في ذكرى مولد الرحمة العالمية

محمد علي جواد تقي

2026-08-30 03:55

{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}.

كان يدعوهم الى الرشاد والصلاح والفلاح لما يفيدهم في أمر دنياهم قبل آخرتهم، وأن "تدين لهم العرب والعجم"، وأن يعيشوا حياة أجمل وأفضل، فكل شيء لهم، وليس له، ولكن! كانوا يرشقونه بالحجارة حتى كان يتوارى عنهم وهو محمّل بجراحاته، ثم يأوي الى ركن شديد ليسترجع أنفاسه، وتحين منه التفاتة الى السماء وهو يتمتم: "اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون".

أمام هذه الجملة انحنى العلماء والمؤرخون لحياة رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، ليستوعبوا مديات الرحمة النبوية في هذا الموقف من جملة مواقف اتخذها النبي الأكرم في الايام الاولى من دعوته الى التوحيد والى دين الإسلام، فهو لم يكتف أن يستغفر لمن ألحق به الأذى، كما فعل سائر الأئمة الأطهار من ذريته، عليهم السلام، مع افراد مجتمعاتهم، بل ويبحث لهم عن تبرير لأفعالهم، وهو الجهل؛ وهو مصيب جداً في هذا التقييم، فقد كان "شعارهم السيف ودثارهم الخوف"، وفق الوصف الدقيق لأمير المؤمنين، عليه السلام، ولعل ما استوقف علماء الغرب قبل الشرق من شخصية الرسول الأكرم، وسرّ نجاحه المميز بين جميع الشخصيات التي عرفتها البشرية هي هذه الخصلة تحديداً، وهذه الثقافة التي زرعها في أرض غارقة بدماء الثأر والحمية الجاهلية، فمن قبائل متناحرة، ومجتمع مسكون بالعنف والقسوة، الى قبائل وجماعات موحدة تحت راية الإسلام تدعو الى التوحيد والأخلاق والقيم الانسانية.

أين الرحمة؟!

إنه السؤال الكبير على لسان افراد الأمة في الوقت الحاضر، فكل الظواهر الدالة على الدين والتديّن موجودة، إلا الرحمة مفقودة في السلوك والأخلاق العامة، لاسيما عند صاحب المال والسلطة على وجه الخصوص، حتى أن علماء الاجتماع اتفقت كلمتهم على أن قسوة القلب والعنف عند البعض نتاج منهج تربوي خاص متأثر بظروف معينة جعلته أحد أهم الدروس للطفل داخل البيت، فيشبّ على هذه الخصلة، ثم يحملها الى المدرسة، وبعدها الى الجامعة، ومن ثمّ الى محيط العمل، وفي نهاية المطاف الى حيث مراكز القرار السياسي وحتى قيادة الدولة.

كل يوم تقرع اسماعنا اخبار مريعة عن حوادث قتل في العراق وفي سائر البلدان الاسلامية بسبب الاحتكام الى العنف لأتفه الاسباب، وانتشار السلاح بأيدي أشخاص لم يتعرفوا على الرحمة والشفقة والعفو والتسامح داخل بيوتهم قط، وبموازاة هذه الثقافة الشاذة، نلاحظ "العنف المُنظم"، والارهاب الرسمي من أنظمة الحكم التي وجدت أن لغة العصا والقسوة أبلغ من غيرها في إيصال ما يريده الحاكم الى الناس، وفي فترة لاحقة تم تعميم هذه الثقافة على الجميع في ظل تطورات نوعية كبيرة، كما حصل في عراق ما بعد 2003، عندما تسبب الاحتلال العسكري الاميركي من انتشار السلاح الخفيف والمتوسط بين افراد المجتمع، ولتكون معظم البيوت العراقية حائزة على قطعة سلاح واحدة أو اكثر بدعوى الدفاع عن النفس، في ظل هشاشة السلطة الجديدة وعجزها عن تطبيق عديد القوانين المفترض انها تحترم الانسان وتحفظ حياته وكرامته دون أن يتجشم عناء حمل السلاح ويتخذ من بيته ثكنة عسكرية.

هذا موجز لوصف الحال الموجود، يبقى السؤال الأكبر؛ ولماذا يجب ان نعاني من وجود القسوة والعنف والدموية ونحن ننتمي الى الإسلام، ونستذكر الرسول الأكرم في معظم اوقاتنا؛ في الصلوات، والاذكار، والزيارات، وهو تجسيد الرحمة والشفقة والودّ والحب؟!

المشكلة ليست وليدة اليوم والبارحة، إنما تعود الى الساعات الاولى من رحيل رسول الرحمة عن دار الدنيا، ولو أننا بصدد إحياء ذكرى مولد السعيد، بيد أن الدروس والعِبر هي القاعدة الأساس في علاقتنا بالمعصومين، عليهم السلام، فمنذ تلك اللحظات نسي المسلمون هذا المبدأ الانساني والحضاري العظيم، أو تناسوه، واكتفوا بالصلاة والصيام والحج، وسائر الطقوس الدينية والاحكام والتشريعات الاسلامية، لأن الرحمة في إحدى معانيها ومخرجاتها على أرض الواقع؛ أنها تتطلب العطاء المعنوي للآخر؛ من عفو، وتسامح، و ودّ، وهذا من شأنه التقاطع مع الطريق نحو الثراء والتسلّط والمناصب المرموقة، ويمكن ملاحظة البداية من الفئة المنافقة منذ صدر الإسلام التي حاولت خلط الدين بالمصلحة الشخصية، وأن انتصار الدين يعني "اليوم يوم الملحمة،اليوم تُسبى الحُرمة"! وأن لارحمة لمن قاتلنا وكان لنا عدواً، وهذه الثقافة المستمرة حتى اليوم، تتبناها فئات واشخاص كُثر في المجتمع الاسلامي.

