الإبلاغ والوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم وفق لسانيات النص

د. خالد عبد النبي عيدان الأسدي

2026-04-19 05:06

كانت البلاغة -في أوَّل أمرها- عبارة عن مَلَكَةٍ فطرية تعتمد على الذوق العربي العام، تكشف من خلال التعليل الجمالي، عن كوامن الأشياء وما تحويه من الحس الجمالي دون معرفة القواعد البلاغية التي استقاها البلاغيون بعد ذلك؛ لأنَّه يمثل الوعي الثقافي لفترة ما قبل الإسلام.

 وكانت أوَّل علم يكتشفه العرب من طريق الذائقة الجمالية التي هي ملكة في ذات العربي؛ إلّا أنَّ تقنينها جاء متأخراً عن اكتشاف العلوم الأخرى كالنحو والصرف والعروض وغيرها، وقد أشار إلى هذه الكلمة بمصطلحها المعروف حاليَّاً ــ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمّا "سمع رجلاً يقول لآخر: كفاك الله ما أهمك، فقال (صلى الله عليه [وآله] وسلم): {هذه البلاغة}"(1)، فلم يكن المصطلح غائباً عن أذهان العرب قبل القرآن الكريم وبعده، ويبدو ذلك واضحاً في ما تضمنته قصائد الشعراء من تشبيهات وكنايات واستعارات وجناسات وطباقات واقتباسات وغيرها من اللمسات البلاغية، وإن كانت تلك الحقبة تخلو من الأحكام والتحليلات البلاغية؛ إلّا أنَّها تعدّ أساساً في وضع الملاحظات البيانية عند العرب(2).

 يُعدّ "الإبلاغ" جوهر الرسالة السماوية، فالقرآن الكريم في أصله "بلاغ للناس". وإذا كانت اللسانيات الحديثة قد وضعت "الوظيفة الإبلاغية" (Informative Function) كإحدى ركائز التواصل، فإن النص القرآني قد سما بهذه الوظيفة من مجرد نقل المعلومات إلى إحداث التغيير النفسي والكوني، محققاً أعلى درجات القصدية والتأثير.

مفهوم الإبلاغ في السياق القرآني

 كلمة "الإبلاغ" مشتقة من (بـ لـ غ)، وهي الوصول إلى الغاية. وفي القرآن الكريم، لا يقتصر الإبلاغ على وصول الصوت أو النص، بل يعني نفاذ المعنى إلى القلب والحجة إلى العقل.

 قال تعالى: {هَذَا بَلاَغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِ وَلِيَعْلَمُواْ أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ}إبراهيم/52، فالإبلاغ هنا يتجاوز "الإخبار" (Reporting) إلى "البيان" (Clarification)، حيث تصبح اللغة أداة كاشفة للحقائق الكبرى، ولا تقتصر على إيضاح البنية السطحية.

عناصر العملية الإبلاغية في النص القرآني

 بإسقاط نموذج "رومان جاكوبسون" للتواصل على النص القرآني، نجد تكاملًا فريدًا:

1- المُرسِل: يُعدُّ الإرسال هو العملية الأولى من العناصر الإبداعيَّة ومن دونها لا يبقى للعملية التواصلية من وجود لأنَّه يُمثل العتبة الرئيسة لها، وفي التطبيق القرآني يكون المرسل -بحسب نظرية جاكبسون- هو الله عز وجل (مصدر الحق المطلق)، مما يعطي للوظيفة الإبلاغية سلطة معرفية وتعبدية وقداسة محضة في سُلَّم المفهوم الإسلامي.

2- المُستقبِل: في العملية التواصلية من الباث تتجه الرسالة إلى مستقبل، وهو الركن الثاني من أركان العملية التواصلية الذي يُكمل التفاعلية الإبداعية، ويتمثل في المفهوم القرآني بـ(الإنسان/العالمين)، والخطاب القرآني يراعي التعددية الثقافية والذهنية للمتلقين، وقد جعل النص المقدس المساحية الكافية للتفكر دون الأخذ بالمسلَّمات، ففي كثير من الآيات القرآنية المباركة يحضُّ على التدبر والتفكر ليكون مدعاة للعمل لا للبركة فقط، على سبيل المثال في قوله تعالى: {أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ }البقرة/44، فحثَّ على التعقل في العمل كما دعا إلى التفكر في قوله تعالى: {أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }البقرة/266، وغيرها من الآيات القرآنية الشريفة التي تدعو المتلقي إلى إمعان النظر في القرآن الكريم للعضة والعبرة والعمل.

