لا يزال يمكن للولايات المتحدة وإيران أن تتجنبا الحرب
مجموعة الازمات الدولية
2026-02-28 04:21
على مدى نحو خمسة عقود من العداء المتبادل، لم تكن الولايات المتحدة وإيران أقرب من وقوع حرب كبرى مما هما الآن؛ إذ يخاطر التصعيد بجعل أي سيناريو للصراع خطيراً على جميع المعنيين فيه. ثمة مسار ضيّق يفضي إلى تجنب نشوب الحرب، لكن الوقت أضيق.
عززت الولايات المتحدة، خلال الأسابيع الماضية، أصولها العسكرية في الشرق الأوسط، بما في ذلك إرسال أكبر قوة جوية إلى المنطقة منذ غزو العراق عام 2003. جميع هذه الطائرات القاذفة–المقاتلة، والسفن الحربية وبطاريات الصواريخ موجودة هناك لسبب واحد هو إجبار إيران على تقديم تنازلات فيما يتعلق ببرنامجها النووي وقدراتها العسكرية. إذا أخفق هذا الجهد، ونشب صراع، فستحدث المواجهة المسلحة الثانية بين الولايات المتحدة وإيران في أقل من عام. لكن على عكس ما جرى خلال التدخل العسكري الوجيز في حرب إسرائيل على إيران في حزيران/يونيو 2025 – الذي شمل ضربات جوية لمرة واحدة لثلاثة مواقع نووية، أعقبها بسرعة وقف لإطلاق النار – أغرقت واشنطن هذه المرة المنطقة بـأسلحة يمكن استعمالها في حملة أكبر وأكثر استدامة.
لا يزال من غير الواضح تحديد ماهية التنازلات التي يأمل البيت الأبيض بالحصول عليها من خلال دبلوماسية السفن الحربية التي ينتهجها. لقد دأب الرئيس الأميركي دونالد ترامب على تهديد السلطات الإيرانية منذ القمع الدموي الذي فرضته طهران على الاحتجاجات الجماهيرية في بداية العام. لكن في حين قامت قوات الدولة الإيرانية بسحق المظاهرات، على الأقل في الوقت الحاضر، فإن الولايات المتحدة استمرت في تصعيد تهديداتها، ومن خلال نشر أسلحتها، في تعزيز وسائل تنفيذ تلك التهديدات. لم يسعَ ترامب للحصول على تفويض من الكونغرس لشن أعمال عدائية جديدة ضد إيران، لكن ذلك لا يعني الكثير في وقت يتم فيه تجاهل المتطلبات الدستورية الأميركية لشن الحرب على نحو روتيني.
في هذه الأثناء، توسعت مطالب واشنطن، حيث يتحدث بعض المسؤولين الأميركيين عن احتواء برنامج إيران النووي ويتحدث آخرون عن كل شيء، بداية بتفكيك صواريخها البالستية، إلى تقليص رعاية وكلائها في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، إلى زعزعة استقرار النظام. لكن ثمة غموض يكتنف تحديد أي هذه المطالب لا بد من تحقيقها وأيها مجرد ضجيج، حتى بالنسبة للمسؤولين الشرق أوسطيين الذين لديهم الكثير مما يخسرونه إذا تقوَّض استقرار المنطقة بسبب حدوث مواجهة. وليس من الواضح تماماً إذا كان البيت الأبيض يعرف الحدود الدنيا التي وضعها هو نفسه للمطالب التي ينبغي تنفيذها. كما أنه ليس من الواضح مدى رغبة ترامب – الذي يظهر سجله تفضيلاً للحروب القصيرة التي يستطيع بسهولة تصويرها على أنها نجاحات – لصراع فوضوي ومكلف من شأنه أن ينفجر بسبب الأزمة الراهنة.
