نموذج الدولة النبوية وحكام اليوم
رؤى من أفكار الإمام الشيرازي
شبكة النبأ
2026-08-10 03:24
(إن الحكومة النبوية لم تكن حكومة جباية وتضييق، بل كانت ترفع الأغلال عن الناس)
الإمام الشيرازي
يرى العلماء المهتمون في قضايا الدول وشؤونها بأن الإدارة النبوية للدولة هي النموذج الأسمى والحكيم لحكم الشعوب، إذ أنها جمعت بين التوجيه الإلهي والرشد البشري، وأرست دعائم دولة قائمة على العدل المطلق والرحمة والشفافية. لقد اعتمد النبي صلى الله عليه وآله منهجاً شاملاً يوازن بين بناء الفرد وتنظيم المجتمع، حيث تُعد صحيفة المدينة أوّل وثيقة دستور مدني أقرّت مفهوم المواطنة والتعددية وحرية الاعتقاد، وضمنت حماية الحقوق للجميع دون تمييز عرقي أو ديني.
وتتجلى عبقرية هذه الإدارة في ترسيخ مبدأ الشورى كأصل ثابت في اتخاذ القرارات المصيرية، الأمر الذي قضى على الاستبداد وعزز روح المشاركة والمسؤولية الجماعية، كما اتسم التخطيط النبوي بالمرونة العالية والواقعية الشديدة، فجمع بين الحزم في حماية الدولة وإقامة العدل، والرفق واللين في التعامل مع كافة أطياف الرعية، مما أثمر استقراراً وتماسكاً اجتماعياً فريداً.
وتُعدّ الإدارة النبوية الأسلوب الأمثل والأكمل للسياسة والحكم لأنها لا تقتصر على تنظيم السلطة وإدارة الموارد المادية فحسب، بل تتجاوز ذلك لتبني منظومة أخلاقية متكاملة تربط الحاكم والمحكوم بعقد أمانة ومحاسبة، وهذا التوازن الدقيق بين المبادئ والمصالح، وبين الدين والدنيا، يجعل المنهاج النبوي نموذجاً خالداً وصالحاً لكل زمان ومكان، وقادراً على تحقيق الكرامة الإنسانية والأمن والمساواة لكافة شعوب الأرض.
الإمام الراحل، آية الله العظمى، السيد محمد الحسيني الشيرازي (رحمه الله) تطرق لمواصفات الدولة النبوية في العديد من مؤلفاته القيمة ومنها ما ورد في كتاب (الصياغة الجديدة لعالم الأمن والحرية والسلام) وكتاب الشورى في الإسلام، وكتاب (السبيل إلى إنهاض المسلمين) حيث يقول في هذا الشأن:
(إن الإدارة النبوية للدولة تُعدّ الأسلوب الأمثل والأكمل لحكم الشعوب، وتستند إلى أصول شرعية وإنسانية قادرة على علاج أزمات الحكم المعاصر إذا ما استلهمها الحكام المسلمون اليوم).
أما اعتماد مبدأ الشورى في الحكم، فهو يهدف بالدرجة الأولى المشاركة الجماعية والفعالة في إدارة شؤون الشعب، والسماح للغالبية العظمى في إصدار القرارات والمشاركة الحقيقية فيها، مما يمنح هذه القرارات الشرعية وتكون الأقدر على حل المشكلات لأن الناس أنفسهم وضعوا أو شاركوا بالنصوص التنظيمية والإدارية بما يحقق لهم مصالحهم.
قضاء الدولة على الفساد والاستبداد
وهذه طريقة تطرد الاستبداد، وتمنع قمع الناس، وترفض وضعهم تحت قوانين الاستبداد الصارمة دونما وجه حق، وبهذا فإن الدولة النبوية التي اعتمدت مبدأ الشورى، سمحت لجميع الناس بالمشاركة، ومنعت عنهم فرض القرارات الظالمة، بل أتاحت لهم مشاركة حقيقية في إدارة الدولة، وجعلت المساواة بين الجميع مسارا ومعيارا بين الناس.
الإمام الشيرازي يقول حول هذا الموضوع:
(إن دولة النبي صلى الله عليه وآله قامت بالدرجة الأولى على مبدأ السلم والاستشارية والتسامح المطلق، حيث أدار المجتمع الإسلامي الأول برحمة واسعة جعلت القلوب تتألف حوله قبل القوانين والتشريعات، وقد أنهى النبي صلى الله عليه وآله معالم الاستبداد والطبقية، وسعى إلى بناء دولة القانون التي تتساوى فيها الرعية أمام الحقوق والواجبات دون فرق بين حاكم ومحكوم أو عربي وأعجمي).
ومما عُرِف عن الحكومة النبوية أنها لم تكن سلطة جباية تسعى لمراكمة الأموال، ولا أداة تضييق تقيد تطلعات البشر، بل قامت على فلسفة إصلاحية عميقة جوهرها رفع الأغلال والإصر التي أثقلت كاهل الناس لقرون، حيث أطلقت هذه الدولة الرشيدة الطاقات في المجتمع، فمنحت الأفراد حرية كاملة في ممارسة التجارة الشريفة بعيداً عن الاحتكار، وحثت على العمران واستصلاح الأرض.
كذلك كفلت الدولة النبوية حرية التعبير وشجعت الجميع على المشورة المسؤولة لكي تمنح العقول القدرة على العطاء، وأمنت حربة التنقل بلا قيود أو ظلم بسبب المصالح أو المنافع، ولهذا شكلت نموذجاً إنسانياً فريداً جعل من السلطة خادماً للمجتمع، ووسيلة لتحقيق كرامته وعدالته وسعادته، لا سيفاً مسلطاً على ارزاقه وحرياته.
حيث يقول الإمام الشيرازي:
(إن الحكومة النبوية لم تكن حكومة جباية وتضييق، بل كانت ترفع الأغلال والإصر عن الناس، وتمنحهم حرية التجارة، والعمران، والتعبير، والتنقل، وتلغي الضرائب الجائرة والمكوس، مما أدى إلى ازدهار اقتصادي سريع واستقرار اجتماعي فريد).
من هنا يمكن للحكام المسلمين اليوم تحويل الشورى من شعارٍ نظري إلى ممارسة مؤسسية فعالة، وذلك بالاقتراب من النموذج النبوي الذي أدار الدولة بالشراكة العقلية والوجدانية مع الأمة، لذا فإن الاستفادة الحقيقية تتجلى في إيجاد مجالس نيابية وهيئات رقابية مستقلة تعبر بصدق عن إرادة الشعوب، مع فتح فضاءات حرية التعبير وحماية حق المساءلة والنقد البناء.
ويتطلب هذا الانتقال مغادرة عقلية الهيمنة والتفرد بالرأي لصالح الاستفادة من الكفاءات والخبرات الوطنية، وإشراك المجتمع المدني في صناعة القرار والتخطيط الاستراتيجي، إن منح الأمة حقها الأصيل في إدارة شؤونها يرسخ العدالة الاجتماعية، ويدعم الاستقرار السياسي المستدام، ويعيد بناء الثقة بين الحاكم والمحكوم بعيداً عن القمع والإقصاء.
الإمام الشيرازي يقول في هذا الصدد:
(إن الاستفادة الحقيقية للحكام المسلمين اليوم من هذه السيرة العطرة تكمن في التطبيق العملي لمبدأ "الشورى" وفتح المجال للأمة لتشارك في إدارة شؤونها، بدلاً من التفرد بالرأي والقمع السياسي).
اقتفاء الأثر النبوي في إدارة الدولة
ولهذا نستطيع القول بأن القادة المعاصرين يمكنهم اقتفاء الأثر النبوي في العفو والرفق عبر تبني الدبلوماسية الوقائية وإصلاح الأنظمة القضائية لتكون أدوات العدالة الناجزة والرحمة، وليس القمع والترهيب، كما أن تغليب الحوار والمصالحة الوطنية الشاملة على خيارات البطش والملاحقات الأمنية يطوي صفحات النزاع ويصون السلم الأهلي، كما تجسد في عفو النبي الكريم صلى الله عليه وآله عن مخالفيه يوم فتح مكة.
إن البديل الحقيقي للسجون والتضييق يكمن في استيعاب الطاقات، وتوفير منافذ التعبير السلمي، واعتماد الرفق كمنهج إدارة يتسع للاختلاف ويداوي الاحتقان الاجتماعي. فالعدل القائم على التسامح لا يضعف السلطة، بل يرسخ مشروعيتها الأخلاقية، ويبني مجتمعات متماسكة تقوم على الثقة والولاء المؤسسي الفعال.
لهذا يطالب الإمام الشيرازي قائلا:
(على القادة المعاصرين اقتفاء أثر النبي في اعتماد سياسة العفو والرفق، وتجنب العنف والملاحقات الأمنية والسجون).
وهنا يبرز أمامنا السؤال التالي: هل يمكن المسلمين استعادة موقع الريادة والتقدم الحضاري، وأن هذا الهدف ليس حلمًا مجردًا، بل رهينة بإعادة إحياء جوهر "الحكومة النبوية" وتطبيق معالمها الحاكمة، حيث تتجسد هذه العودة في إقامة العدل الشامل الذي لا يفرق بين قوي وضعيف، وتأمين الحريات المشروعة التي تطلق طاقات الأفراد لبناء المجتمع.
كما تتطلب هذه الاستعادة توفير الرفاه الاقتصادي عبر محاربة الفساد وتحقيق تكافؤ الفرص، وتكريس المساواة والكرامة الإنسانية بعيداً عن التمييز الطبقي، لأن التمسك بهذه الركائز هو السبيل الوحيد لتشييد نهضة إسلامية معاصرة تنطلق من روح العدالة، وتستعيد بها الأمة مكانتها المرموقة بين شعوب العالم، لتسهم بفاعلية واقتدار في صنع الحضارة وخدمة الإنسانية جمعاء بروح العصر ومتطلبات المستقبل المشرق الواعد.
لهذا يقول الإمام الشيرازي:
(إن عودة المسلمين للريادة والتقدم مرهونة باستعادة معالم "الحكومة النبوية" القائمة على العدل الشامل، وتوفير الحريات المشروعة، والرفاه الاقتصادي، والمساواة، لأن المنهج النبوي ليس مجرد تاريخ يُروى، بل هو مشروع إداري متكامل وصالح لجميع الأزمنة لبناء دول قوية ومستقرة).
إذن لا تزال هناك فرصة كبيرة أمام الحكام المسلمين وحكام العالم أجمع، لكي يستفيدوا من نموذج الدولة النبوية، وكيف كانت تقوم على مرتكزات أساسية مهمة وكبيرة، وهي العدل، والعفو واللين والتسامح وحرية الرأي والمساواة وكل القيم الصحيحة النبيلة التي تجعل من الدولة، قوية مستقرة متوازنة وعادلة في نفس الوقت، لهذا على الحكام أن يبذلوا قصارى جهودهم لدراسة الدولة النبوية بعمق وجدية والاستفادة من هذا النموذج الصالح والحي للحكم الرشيد.