3-الرسالة (القناة): تُعدَّ الرسالة الحلقة الواصلة بين الباث والمتلقي وهي الوسط الناقل للأصوات والرموز والانفعالات من المرسل إلى المرسل إليه، وهي الركن الرئيس في عملية التواصل، وفي القرآن الكريم جاءت بلسان عربي مبين، حيث يعمل "النظام" القرآني على صيانة الرسالة من التشتت الضوضائي (Noise) إلى البيان الجلي.

 بالإضافة إلى الوظيفة الرابطة بين العناصر الثلاثة المذكورة؛ حيث تُعد الوظيفة الوشائج الرابطة بين الباث والمتلقي وما بينهما من نص.

 وينماز القرآن الكريم عن غيره في العملية الإبلاغية بإضافة عنصر رابع وهو (الوحي) المتوسط بين المُرسِل والمُرسَل إليه كوسيط ناقل دون أن يؤثر في وشائج العملية التواصلية، وهذا ما عبر مفهوم العملية عند (جاكبسون) الذي حصرها في عناصره الثلاثة.

تجليات الوظيفة الإبلاغية في الأسلوب القرآني

 تتحقق الوظيفة الإبلاغية في القرآن بوساطة آليات لسانية عدَّة يلتمس فيها -المتسلط على العملية التبيينيَّة- استشعارتها وومضاتها وإضاءاتها التي بها يتم ربط الوشائج التواصلية مع العنصر الخامس وهو ما نصطلح عليه (بالمستفيد)؛ ومن هذه التجلِّيات ما نجده في:

1. الإيجاز والإعجاز: تميل العرب إلى الإيجاز في كلامها، والقرآن الكريم جاء بلسانهم، فكان الإيجاز من الأساليب العربية التي عززها القرآن الكريم فينظمه، إلَّا أنَّه افترق عن الأساليب العربية بالقصدية المكثَّفة في ضغط المعلومات في قِصَرِ العبارات، والقدرة على إيصال أضخم المعاني (مما يُسمَّى بالضغط الدلالي) بأقل الألفاظ. هذا "التكثيف الإبلاغي" يضمن بقاء الرسالة حية وسهلة الحفظ والترداد، مما يسهل عملية "التذكر" وهي وظيفة إبلاغية ثانوية، بالإضافة إلى الإعجاز النظامي في السياقات القرآنية التي كانت مدعاة إلى تعجيز العرب من الإتيان بمثله..

2. التكرار الهادف: تكرار الألفاظ في السرديات اللغويَّة كثيراً ما يكون كاشفاً عن ضعف وركاكة في الحصيلة اللغوية لدى الباث، إلَّا أنَّ القرآن الكريم أكَّد عكس ذلك في تكراره للألفاظ والقصص، وحتَّى في الأصوات المتجاورة من مثل قوله تعالى: {قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلاَمٍ مِّنَّا وَبَركَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ}{هود/48}، فتجاور الحروف المتماثلة يُحدث نفرا سمعيَّاً عند المتلقي، في حين نجد في قوله تعالى {أُمَمٍ مِّمَّن مَّعَكَ }، ليس فيها ما يمُجَّ السمع، وكذلك في تكرار القصص أو الأحكام ليس عبثاً، بل هو إعادة توجيه للوظيفة الإبلاغية لتناسب سياقاً جديداً، أو لتثبيت "المعلومة المركزية" في ذهن المتلقي (الترسيخ الإبلاغي)، فلا تكرار بلا طائل في النص المقدَّس.