لكن ذلك بالتحديد هو ما قد يحصل عليه إذا لم يعثر المفاوضون بسرعة على مسارٍ يفضي إلى التوصل إلى اتفاق. وكما يخاطر البيت الأبيض بحشر نفسه في زاوية من خلال تصعيده المكلف والذي يحظى بتغطية إعلامية كبيرة ومطالبه المتزايدة، فإنه يحشر طهران أيضاً في زاوية، إذ قد لا يرى المسؤولون الإيرانيون الكثير مما يخسرونه في الرد على هجوم أميركي بضربة مؤلمة من شأنها تقويض هالة مناعة الولايات المتحدة وفرض كلفة سياسية كبيرة على ترامب.
يبدو أن الزخم المتولد يميل إلى المواجهة. لكن المسار الدبلوماسي لم يغلَق تماماً بعد، إذ من المزمع عقد جولة ثالثة وقد تكون حاسمة من المحادثات في 26 شباط/فبراير. يمكن للجانبين تحقيق مصالحهما من خلال صفقة تتعهد فيها إيران باستمرار تجميدها الراهن لتخصيب اليورانيوم، بينما تتم فيها معالجة تفاصيل ترتيبات طويلة الأمد، مقابل درجة من تخفيف العقوبات. يمكن أن تُكمَّل مثل هذه الصفقة بإجراءات غير نووية، مثل وضع حدود على مدى الصواريخ الإيرانية ونقلها إلى دول أخرى أو إلى جهات فاعلة من غير الدول، إضافة إلى تفاهم بعدم الاعتداء بين الطرفين. يمكن لمثل هذه الصفقة أن تثبّت الوضع الراهن في بعض الأوجه وأن تحقق اختراقات جديدة في أوجه أخرى. يمكن لهذه العناصر معاً أن تمنح الطرفين ما ما يحتاجانه للتراجع عن حافة الهاوية.
طريق العودة إلى أعتاب الحرب
لقد تغير الكثير منذ استكشف البيت الأبيض وطهران حدود اتفاق نووي جديد في نيسان/أبريل وأيار/مايو 2025. سارت تلك المفاوضات على نحو متقطع، حيث اقتصرت حدودها على الهواجس المتعلقة بعدم الانتشار واحتمالات تخفيف العقوبات. أما مسألة ما إذا كان بالإمكان ردم الفجوات فلم تعد ذات قيمة بسبب العمل العسكري الذي سبق عقد جولة سادسة من المحادثات. في 13 حزيران/يونيو، شنت إسرائيل حملة ضد مواقع عسكرية ونووية إيرانية، وكذلك على قادة عسكريين كبار، فيما بات يُعرف بحرب الاثني عشر يوماً. وقرب نهاية تلك العملية، انضمت الولايات المتحدة إلى عملية مطرقة منتصف الليل، فضربت أهدافاً نووية وادّعت (على حد تعبير ترامب) أنها ”أبادت" برنامج إيران النووي.
بعد حرب حزيران/يونيو، سمح شعور بأن الهواجس المباشرة لجميع الأطراف كانت قد عولجت سمح لها بالتراجع. على مدى ثمانية أشهر تقريباً، بدا أن إيران ملتزمة بمعيار صفر تخصيب – وهو الهدف الأميركي المعلن فيما يتعلق بقدرات طهران النووية. وكان توقفها الظاهري عن النشاط نتيجة الأضرار التي تعرضت لها منشآت التخصيب، إضافة إلى المخاطر الكبيرة المترتبة على اكتشاف البرنامج في حال إعادة إطلاقه. حتى نهاية عام 2025، بدا الطرفان مكتفيان بنتيجة لا اتفاق ولا حرب. لم يكن لدى أي منهما هاجس إستراتيجي مُلحّ بحيث يضغط لاستئناف المباحثات. كما لم يكن هناك سبب مباشر للعودة إلى الحرب.
