تطوّر البحث في الكلمة القرآنيّة
إبراهيم علي السفسيف
2026-05-25 01:18
يختلف تفسير الآيات القرآنيّة عن البحث في الكلمة/المفردة القرآنيّة، في أنّ التّفسير يستهدف إعطاء مفاد الآية بمجموع كلماتها، أمّا البحث في الكلمة القرآنيّة فيستهدف بيانها -في حدّ ذاتها- مدلولًا وإيحاءً وبلاغةً. وبعبارة موجزة: البحث في الكلمة القرآنيّة شرط التّفسير، والتّفسير كاشف عن ظلال الكلمة ومعلّل لاختيارها.
ومن منظار زمنيّ مُتعاقب، يمكن رصد ثلاث محطّات تطوّرية للبحث في الكلمة القرآنيّة، بما هي كلمة لا بما هي جزء من أجزاء الجملة التّامّة أو الآية القرآنيّة. وهي كالآتي:
التّطوّر الأوّل: البحث عن مدلول الكلمة القرآنيّة تحت مُسمّى (غريب القرآن) بُحثت الكلمة القرآنيّة بردّها إلى مدلوها في كلام العرب، زمن ما عُرف ببداية التّدوين في الحضارة الإسلاميّة في نهاية القرن الهجريّ الأوّل. و(الغريب) هنا بمعنى ما غَمُضَ معناه ودَقَّ. فهو ليس في مقابل النّافر/الشّاذّ، بل في مقابل المشهور/المعروف. والغريب والمعروف أمران نسبيّان بالنّسبة للأفراد، فما هو غريب عند أحدهم ربّما هو معروف عند غيره.
هذه النّسبيّة، تُفسّر ظهور البحث في الكلمة القرآنيّة وفق هذا النّمط منذ تلك الفترة الزّمنيّة، بل قبلها. فكون العرب فصحاء -عمومًا- لم يحُلْ دون بيان مدلول الكلمة القرآنيّة عند العرب؛ خصوصًا مع استحضار تنوّع وجوه الاستخدام القرآنيّ للّفظة الواحدة، واختلاف اللّغات/اللّهجات بين القبائل العربيّة، ثمّ اختلاط العرب بغيرهم وظهور العُجْمة في كلامهم.
ومن أوائل ما أُلّف في غريب القرآن ووصل إلينا كتاب (تفسير غريب القرآن المجيد) لزيد الشّهيد(ت:122هـ) ابن الإمام السّجّاد(عليه السّلام). في القرن الخامس الهجريّ تحديدًا، شهد البحث في الغريب تطوّرًا على مستوى المنهج ليشمل كلّ الكلمات القرآنيّة، خصوصًا مع كتاب (مفردات ألفاظ القرآن) للرّاغب الأصفهانيّ(ت: 425هـ). ثمّ من بعده، سيستمرّ البحث في الكلمات القرآنيّة على منواله، وباستدراك ما فاته حتّى عصرنا هذا تحت مسميات متنوّعة، فإضافة إلى (غريب القرآن)، سنجد (ألفاظ القرآن) و(مفردات القرآن)، وكذلك (كلمات القرآن) و(معاني القرآن)(1).
التّطوّر الثّاني: البحث عن جماليّات الكلمة القرآنيّة مع بداية النّصف الثّاني من القرن العشرين، ظهر مجموعة من المؤلفين الذين اعتنوا بالبحث في الجماليات الحسيّة والبصريّة والسّمعيّة للكلمة القرآنيّة، وما تُفضي إليه من التّأثير في المتلقي عقليًّا ونفسيًّا. والبحث في جماليّات الكلمة القرآنيّة قائم على افتراض أنّ الكلمة القرآنيّة لها خصوصيّة فنيّة في البناء اللّغويّ اختيارًا وموقعًا، وكشف ذلك يتطلّب تجاوز المعنى المعجميّ للكلمة وإيحاءاتها القريبة، وملاحظة ثنائيّة الشّكل والمضمون.
حيث يظهر للمتأمّل المتعمّق أنّ الشّكل ليس زخرفة زائفة، بل يُساند المضمون الفكريّ ويجليه بامتياز. لقد جاء هذا التّطوّر تتويجًا لجهود علميّة سابقة عليه ركّزت على اللّمحات الجماليّة للكلمة القرآنيّة، وعلى وجه الخصوص الكتب التي بحثت في مجازات القرآن ووجوه إعجازه، إضافة إلى كتب التّفسير بالعقل.