3. العدول والالتفات: الوتيرة الواحدة في السياقات اللغوية يُحدث تراتبيَّة سمعيَّة تؤدي إلى برود تفاعلي عند المتقي، وهذا ما يحتاج إلى ومضة لغوية تقوم بتنشيط المتلقي للتشويق أو للتنبيه أو للتحذير أو الترهيب أو الترغيب، وهذا ما يُسمَّة في البلاغة بـ (الالتفات)، وفي المباحث اللغوية بـ(العدول)، وبمفاهيم النقدية بـ(الانزياح)، وهو تغيير الضمائر (من الحضور إلى الغياب مثلاً) يعمل على كسر الرتابة وتنبيه ذهن "المستقبل" لضمان استمرارية الاتصال (Phatic Function) وتدفق المعلومات، ونجد هذا مبثوثاً في كثير من السور القرآنية المباركة، مثل قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ}{يونس/22}، ففي هذه الآية المباركة مجموعة من الانتقالات اللغوية من الغياب إلى التكلم ومن الجمع إلى المفرد ومن التكلم إلى الخطاب مما يُشعر القارئ بنشوة القراءة دون الملل، ويستشعرها اللغوي أكثر من غيره لأنَّه يعرف بخبايا النص، فالتفاتات القرآن الكريم كثيرة جدَّا وما ذكرناه للتمثيل لا للحصر.

الاستنتاجات

 توصَّلنا في هذه النزهة التواصلية إلى إستنتاجات نجملها بالآتي:

1- تتميز الوظيفة الإبلاغية في القرآن الكريم بأنها:

أ- وظيفة هادية: لا تكتفي بنقل الخبر، بل توجه السلوك وتعطي خارطة طريق للتخلص من المطبَّات الحياتية بطريقة سرد القصص القرآنية لأخذ العبرة.

ب- وظيفة شمولية: تخاطب العقل بالمنطق، والوجدان بالصورة الفنية، والروح بالتعبد.

ج - وظيفة حية: المعنى الإبلاغي متجدد بتجدد العصور، فيما يعرف بـ"عالمية البلاغ".

2- إن الإبلاغ في القرآن الكريم ليس مجرد نقل لنص لغوي، بل هو منظومة تواصلية متكاملة تهدف إلى ربط الخالق بالمخلوق عبر "البيان".

3- والوظيفة الإبلاغية فيه هي المحرك الأساس لإقامة الحجة وبناء التصور الصحيح للكون والحياة، مما يجعل دراسته من منظور لسانية التواصل باباً واسعاً لفهم أسرار الإعجاز.

4- يُضيف القرآن الكريم العنصر الرابع للعملية التواصلية المعروفي عند اللغويين وهو (الوحي) الوسط الناقل بين المرسِل والمُرسَل إليه، وهو من مختصَّات القرآن الكريم.

5- القرآن الكريم أوجد حلقة لم تكن واضحة لدى التواصليات الأخرى، وهو (المستفيد) الإنسان المستقبل للقرآن الكريم بعد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) فكان الرسول الأكرم من العناصر الرئيسة في العملية التواصلية؛ والناس/العالمين هم الشخصيات الثانوية في الخطاب والاستفادة.

6- الوشائج التواصلية في القرآن الكريم مترابطة ولها سلوك واحد، وبهذا تختلف عن الوشائج التواصلية الأخرى.

* مركز الامام الشيرازي للدراسات والبحوث/2002–Ⓒ2026

http://shrsc.com

.................................................

الهوامش

[1) كتاب الصناعتين الكتابة، والشعر، أبو هلال الحسن بن عبد الله بن سهل العسكري ت(395هـ)، حققه وضبط نصه: د. مفيد قميحة، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، ط 2، 1409 هـ، 1989 م: 193.

[2) يُنظر: البلاغة تطور وتاريخ، د. شوقي ضيف، دار المعارف بمصر، ط2، (د.ت): 9.

ذات صلة

بناء الشخصية الشبابية بين معرفة الحقِّ واستثمار المعرفةنقاش الساعةقراءة واقعية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيلقنابل بيولوجية في المسيب.. دراسة المعموري تكشف تزييف سجلات النفايات الطبيةالهدنة والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران