هل فشلت الولايات المتحدة في هزيمة التضخم؟
خمس سنوات فوق هدف الاحتياطي الفيدرالي تعيد فتح الجدل حول حدود الفائدة ومستقبل الإنتاجية
محمد مهدي صالح
2026-08-30 03:45
بعد أكثر من خمس سنوات على بدء الموجة التضخمية التي أعقبت جائحة كورونا، لم تعد المشكلة في الاقتصاد الأمريكي مرتبطة بارتفاع استثنائي ومؤقت للأسعار بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الدولة الأكثر تأثيراً في النظام المالي العالمي على إعادة التضخم إلى المستوى الذي تعتبره مستقراً. فالاحتياطي الفيدرالي حدد هدفاً يبلغ 2%، واستخدم أسعار الفائدة أداة رئيسية للوصول إليه، إلا أن يوليو/تموز 2026 سجل الشهر الخامس والستين على التوالي الذي بقي فيه التضخم فوق هذا المستوى، بعدما ارتفع مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي إلى 3.7% على أساس سنوي، فيما استقر المؤشر الأساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، عند نحو 3.3%، وهي أرقام تجعل الحديث عن انتهاء معركة التضخم سابقاً لأوانه، حتى مع ابتعاد الولايات المتحدة عن معدلات الارتفاع الحادة التي شهدتها في السنوات الأولى من الأزمة.
المشكلة لا تكمن في أن السياسة النقدية لم تحقق أي نتيجة، لأن التضخم لم يعد عند المستويات التي أثارت المخاوف من فقدان السيطرة على الأسعار، كما أن الاقتصاد الأمريكي استطاع تجنب ركود واسع كان كثيرون يتوقعونه نتيجة التشديد النقدي، وإنما تكمن في أن الانخفاض لم يصل إلى النقطة التي يستطيع عندها الاحتياطي الفيدرالي إعلان استعادة استقرار الأسعار. وهذا الفارق بين خفض التضخم والقضاء على التضخم المرتفع يمثل جوهر النقاش الحالي، إذ يمكن اعتبار السياسة الأمريكية ناجحة في منع السيناريو الأسوأ، لكنها تبدو أقل نجاحاً إذا كان معيار التقييم هو تحقيق الهدف الرسمي البالغ 2% خلال فترة زمنية معقولة، خصوصاً أن استمرار تجاوز الهدف لأكثر من خمس سنوات يهدد بجعل معدلات أعلى من التضخم جزءاً مألوفاً من توقعات الأسر والشركات والأسواق.
هذا التقييم لم يعد مقتصراً على منتقدي البنك المركزي، إذ وضع رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش المؤسسة نفسها في قلب المسؤولية عندما قال في خطابه أمام ندوة جاكسون هول إن مسؤولية 65 شهراً من التضخم المرتفع تقع على البنك المركزي، مؤكداً أن استقرار الأسعار لا يتحقق بصورة تلقائية، وأن مهمة الفيدرالي هي الوصول إليه، كما شدد على أن هدف 2% ثابت وليس رقماً يمكن التراجع عنه عندما تصبح كلفة الوصول إليه مرتفعة. أهمية موقف وورش لا تأتي من اعترافه باستمرار المشكلة فحسب، وإنما من أنه يعيد تعريف معيار النجاح بعد مرحلة بدت فيها الأسواق وكأنها اعتادت بقاء التضخم أعلى من الهدف طالما ظل الاقتصاد ينمو ولم تظهر أزمة بطالة واسعة.
لكن المسؤولية التي وضعها وورش على البنك المركزي تواجه تعقيداً إضافياً يتعلق بتوقيت استخدام الفائدة وحدودها. ففي اجتماع يوليو/تموز أبقى الاحتياطي الفيدرالي سعر الفائدة ضمن نطاق 3.50% إلى 3.75%، رغم مطالبة ثلاثة أعضاء في لجنة السوق المفتوحة برفعها بمقدار ربع نقطة مئوية، وهو انقسام يعكس اختلافاً أعمق بشأن مقدار الضغط الذي يستطيع الاقتصاد تحمله. فالولايات المتحدة لا تواجه تضخماً فقط، وإنما تواجه أيضاً تكاليف اقتراض حكومية مرتفعة وأسواق سندات حساسة وأسعار مساكن وتمويل تضغط على المستهلكين، إضافة إلى حاجة الشركات إلى رؤوس أموال ضخمة لتمويل موجة الاستثمار في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ولذلك فإن كل زيادة إضافية في الفائدة تحمل معها كلفة اقتصادية ومالية تتجاوز مجرد خفض الإنفاق الاستهلاكي.
