ما هو دور الأئمة (ع) في الحياة: تأسيس حكومة أو بناء الإنسان؟

آية الله السيد مرتضى الشيرازي

2026-02-28 04:48

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد وأهل بيته الطاهرين، سيما خليفة الله في الأرضين، واللعنة على أعدائهم أجمعين، ولا حول ولاقوه إلا بالله العلي العظيم.

قال الله العظيم في كتابه الكريم: (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْميزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[1].

وقال جل اسمه: (الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ)[2].

المقدمة:

يستعرض البحث العلّة الغائية والهدف من بعثة الأنبياء (عليهم السلام)، ثم تعيين الأوصياء (عليهم السلام)، ليلخِّصه في إخراج البشرية من مثلّث ظلمات الجهل والكفر والظلم إلى أنوار العلم والإيمان والعدل، وفي قيام الناس بالقسط، وعلى ضوء ذلك، يقرِّر البحث أنّ مسؤولية الأئمة (عليهم السلام) هي (بناء الإنسان) قبل أن تكون إقامة الحكم الديني، وأنّ قيادة العالم نحو الهدفين الآنفين، حيث تعذّر نظراً لإعراض الناس عن الرسل والأوصياء، انتقل الأمر إلى هدف عملي ممكن وهو بناء الإنسان.

ويستعرض البحث نماذج على مستوى العقل النظري من تعاليمهم (عليهم السلام) التي تؤسّس للمدينة الفاضلة، ثم نماذج أخرى على مستوى العقل العملي، كشواهد حية صادقة، تعبر بوضوح عن المستوى المذهل الذي وصلت إليه مراحل بناء الإنسان في مسيرتهم العلمية، صلوات الله عليهم.

لامان في القرآن تحدّدان الغاية من بعثة الأنبياء (عليهم السلام)

كثيراً ما يتساءل الناس عن مسؤولية الأنبياء (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام) الكبرى والأساسية في الحياة، وعن أهمّ دورٍ اضطلعوا به، فهل هو مثلاً إقامة الحكومة الدينية؟ أو مقارعة الحكومات الجائرة؟ أو هو التدريس؟ أو قضاء حوائج الناس؟

والجواب عن ذلك تتكفَّل به اللامان المذكورتان في الآيتين الكريمتين: (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، و(لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)، والظلمات يُراد بها ظلمات الجهل والكفر، بل وظلمات الظلم أيضاً؛ إذ ورد: (الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)[3].

والظلم ظلمات: في القلب، وفي القبر، وفي يوم القيامة.

أمّا في القلب، فيشهد له مثلاً أنّ كثيراً من الناس يشكو من أنّه لا يجد لذَّةً للعبادة، فلا يستشعر النكهة الروحانية للصلاة ولا الخشوع عند قراءة القرآن أو الأدعية، ومن الأسباب في ذلك الظلم الذي تحوَّل إلى ظلمات أحاط بقلوبهم فران عليها وجعلها قاسية كالصخر: (كَلاَّ بَلْ رانَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ)[4]، وفي الرواية: (مَا جَفَّتِ الدُّمُوعُ إِلَّا لِقَسْوَةِ الْقُلُوبِ، وَمَا قَسَتِ الْقُلُوبُ إِلَّا لِكَثْرَةِ الذُّنُوبِ)[5]، و(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهارُ...)[6].

وفي يوم القيامة أيضاً الظلم ظلمات، كما هو صريح تتمة الرواية: (اتَّقُوا الظُّلْمَ فَإِنَّهُ ظُلُمَاتُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ)[7]، في مقابل المؤمنين الذين (... نُورُهُمْ يَسْعى‏ بَيْنَ أَيْديهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ)[8].

والحاصل: أنّه على مستوى العقل النظري فإنّ مسؤولية الأنبياء ودورهم هو إخراج الناس من ظلمات الجهل والكفر إلى نور العلم والإيمان، وعلى مستوى العقل العملي مسؤوليتهم إخراج الناس من ظلمات الظلم إلى نور العدل والإحسان (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ).