لكن تحت السطح، استمرت المشكلات بالتفاعل. بالنسبة للولايات المتحدة وإسرائيل، أوجدت الحرب حالة من انعدام اليقين. منذ حزيران/يونيو 2025، لم تُجرَ عمليات تفتيش دولية على المواقع التي قُصفت. علاوة على ذلك، ورغم إدعاءات ترامب بالإبادة، لا أحد يعرف على وجه التأكيد مدى ما يمكن للجمهورية الإسلامية أن تحتفظ به من المواد الانشطارية التي كانت لديها قبل الحرب ومخزوناتها من أجهزة الطرد المتقدمة. في هذه الأثناء، كان هناك في إسرائيل هاجس متزايد بشأن إعادة تأهيل برنامج إيران للصواريخ البالستية، وكذلك قلق مستمر من قدرة طهران على دعم شبكتها التي أُضعفت، لكن لم تقهر، من الحلفاء من غير الدول في “محور المقاومة“.
بالنسبة لإيران، تحولت الحرب إلى حالة من الإجراءات الاقتصادية القسرية والعزلة الدبلوماسية، ولا سيما مع إعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر التي أطلقتها الأطراف الأوروبية الموقعة على الاتفاق النووي لعام 2015. مع تنامي الاستياء الشعبي، انتشر الخوف في طهران من أن إسرائيل والولايات المتحدة كانتا تسعيان لتعميق الانقسامات المحلية بحيث يمكن لثورة أن تسقط النظام. مسؤول إيراني رفيع أخبر مجموعة الأزمات في تشرين الأول/أكتوبر: “كانوا يأملون بأن يؤدي تدخلهم العسكري في حزيران/يونيو إلى حدوث هيجان واضطراب. الآن يأملون أن تفضي الاضطرابات إلى تدخل عسكري يحسم الأمر.” كما كان هناك هواجس من أن إسرائيل قد ترى فرصة لضرب إيران مرة أخرى، مستغلة إضعاف دفاعاتها جراء حرب حزيران/يونيو وعمليات القصف التي قامت بها إسرائيل قبل ذلك، من أجل إعاقة الجهود الإيرانية الرامية إلى بناء المزيد من الصواريخ البالستية.
ثم، في أواخر كانون الأول/ديسمبر 2025، ظهر عامل جديد؛ فالاضطرابات الاقتصادية والانخفاض السريع لقيمة العملة الإيرانية أشعلا أسابيع من الاحتجاجات المعادية للنظام في جميع أنحاء البلاد. الاحتجاجات، التي كانت سلمية في البداية، تنامت من حيث الحجم والشدة، ودفعت مجموعات المعارضة الموجودة في المنفى إلى الدعوة إلى تعبئة جماهيرية، ودفعت الرئيس ترامب إلى التهديد بتدخل أميركي إذا حاول النظام قمعها. لم توقف إدانات ترامب طهران، التي قمعت الاضطرابات بوحشية، وقتلت ما لا يقل عن عدة آلاف من المواطنين، طبقاً لمجموعات حقوق الإنسان، في 8 و9 كانون الثاني/يناير من العام الجديد. بدا شكل ما من التدخل الأميركي وشيكاً في منتصف كانون الثاني/يناير، لكن ترامب أحجم عن ذلك، بسبب ما قيل إنه مزيج من الضغوط العربية ومخاوف بشأن الانتقام الإيراني من مصالح وحلفاء أميركا. أبلغ القادة العسكريون الأميركيون الرئيس أنهم قد لا يستطيعون وقف ضربة مضادة.
إلى حد ما، يمكن رؤية قرار واشنطن بإرسال قوة بحرية كبيرة إلى الشرق الأوسط على أنها محاولة لتخفيف حدة المخاطر مع استمرار الرئيس ترامب بحملة الدبلوماسية القسرية التي يشنها؛ أما مسألة ما سيفعله بهذا الأسطول إذا أخفقت إدراته في التوصل إلى اتفاق مع إيران فتبقى غير واضحة. قد تفكر الولايات المتحدة بضربة محدودة لإجبار إيران على تقديم تنازلات إضافية؛ أو بحملة لقطع رأس النظام من شأنها أن تؤدي إلى مقتل قادة سياسيين وعسكريين إيرانيين كبار؛ وشن حملة أوسع تستهدف القدرات النووية والصاروخية؛ أو محاولة مزدوجة تهدف إلى هز أسس الجمهورية الإسلامية. أو قد يكون كل ذلك خدعة باهظة التكاليف تهدف إلى جعل طهران تقبل بنوع من الصفقات. مهما كانت الحال، فإن المعدات باتت موجودة لشن هجوم أميركي طويل.
القيادة الإيرانية التي تواجه ضغوطاً داخلية وأخرى في مجال الحوكمة، بالإضافة لتهديدات خارجية، تحذر، من جهتها، من أن أي هجوم سيواجَه بردٍ قوي ومباشر ضد القوات الأميركية. وتشير إلى أنه لن يكون هناك الكثير من ضبط النفس الذي أظهرته الجمهورية الإسلامية بعد عملية مطرقة منتصف الليل، عندما ردت بضربة مسرحية قصيرة على قاعدة أميركية في قطر. تحرص طهران على إظهار أنها لا تعتزم أن تنتهي أو تسقط، بل أنها مستعدة للقتال، حتى ضد قوة أكبر منها بكثير.
مناورة محفوفة بالمخاطر
قد يكون كلا الطرفين يستعرضان المواقف. قد يكون هدف واشنطن أن يكون الانتشار الكبير لقواتها بشكل رئيسي وسيلة للضغط لانتزاع الحد الأقصى من التنازلات من طهران على طاولة المفاوضات وليس تمهيداً للحرب. لا بد وأن المخططين العسكريين الأميركيين يعلمون مدى الكلفة التي ستترتب على القتال الشامل، ليس فقط من حيث الخطر على القوات والعتاد الأميركيين، بل أيضاً من حيث أموال دافعي الضرائب. بلغت كلفة حرب الاثني عشر يوماً في حزيران/يونيو 2025 على إسرائيل 12 مليار دولار، بينما استنزفت ربع المخزون الأميركي من صواريخ ثاد الاعتراضية – نحو 150 منها – بكلفة 12 مليون دولار للصاروخ الواحد. حتى داخل الجيش، هناك مخاوف بشأن أثر إرسال هذا العدد الكبير من الأصول الأميركية إلى الشرق الأوسط على جاهزية الولايات المتحدة في مناطق أخرى.
كما لا يجهل ترامب ومستشاروه المخاطر السياسية المترتبة على شن حرب جديدة في المنطقة مع اقتراب الانتخابات النصفية لعام 2026. تشير استطلاعات الرأي إلى أن حرباً مع إيران لن تحظى بالشعبية على الإطلاق، بالنظر إلى تركيز الناخبين الأميركيين على القضايا الاقتصادية، وكثير منهم (بما في ذلك قاعدة ترامب الانتخابية) يتساءلون بالتأكيد لماذا يُظهر رئيس انتُخب جزئياً لأنه يفضل عدم التدخل مثل هذا الميل للمغامرات العسكرية.
فيما يتعلق بتعهدات طهران بسفك دماء الأميركيين وتحويل أي مواجهة إلى جحيم يمتد على اتساع المنطقة، من المستحيل معرفة ما إذا كانت هذه التعهدات ستصمد عند مواجهة الواقع. قد تكون التهديدات مصممة بشكل رئيسي لإقناع رئيس يخشى صراعاً مفتوحاً آخر في الشرق الأوسط بعدم الإقدام على هذه المغامرة، حتى وإن كان لدى إيران نقاط ضعفها الخاصة بها. كشفت حرب حزيران/يونيو 2025 عن نقاط ضعف إيرانية رئيسية من حيث دفاعاتها الجوية وإخفاقاتها الاستخبارية التي يمكن للولايات المتحدة أو لعملية مشتركة بين الولايات المتحدة وإسرائيل أن تستغلها مرة أخرى، لإحداث أضرار أكبر بكثير. منذ هجمات حماس في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، اختارت القيادة في طهران عند كل خطوة تجنب تصعيد شامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل من شأنه أن يخاطر بإسقاطها.
للأسف، فإن المساومة من خلال الخداع – إذا كان هذا بالفعل ما يحاول كل من الطرفين فعله –غير مستقرة بطبيعتها، ولا سيما عند مشاركة هذا الكم الكبير من الأسلحة. يمكن للإجراءات الرامية إلى الردع أو الإجبار أن تكون استفزازية أيضاً. وثمة مجال كبير لسوء التقدير، أو حتى لتحرك جهات ترغب في إفساد الصفقة لشن هجمات زائفة تضيِّق خيارات القادة بدفعهم للرد باستعمال القوة. في مثل هذه البيئة المشحونة، فإن الخط الفاصل بين التصعيد القابل للإدارة والحرب الخارجة عن نطاق السيطرة رفيع إلى حد خطير – ويمكن رؤيته فقط بعد فوات الأوان. من السهل جداً تخيُّل ذلك النوع من المواجهات البحرية التي كُشف عنها في مطلع شباط/فبراير، حيث أسقطت الولايات المتحدة مسيَّرة إيرانية، وحاولت القوات الإيرانية احتجاز ناقلة نفط أميركية، وتطوُّر تلك المواجهات إلى اشتباكات أكبر دون أن يكون أي من الطرفين قد قرر الدخول في عمليات قتالية.
إذا سار الطرفان فعلياً إلى هاوية الحرب، لا يبدو أن أياً منهما يمتلك خياراً عسكرياً منخفض الكلفة. يمكن أن تسعى الولايات المتحدة إلى عملية محدودة في البداية لترى إذا كانت إيران سترفع راية الاستسلام، لكن تلك المناورة قد تفشل. مع تبني الرئيس ترامب لخطاب تغيير النظام، قد ترى طهران أن أي مواجهة قادمة ذات طبيعة وجودية بصرف النظر عما تحاول الولايات المتحدة تحقيقه. وذلك بدوره يزيد من احتمال رد طهران بطرق يمكن أن تكلِّف أرواحاً أميركية، وتجرّ إسرائيل إلى الحرب، وتستهدف شركاء أميركيين شرق أوسطيين آخرين، وتحدث اضطراباً في الأسواق العالمية، وتدمر بنية تحتية أساسية، وتخاطر بتحويل إيران إلى بقايا دولة ممزقة. من الممكن أن يؤدي سقوط قتلى أميركيين وحدوث أضرار اقتصادية كبيرة إلى إلحاق ضرر كبير برئاسة ترامب وتركته – كما أضرت أزمة احتجاز الرهائن الأميركيين بالرئيس جيمي كارتر والحرب العراقية بالرئيس جورج دبليو بوش.
العثور على مخرج
قد تكون هذه السيناريوهات القاتمة هي التي تجعل واشنطن وطهران منفتحتين على إمكانية التوصل إلى اتفاق. بعد جولتين من الحوار، في مسقط في 6 شباط/فبراير وفي جنيف بعد أحد عشر يوماً، تحدَّث الجانبان والوسطاء العُمانيون جميعهم عن تحقيق تقدم، وإن يكن على خلفية توقعات منخفضة. وكان جديراً بالاهتمام أيضاً الانخراط المباشر للوكالة الدولية للطاقة الذرية، التي ستلعب دوراً حاسماً في ضمان أن تظل إيران داخل أي ضوابط نووية. لقد تحاور مسؤولوها مع كلا الطرفين، وكذلك مع الوسطاء. لكن إذا أُريدَ للمسار الدبلوماسي أن يحقق أي نجاح، لا بد من وجود تحركات سريعة لاستغلال الانتكاسات التي تعرض لها برنامج إيران النووي جراء حرب حزيران/يونيو 2025، وتوضيح حالات الغموض بشأن مخزوناتها من اليورانيوم المخصب ورسم الخطوط الرئيسية لمسارها في المستقبل.