ومن أبرز مَنْ كتب في إطار هذا التطوّر الكاتبة بنت الشّاطئ عائشة عبدالرحمن(ت:1419هـ) الّتي تلمّست جمال الكلمة القرآنيّة في ظلالها النّفسيّة المتولّدة عن البحث في الفروق اللّغويّة بين الكلمات في كتابيها (التّفسير البيانيّ) و(الإعجاز في البيان). وكذلك المفكّر سيد قطب(ت:1966م) الذي بحث سحر البيان القرآنيّ من خلال تحليل التّصوير الفنّيّ النّابع من الكلمة ذاتها، في كتبه الثّلاثة (تفسير في ظلال القرآن) و(التّصوير الفنّيّ في القرآن) و(مشاهد القيامة في القرآن)(2).
التّطوّر الثّالث: البحث عن بلاغة الكلمة القرآنيّة برز هذا التّطوّر مع مطلع الألفيّة الجديدة على يد أستاذ اللّغة العربيّة الدّكتور فاضل السّامرّائيّ، عبر كتابه (بلاغة الكلمة في التّعبير القرآنيّ). وعلى خلاف التطوّرين السّابقين اللّذين كانا حكرًا -تقريبًا- على الطبقة المتخصّصة في هذا الشأن، وبعض المثقّفين المهتمّين بالثّقافة عمومًا. حيث لقي هذا التطوّر انتشارًا واسعًا في الأوساط الاجتماعيّة والثّقافيّة منذ ظهوره؛ بفضل القنوات الفضائيّة ووسائل الاتّصال والتّواصل الاجتماعيّة الحديثة.
ويُرجع الدكتور السّامرّائيّ دواعي بحثه في بلاغة الكلمة القرآنيّة إلى ثلاثة أمور، هي:
- أنّ المعنيّين بدراسة البلاغة القرآنيّة قد سبقوا فأسموا في العديد من مباحث هذا الكتاب، كظاهرة الذّكر والحذف في الكلمة القرآنيّة، وبقيت ظواهر أخرى غير مبحوثة.
- تلمّس السّابقون عليه بلاغة القرآن في دراسة الفروق بين استخدام الكلمات وساقوا تعليلاتهم لها، لكنّ قسمًا منها غير مقنع بالنسبة إليه، بل جاء كثير منها مُتكلَّفًا، وهو يزعم أنّه أتى بما هو أحسن ممّا علّلوا.
- أنّه لم يجد في شأن الكلمة القرآنيّة وتعليل استعمالاتها كتبًا متخصّصة، دون إغفال الإشارات الدّقيقة إلى ذلك في كتب التّفسير العقليّ وكتب المتشابِه القرآنيّ وكتب غريب القرآن، "فحاولتُ أنْ أضع بداية متواضعة في هذا الموضوع فلعلّه يأتي مَنْ يُتمّ العمل ويتوسّع فيه".
وهذا ما اقتضاه أنْ يبحث بلاغة الكلمة القرآنيّة وفق منهج قائم على تبويب الكلمات القرآنيّة المتشابهة ضمن ظواهر -سمّاها موضوعات-، ثمّ دراستها في إطارها الجزئيّ الخاصّ بالكلمة أو الكليّ العامّ بالظّاهرة. وهذا منهج مبتكر؛ حيث إنّ السّابقين عليه كان منهجهم مبعثرًا بحسب موقع الكلمة من القرآن كما هو عند أصحاب النّمط الأوّل. أو قائمًا على الانتقاء للكلمة ومتشابهاتها، كما هو عند أصحاب النّمط الثّاني.
وعن أدواته لتعليل وتوجيه سبب الاختيار للكلمات القرآنيّة، وبما يكشف سرّ بلاغتها، فإنّه يُحدّدها في:
1. القواعد اللّغويّة المقرّرة والمسلّم بها. بما تشمله من قواعد نحويّة وصرفيّة وإملائيّة وبلاغيّة.
2. الاستعانة بالسّياق الّذي ترد فيها الكلمات القرآنيّة. وهو الجوّ العامّ اللّغويّ والثقافيّ الذي تقع فيه الآيات القرآنيّة.
أمّا الظواهر البلاغيّة التي درسها، فهي على نحو الإيجاز مايلي: ظاهرة ذكر وحذف حرف في الفعل، وظاهرة إبدال كلمة أو حرف وعدم أبدالهما، وظاهرة مجيء صيغة (فعّل) و(أفعل) بمعنًى واحد، وظاهرة بناء الفعل للمجهول، وظاهرة الوصف، وظاهرة الإفراد والتثنيّة والجمع، وظاهرة الحركة غير الإعرابيّة، وظاهرة تعاور الكلمات(3).