مسؤوليتهم العظمى بناء الإنسان

وبعبارة أخرى، مسؤولية الأنبياء والأئمة (عليهم السلام) هي (بناء الإنسان)، وذلك بعد أن لم يمكّنهم المجتمع والطغاة من القيام بدورهم الأشمل والأكبر، وهو قيادة الأمم، إذ ورد في وصفهم (عليهم السلام): (... وَدَعَائِمَ الْأَخْيَارِ، وَسَاسَةَ الْعِبَادِ، وَأَرْكَانَ الْبِلَادِ، وَأَبْوَابَ الْإِيمَانِ، وَأُمَنَاءَ الرَّحْمَنِ، و...)[9]، ويشهد له أنّ الإمام علياً (عليه السلام) استنهض أربعين رجلاً، من بين ربع مليون مسلم حسب تخمين أعدادهم ذلك الزمن، لكي ينهض معهم بالأمر، ولكن لم يستجب إلّا أربعة أشخاص فقط، وهم (سلمان، أبو ذر، المقداد، والزبير أو عمار بن ياسر)، بل ويدل عليه من قبل قوله تعالى: (يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ)[10].

وقد قام الأئمة (عليهم السلام) بهذا الدور، بحسب قابلية القابل وبقدر ما سمحت به الظروف بأفضل الوجوه والأنحاء، سواء على مستوى التنظير والتوجيه والإرشاد، أم على مستوى العمل والسلوك والمخرجات والنتائج العملية.

تصفير الأنا والبناء على روح الجماعة

أمّا على مستوى الإرشاد والتوجيه، فقد منحونا أفضل منظومة فكرية – ثقافية – علمية – تربوية – أخلاقية، تجلَّت فيما تجلَّت فيه، في نهج البلاغة والصحيفة السجادية وأصول الكافي وتحف العقول وروايات كتاب العشرة من البحار والوسائل وغيرها، ولنكتف الآن ببعض النماذج السريعة:

ففي طريق بناء الإنسان النموذجي على تصفير الأنا وسحقها، وعلى روح الجماعة والمواساة والإيثار، نلاحظ الروايات التالية:

عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: (أَيُّمَا مُؤْمِنٍ مَنَعَ مُؤْمِناً شَيْئاً مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ، أَقَامَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُسْوَدّاً وَجْهُهُ مُزْرَقَّةً عَيْنَاهُ، مَغْلُولَةً يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، فَيُقَالُ: هَذَا الْخَائِنُ الَّذِي خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ)[11].

وقوله (عليه السلام): (مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ)، سواء أكان مالاً، هبةً أو قرضاً، أم إنقاذاً من سجن ظالم، أم من روتين إداري بغيض وبيروقراطية، أم من نزاع، أم حتى من جهل وتخلف، أو ممن يشوّه سمعته، أو يضع العراقيل في طريق عمله، أو تجارته، أو زراعته.

و(مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ)، أي بشفاعةٍ لدى من يمكنه إنجاح الحاجة وقضاؤها.

ووجه قوله (هَذَا الْخَائِنُ...) أنَّ كل ما بيد الإنسان من أموال، وماء وجه، واعتبار في المجتمع وعلاقات ونظائرها، هي أمانات إلهية لديه، وعليه أن يؤدي حقوق إخوته المؤمنين فيها، فإذا لم يفعل كان خائناً للأمانة حقيقةً، لا أنّه قد نزّل بمنزلة الخائن فقط، وإن كانت الثمرة واحدة.

ولكن قد يُسأل عن الوجه في هذا العذاب العظيم والعقاب الأليم على مجرد عدم قضاء حاجة مؤمن؟

وقد أُجيب عن أمثال ذلك بوجوه، منها أنّه محمول على الاقتضاء أو على أسوأ الفروض والحالات والأفراد، وذلك مما قد يُجاب به، ولكن يخطر بالبال وجه آخر جيد، وهو أنّ هذا العقاب هو في صورة تساوي كفتي ميزانه، فالمذكور في الرواية هو مرجّح كِفَّة جهنم.

بعبارة أخرى: إن الشخص لو ثقلت موازين حسناته كان من أهل الجنة، وإن رجحت كفة سيئاته (وخفت حسناته) كان من أهل النار: (فَأَمَّا مَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ * فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ * وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ * فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ * نَارٌ حَامِيَةٌ)[12].

وإن تساوتا كان من المرجين لأمر الله: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ)[13]، وربما قيل بأنهم سيكونون من أهل الأعراف، التي يُنقل إليها صالح الجِن، وهي أجمل من بساتين الدنيا، ولكن دون الجنة بما لا قياس.