مع ذلك، أعاد خطاب جاكسون هول في 28 أغسطس/آب احتمال رفع الفائدة إلى الواجهة، بعدما أكد وورش أن الاحتياطي الفيدرالي ستكون لديه مهمة إضافية إذا لم يكن مقتنعاً بأن التضخم يتحرك بوضوح وبسرعة كافية نحو 2%. الأسواق التقطت الرسالة سريعاً، وارتفعت احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع سبتمبر من نحو 35% قبل الخطاب إلى قرابة 57% بعده، كما ارتفع عائد سندات الخزانة الأمريكية لأجل عامين، وهو ما يعكس تحول المستثمرين نحو الاعتقاد بأن البنك المركزي قد يكون مضطراً إلى العودة إلى التشديد بعد أشهر من التردد. هذه الاستجابة تكشف أن السؤال لم يعد متعلقاً بقدرة الفيدرالي التقنية على رفع الفائدة، وإنما بحجم الكلفة التي سيكون مستعداً لقبولها من أجل استعادة مصداقية هدف التضخم.
غير أن تحميل السياسة النقدية المسؤولية الكاملة يتجاهل تغير طبيعة الضغوط السعرية التي واجهتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة. فالفائدة تستطيع تقليص الطلب على المنازل والسيارات والقروض والاستثمار، لكنها لا تستطيع إنتاج النفط أو فتح طرق التجارة أو إنهاء الحروب أو إلغاء الرسوم الجمركية أو زيادة الطاقة الإنتاجية للمصانع. وقد جاء جزء من عودة الضغوط التضخمية خلال 2026 في ظل ارتفاع أسعار الطاقة المرتبط بالصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب تعريفات جمركية جديدة رفعت تكاليف بعض الواردات، بينما استمر الإنفاق والنشاط الاقتصادي عند مستويات قوية نسبياً، وهو ما خلق مزيجاً من تضخم الطلب وتضخم التكلفة يصعب التعامل معه بأداة واحدة.
وهنا تظهر مفارقة السياسة الاقتصادية الأمريكية، إذ يحاول البنك المركزي تخفيض الطلب عبر إبقاء تكلفة المال مرتفعة، بينما تستطيع السياسات التجارية والمالية في الوقت نفسه خلق ضغوط جديدة على الأسعار. فعندما ترتفع الرسوم على الواردات، تنتقل أجزاء من التكلفة إلى الشركات والمستهلكين، وعندما ترتفع أسعار الطاقة نتيجة التوترات الجيوسياسية، تصبح تكاليف النقل والإنتاج والخدمات أعلى، وعندها قد يؤدي رفع الفائدة إلى إضعاف الاقتصاد من دون معالجة المصدر الأصلي للزيادة في الأسعار. ومن هذه الزاوية لا تبدو أزمة التضخم نتيجة خطأ واحد يمكن تصحيحه بقرار واحد، وإنما نتيجة تداخل بين السياسة النقدية والسياسة التجارية والجغرافيا السياسية وهيكل الاقتصاد الأمريكي نفسه.
المفارقة الثانية أن الاقتصاد لم يدخل في حالة ضعف تتناسب مع طول فترة التشديد النقدي، بل أظهرت البيانات استمرار قوة الإنفاق والاستثمار التجاري، مع دور متزايد للاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، في حين أشارت تقديرات إلى إمكانية تحقيق نمو يقارب 3% في الربع الثالث من 2026 بعد نمو بلغ 1.5% في الربع الثاني. قوة النشاط توفر حماية لسوق العمل والشركات، لكنها تجعل مهمة خفض التضخم أكثر تعقيداً، لأن الاقتصاد الذي يواصل توليد الدخل والاستثمار والطلب يستطيع تحمل فائدة مرتفعة لمدة أطول، وفي الوقت نفسه يحتفظ بقدر من الضغط الصعودي على الأسعار. ومن ثم يمكن قراءة ما حدث خلال السنوات الماضية باعتباره محاولة لإبطاء التضخم من دون دفع الاقتصاد إلى ركود حاد، وهي محاولة حققت جانباً من أهدافها لكنها أطالت الطريق نحو 2%.
في هذا السياق أدخل وورش متغيراً مختلفاً إلى النقاش عندما تحدث عن الذكاء الاصطناعي باعتباره عاملاً جديداً محتملاً من عوامل الإنتاج، مشيراً إلى تدفقات متزايدة من رأس المال نحو البنية التحتية المرتبطة به، ومستخدماً تعبيراً يقارن سرعة التطور بما يشبه نسخة فائقة من «قانون مور». القانون الذي ارتبط تاريخياً بصناعة أشباه الموصلات يقوم على ملاحظة أن عدد الترانزستورات في الدوائر المتكاملة يمكن أن يتضاعف تقريباً كل عامين مع زيادة محدودة في التكلفة، وهي عملية جعلت القدرة الحاسوبية أكبر وأرخص بمرور الزمن وأسهمت في بناء الاقتصاد الرقمي الحديث.
الأهمية الاقتصادية لهذه المقارنة تتجاوز صناعة الرقائق، لأن إحدى الطرق المستدامة لخفض الضغوط التضخمية لا تقوم على خفض الطلب وإنما على زيادة قدرة الاقتصاد على الإنتاج. فإذا استطاع الذكاء الاصطناعي رفع إنتاجية العامل والشركة، وتقليل الوقت والكلفة اللازمة لإنتاج الخدمات والسلع، فقد يصبح الاقتصاد قادراً على تحقيق نمو أسرع من دون توليد النسبة نفسها من التضخم، وهو مسار يختلف جذرياً عن الاعتماد شبه الكامل على أسعار الفائدة. لكن هذه النتيجة ليست مضمونة، لأن بناء مراكز البيانات وشبكات الكهرباء ومصانع الرقائق والبنية التحتية الرقمية يحتاج في المرحلة الأولى إلى استثمارات ضخمة وطاقة وعمالة ومعدات، وقد يؤدي إلى زيادة الطلب قبل أن تظهر مكاسب الإنتاجية بصورة واسعة.
لذلك فإن الرهان على التكنولوجيا لا يلغي السياسة النقدية، كما أن رفع الفائدة لا يستطيع أن يحل بمفرده مشكلات جانب العرض. الاقتصاد الأمريكي بات يتحرك بين قوتين متعاكستين؛ الأولى تضغط لرفع الأسعار عبر الطاقة والتجارة وقوة الطلب والاستثمارات الهائلة، والثانية يمكن أن تخفض كلفة الإنتاج مستقبلاً إذا تحولت طفرة الذكاء الاصطناعي إلى مكاسب إنتاجية حقيقية. ومن هنا يصبح التحدي أمام الاحتياطي الفيدرالي أكثر تعقيداً من حساب النسبة المناسبة للفائدة، لأن التشديد المفرط قد يحد من الاستثمارات التي تستطيع زيادة الإنتاجية، بينما التساهل المفرط يمكن أن يسمح للتضخم بالاستقرار عند مستويات أعلى من الهدف.
القول إن الولايات المتحدة فشلت تماماً في مواجهة التضخم يتجاهل أنها استطاعت خفضه من ذروته والحفاظ على نمو اقتصادي وتجنب أزمة بطالة واسعة، لكن وصف التجربة بالنجاح الكامل يتعارض بدوره مع بقاء مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفيدرالي عند 3.7% بعد 65 شهراً متتالياً فوق الهدف. الصورة الأقرب إلى الواقع هي أن واشنطن حققت نجاحاً في احتواء الأزمة من دون أن تحسمها، وأن هذا النجاح الجزئي جاء بثمن تمثل في فترة طويلة من الفائدة المرتفعة وتكاليف الاقتراض وعدم اليقين، من دون الوصول حتى الآن إلى استقرار سعري كامل.
المرحلة المقبلة ستحدد ما إذا كانت تلك السنوات مجرد الطريق الطويل نحو عودة التضخم إلى 2%، أم أنها كشفت تغيراً أعمق في طبيعة الاقتصاد يجعل الوصول المستدام إلى الهدف أصعب مما كان عليه في العقود السابقة. فإذا تراجعت أسعار الطاقة والضغوط التجارية بالتزامن مع ارتفاع الإنتاجية، يمكن للاحتياطي الفيدرالي أن يحقق هدفه من دون اللجوء إلى تشديد شديد، أما إذا استمر التضخم قرب مستوياته الحالية رغم قوة الفائدة، فقد تضطر الولايات المتحدة إلى قبول كلفة اقتصادية أكبر أو إعادة النظر في المزيج الكامل للسياسات التي تستخدمها لمواجهة ارتفاع الأسعار.
ولا تختصر التجربة الأمريكية في قرار رفع الفائدة أو خفضها، لأن معركة التضخم أصبحت مرتبطة بالطاقة والتجارة والإنتاجية والديون والاستثمار والتكنولوجيا بقدر ارتباطها بالبنك المركزي. وبعد أكثر من خمس سنوات من تجاوز الهدف، لا تبدو الولايات المتحدة أمام انهيار في سياستها الاقتصادية بقدر ما تواجه حدود النموذج الذي اعتمد طويلاً على أسعار الفائدة باعتبارها الأداة الرئيسية لاستعادة استقرار الأسعار، في وقت يتحول فيه الاقتصاد بسرعة أكبر من قدرة أدوات السياسة التقليدية على مواكبته.