشكلة الأساسية لا ترتبط بشخص الزيدي وحده، لكن في البيئة السياسية التي أوصلته إلى السلطة، فقد جاء نتيجة توافق داخل قوى الإطار التقليدي، وهي قوى تمتلك نفوذا واسعا داخل مؤسسات الدولة، ومن الصعب أن تسمح بأي تغيير جذري قد يهدد مصالحها أو يقلل من هيمنتها.
لهذا يخشى كثيرون أن يتحول إلى مجرد "مرشح تسوية" يدير التوازنات السياسية بدل قيادة مشروع إصلاحي حقيقي.
كما أن خطابه الأول لم يبتعد كثيرا عن اللغة التي اعتاد العراقيون سماعها منذ سنوات، فقد ركز على مكافحة الفساد دعم الاقتصاد، وتحسين الخدمات الى جانب حماية الدولة، ورغم أهمية هذه العناوين، الا ان تكرارها المستمر يجعل الشارع يتعامل معها بحذر وتشكيك، لأن الحكومات السابقة رفعت الشعارات ذاتها دون نتائج ملموسة، لذلك فإن التحدي الحقيقي أمام الزيدي يكمن في قدرته على اتخاذ قرارات مختلفة تكسر النمط التقليدي في الإدارة والحكم.
هناك أيضا عامل آخر يزيد من صعوبة مهمته، وهو أن أي رئيس حكومة في العراق يبقى محاصرا بشبكة معقدة من المصالح الحزبية والاقتصادية، وحتى لو امتلك رغبة فعلية في الإصلاح، فإن مساحة حركته ستظل مرتبطة بمقدار الدعم أو الضغط الذي تمارسه القوى السياسية التي منحته المنصب، وهذا ما جعل كثيرا من رؤساء الحكومات السابقين يبدؤون بمشاريع إصلاحية ثم ينتهون أسرى للتوافقات والمحاصصة.
ومع ذلك فإن الظروف الحالية قد تمنح الزيدي نافذة مختلفة، فالعراق يمتلك إمكانات مالية كبيرة، كما أن المزاج الشعبي بات أكثر وعيا وأقل صبرا تجاه الفشل الحكومي، وإذا تمكن من استثمار خلفيته الاقتصادية في بناء مؤسسات أكثر كفاءة، وإعطاء الأولوية للإدارة بدل الصراع السياسي، فقد ينجح في تقديم نموذج مختلف نسبيا، حتى وإن لم يكن تغييرا جذريا.
تبدو تجربة رئيس الحكومة الحالي معلقة بين احتمالين متناقضين: إما أن يكون رجل اقتصاد استطاع توظيف خبرته لإدارة الدولة بطريقة أكثر واقعية وفعالية، أو أن يتحول إلى نسخة جديدة من رؤساء الحكومات الذين قيدتهم القوى التقليدية وأفقدتهم القدرة على التغيير، وبين هذين الاحتمالين، يبقى الفيصل الحقيقي هو ما ستنتجه الأفعال لا ما تعد به الخطابات.