انبعاث الرحمة من جديد

الحاجز النفسي العالي أمام البعض في ان يزرعوا بذرة الرحمة في قلوبهم؛ حبّ الأنا، فمن الطبيعي طغيان حب الأنا يغمر مشاعر الحب والودّ للآخرين ولا يترك له أثراً في السلوك الاجتماعي، وفي القرآن الكريم تأكيد لحقيقة وجودية بأن الرحمة ليست امراً مبتكراً، او انها من ابداعات شخص الرسول الأكرم بين قومه في مكة، بقدر ما هي صفة ربانية، والرحمة هي من صفات الله -عزّ وجلّ-، لذا جاء التذكير للنبي بأن {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنْ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}، والحقيقة الأخرى التي يكشف عنها القرآن الكريم لنا وللأجيال، بأن الرحمة مثل سائر النعم والمواهب والالطاف الإلهية نازلة الينا من السماء، بينما التفكير السلبي المنطلق من النفس الأمارة بالسوء، مثل غلظة القلب التي يشير اليها القرآن تحديداً فهي من نتاج الانسان، وتقع عليه مسؤولية معالجة هذا الفايروس القاتل قبل إن تسلل الى نفسه وقلبه ويتحول الى سلوك عملي.

من هنا نحن مدعوون لتجديد الانتماء الى تلك القيم الانسانية العظيمة التي بنى عليها النبي الأكرم صرح المجتمع والأمة بأكملها، إذ ما فائدة من انتمائي الى مجتمع يحمل اسم بلد معين على رقعة جغرافية، وله نظام سياسي معين، وحتى له دين وعادات وتقاليد، وأنا محاط بمشاعر مناقضة لكل مصاديق الرحمة! 

أمامنا تجارب الشعوب المتخطية ركام الحروب والصراعات الدموية بسبب العرق والقومية وما الى غيرها، التفتت بتمعّن الى قيمة الرحمة فصارت من الدول النامية والطامحة للتقدم والتطور، ولكم مثالاً قريباً من القارة الافريقية في دولة رواندا، حيث قرأت في احدى التقارير عن سر الاستقرار والنمو الاقتصادي فيها، وهو البلد الذي شهد اواسط التسعينات أبشع جرائم الابادة البشرية، حيث قتل حوالي نصف مليون انسان في غضون أشهر معدودة، وفي هذه التقارير جاء أن أطباء نفسيين ساهموا في تهدئة النفوس ومعالجة العُقد الناجمة من مشاهد الذبح والقتل بالجملة، وما اعقبه من تشكيل صور الثأر والعنف بالمقابل في الاذهان، فجاءت هذه البرامج الإصلاحية لتمحو آثار الماضي، رغم صعوبة الأمر بيد أنه يستحق العناء بشدّة، لأن عدم النجاح في هذا المشروع النهضوي يعني النجاح في المشروع الدموي الى ما لانهاية، وهذا ما لا يقبله عاقل.

إن العالم اليوم في ظل الحروب الطاحنة يتطلع الى مصدر الرحمة الانسانية التي توفر الأمان والسلم دون غيرها، وهي التي بشّر بها النبي الأكرم، صلى الله عليه وآله وسلم، ونحن نعيش هذه الايام ذكر مولده السعيد، فالمنظرون في معظم دول العالم ليس لديهم سوى التخطيط لشن الحروب، والتفكير في تطوير أدوات الموت لتحقيق مصالح اقتصادية وسياسية في هذا البلد او ذاك على وجه المعمورة، وأرى أن هذه بحد ذاتها تمثل مسؤولية حضارية موجهة الى كل مسلم ومسلمة في العالم بأن يؤكدوا حقيقة أن القسوة والعنف والدموية مصدرها الحكام وأهل السلطة، وليس من الدين الاسلامي بشيء مطلقاً، حتى وإن تقمّصت رداء الدين، فهي لا تعدو ظلاً لمؤسسات مخابراتية ومراكز ابحاث ودراسات تنتج حكام وقادة على غرار من رفع لواء الانتقام وسفك الدماء في فتح مكة (خالد بن الوليد)، وليسجل رسول الله الموقف التاريخي للإنسانية بأن انتزع اللواء منه وأعطاه الى الامتداد للرحمة النبوية والإلهية، وهو ليس سوى أمير المؤمنين، عليه السلام، الذي راح يردد بين طرقات مكة وبين المشركين ومن قاتله وأظهر العداء للإسلام بأن "اليوم يوم المرحمة، اليوم تُصان الحُرمة".

ذات صلة

القناعة وبناء الإنسان المتحرر من سلطان الدنياكيف يصنع التفكير السلبي أحكامنا قبل أن نعرف الآخرين؟التدخل بين الزوجين باسم النصيحة وصلة الرحمهل فشلت الولايات المتحدة في هزيمة التضخم؟الحاجة إلى محاكمات علنية وعاجلة