سيتعين على إيران اتخاذ خطوتين فوريتين لإظهار جديتها. أولاً، ينبغي أن توفر لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إمكانية الوصول إلى منشآت التخصيب المتضررة التي لم تفتش حتى الآن؛ وأن توافق على تخفيف تركيز ما يقارب من نصف طن من اليورانيوم مرتفع التخصيب الذي كانت تحتفظ به قبل حرب حزيران/يونيو 2025 أو شحنه إلى الخارج. مع وضع خط الأساس ذاك بشأن الشفافية والمساءلة، سيتعين على طهران أيضاً الموافقة على التوقف عن التخصيب، كما يبدو أنها فعلت منذ حزيران/يونيو. سيستمر هذا التجميد إلى أن يتم التوصل إلى حل تفاوضي طويل الأمد: إما على شكل برنامج تخصيب مصغر ومراقَب بصرامة، أو تشكيل كونسورتيوم إقليمي. لن يمس التعليق “بحق” إيران النظري بالتخصيب لأغراض سلمية، لكن يمكن تقديمه للبيت الأبيض على أنه صفر تخصيب. بالمقابل، يمكن لطهران أن تتوقع امتيازات مالية، على شكل الوصول إلى أصول أو زيادة الصادرات النفطية – ربما بما في ذلك كجزء من مشاريع مشتركة مع شركات أميركية.
سيكون تأمين تعليق التخصيب واستعادة الضمانات الدولية للتأكد من حدوث التحقق إنجازاً كبيراً، لكن من المؤكد أن الولايات المتحدة ستصر على المزيد. كما أبدى الرئيس ترامب وفريقه رغبة بتقليص برنامج الصواريخ البالستية الإيراني وتحالفاتها مع وكلائها. قد تشكل كيفية معالجة الصواريخ القضية الأكثر إشكالية. يقول المسؤولون الإيرانيون إن هذه الصواريخ تشكل الرادع الوحيد الموثوق الذي تمتلكه البلاد، ومن ثم فإنه يشكل جوهر أمنها القومي. لكن قد تتمكن الولايات المتحدة من تحقيق مكاسب من خلال الضغط على جبهتين.
أولاً، يمكن أن تطلب من إيران الالتزام بما كان في الماضي حداً طوعياً لمدى صواريخها وهو 2,000 كم، وبذلك تضمن أنها لن تطور أسلحة قادرة على الوصول إلى الأراضي الأميركية (رغم أن الأصول الأميركية الموجودة في المنطقة ستظل بالطبع مكشوفة، وستبقى إسرائيل ضمن مدى هذه الصواريخ).
ثانياً، يمكن أن تسعى الولايات المتحدة للحصول على التزام من إيران بعدم نقل الصواريخ أو قطع الصواريخ إلى حزب الله، الذي لا تزال ترسانته التي باتت أضعف لكنها لا تزال قوية في لبنان، تشكل هاجساً لإسرائيل. ويمكن أن يطبق ذلك الحظر أيضاً على الحوثيين في اليمن.
بالنسبة لوكلاء إيران، ففي حين من غير المرجح أن تتخلى الجمهورية الإسلامية صراحة عن دعمها للمجموعات التي تهدد إسرائيل أو دول إقليمية أخرى، يمكن لإيران والولايات المتحدة أن تخفضا درجة الحرارة الإقليمية بالتعهد بالإحجام عن التهديد بالقوة غير الدفاعية أو استعمالها؛ وعدم دعم العمل العسكري ضد أي بلد في المنطقة من قبل أي دولة أو جهة فاعلة من غير الدولة؛ واحترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها. كما يمكن أن تؤكدا على أهمية ضمان حرية الملاحة وحماية شحنات النفط والغاز في الممرات المائية الحيوية. يمكن أن تفسر طهران مثل هذا التفاهم على عدم الاعتداء على أنه ضمانة من الولايات المتحدة، ويمكن لواشنطن أن تصف تعهدات إيرانية، بالمقابل، بأنها التزام بألّا تهدد الجمهورية الإسلامية إسرائيل أو شركاء إقليميين آخرين.
التغلب على العقبات
سيكون التوصل إلى مثل ذلك الاتفاق مهمة شاقة. أولاً، ثمة مقاومة شرسة للمحادثات في طهران وواشنطن على حد سواء. على الجانب الإيراني، يرى بعض كبار المسؤولين على الأقل في المفاوضات إما خدعة أميركية يقوم خلالها البنتاغون بنشر أصول عسكرية إضافية أو فخ تقابل فيه واشنطن أية تنازلات بالمزيد من المطالب. لم تتعامل لا مفاوضات عام 2025 ولا محادثات شباط/فبراير مع تفاصيل تخفيف العقوبات أو الوصول إلى الأصول الإيرانية الموجودة في الخارج، والتي ستشكل حوافز حيوية لحكومة تعاني من ضغوط اقتصادية عميقة وتتصدى للاستياء الاجتماعي والسياسي؛ ويرى المتشككون الإيرانيون في هذه الحقيقة علامة على أن المفاوضات غير جدية. في الولايات المتحدة، من شبه المؤكد أن يقابَل أي اتفاق معقول، حتى لو حقق عائدات أفضل من اتفاق عام 2015 الذي نقضه ترامب في فترته الرئاسية الأولى، بالإدانة في بعض الدوائر بسبب تخفيف الضغط على خصم قديم ضعيف اقتصادياً، ولا تقارن قوته العسكرية بقوة الولايات المتحدة، ومضعضع الأركان بسبب انتفاضة كشفت وحشيته وافتقاره إلى الشرعية. السؤال هو ما إذا كان ترامب، من جهة، والقائد الأعلى على خامنئي من جهة أخرى، سيستعملان كل نفوذهما من أجل إخضاع معارضي الصفقة لإرادتهما.
ثانياً، ثمة مخاطرة في أن يعامل كلا الطرفين المفاوضات على أنها تمرين مفكك في تعداد النقاط التي تمت معالجتها والإحجام عن تقديم أي تنازلات ذات معنى، بينما يتطلعان إلى بداية الأعمال القتالية بصفتها فرصة لتوجيه الضربات بأكبر قوة يمتلكانها. ربما يفكر المتشددون في إيران بأنه يمكن لطهران أن تحقق مصالحها على نحو أفضل من خلال إدماء أنف رئيس أميركي شعر بجرأة أكبر بعد الغارة التي قبض فيها على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في 3 كانون الثاني/يناير، في حين قد يتطلع المتشددون في الولايات المتحدة إلى توجيه ضربة قاضية إلى القيادة الإيرانية – إما لضمان استسلامها أو لدفعها نحو الانهيار. السؤال المطروح داخل كل نظام هو ما إذا كانت الأصوات التي تقدم هذه الحجج يمكن مواجهتها بحجج أخرى تشير إلى المخاطر السلبية – ولا سيما أن تبادل الضربات القصيرة الحادة يمكن أن يتصاعد بسهولة إلى شيء أكبر بكثير.
إذا كان من الممكن التغلب على هذه العقبات، لا يكاد يكون هناك ما يكفي من الوقت لاندفاعة دبلوماسية حازمة لوضع الأسس اللازمة للاتفاق الذي يمكن وضع تفاصيله بمرور الوقت بمشاركة القوى الإقليمية الرئيسية التي لها المصلحة الأكبر في تجنب تكرار الأزمات. في حين أن التوافق على الأحكام التفصيلية قد لا يكون ممكناً بالنظر إلى المواعيد النهائية التي فرضها ترامب، فإن رسم الخطوط العريضة قد يكون كافياً لكلا الطرفين للقول بأنهما توصلا إلى اتفاق يحقق مصالحهما، ويمكّنهما من تجنب التكاليف العسكرية، والاقتصادية والإنسانية التي من المرجح أن تلي الإخفاق. ينبغي على عواصم الخليج العربية والعواصم الأخرى في الشرق الأوسط التي يمكن أن تخسر الكثير من حدوث تصعيد إقليمي أن تستمر في الدفع بقوة في هذا الاتجاه.
على مدى نحو خمسة عقود من العداء العميق والتعاون المتقطع، لم تكن الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة أقرب مما هما الآن إلى شفا صراع كبير. على الرغم من أنه لا يزال يبدو من الصعب وقف الانزلاق نحو الصراع، فإن المخاطر وحالات انعدام اليقين المترتبة على حرب جديدة ينبغي أن تركز العقول على ما يمكن فعله لتجنب مثل تلك الحرب.