وأمّا إذا تساوت كفَّتا ميزانه (حتى مع وجود الشفاعة ونحوها)، فإنّ مثل ذلك التضييع لحقوق المؤمنين يكون السبب في مثل ذلك العقاب.

نماذج وأمثلة

ومن أمثلة بنائهم (عليهم السلام) للمجتمع على مستوى العقل النظري وإرشاداتهم، الروايات التالية:

2- ابن سنان عن يونس بن ظبيان قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (يَا يُونُسُ، مَنْ حَبَسَ حَقَّ الْمُؤْمِنِ أَقَامَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خَمْسَمِائَةِ عَامٍ عَلَى رِجْلَيْهِ، حَتَّى يَسِيلَ عَرَقُهُ أَوْ دَمُهُ، وَيُنَادِي مُنَادٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ: هَذَا الظَّالِمُ الَّذِي حَبَسَ عَنِ اللَّهِ حَقَّهُ، قَالَ: فَيُوَبَّخُ أَرْبَعِينَ يَوْماً، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ).

و(حَقَّ الْمُؤْمِنِ) أعم من حقوقه المالية ومن حقوقه الاجتماعية كحقوق الرحم على الرحم وحقوق المحكوم على الحاكم.

3- محمد بن سنان عن مفضل بن عمر قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): (مَنْ كَانَتْ لَهُ دَارٌ فَاحْتَاجَ مُؤْمِنٌ إِلَى سُكْنَاهَا فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: يَا مَلَائِكَتِي، أَبَخِلَ عَبْدِي عَلَى عَبْدِي بِسُكْنَى الدَّارِ الدُّنْيَا، وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَا يَسْكُنُ جِنَانِي أَبَداً).

وقوله (عليه السلام): (فَاحْتَاجَ مُؤْمِنٌ إِلَى سُكْنَاهَا فَمَنَعَهُ إِيَّاهَا)، ومنه ما لو كانت داره واسعةٌ، لها غرف يستغني عنها، ومنه ما لو كان له منزلان، أحدهما شاغر ولو فترة من السنة، ولكنّه لا يُسكِن غيره فيه، إذ بعض الناس يمتلك بيتاً في منطقته وآخر في منطقة أخرى كأحد المشاهد أو المصايف، فما ضره لو أسكن غيره من الزوار وغيرهم فيه فترة عدم حضوره؟

ومن المقترحات السهلة أن يبني كل إنسان غرفة إضافية في منزله، ليُسكن فيها الزوار والمحتاجين.

4- عن علي بن جعفر قال سمعت أبا الحسن (عليه السلام) يقول: (مَنْ أَتَاهُ أَخُوهُ الْمُؤْمِنُ فِي حَاجَةٍ، فَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاقَهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ قَبِلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَصَلَهُ بِوَلَايَتِنَا، وَهُوَ مَوْصُولٌ بِوَلَايَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنْ رَدَّهُ عَنْ حَاجَتِهِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى قَضَائِهَا، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ شُجَاعاً مِنْ نَارٍ يَنْهَشُهُ فِي قَبْرِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَغْفُورٌ لَهُ أَوْ مُعَذَّبٌ، فَإِنْ عَذَرَهُ الطَّالِبُ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا.

قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: مَنْ قَصَدَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ إِخْوَانِهِ مُسْتَجِيراً بِهِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ، فَلَمْ يُجِرْهُ بَعْدَ أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَطَعَ وَلَايَةَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى)[14].

وقوله: (فَإِنَّمَا هِيَ رَحْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاقَهَا إِلَيْهِ)، إذ إن كثيراً من الناس يستثقل حاجات الناس ويجدها عبئاً كبيراً عليه، لكنّه لو علم أنّها رحمة من الله عليه لاستقبلها بكل ترحاب.

والشجاع الثّعبان، ولعل وجه (فَإِنْ عَذَرَهُ الطَّالِبُ كَانَ أَسْوَأَ حَالًا)، أنّه إذا لم يعذره يظل وجدانه يؤرّقه فيُخفَّف عنه لذلك، لكنه إذا أعذره سكن وهدأ، ولم يعد يرى قبيح عمله (بعدم قضاء حاجة أخيه) قبيحاً، لذا يكون أسوأ حالاً.

فهذا كله غيض من بحر فيضٍ من تربيتهم المؤمن على صلة المؤمنين، وقضاء الحوائج، وروح الجماعة، وسحق الأنا.

نماذج مشرقة من تربية الأئمة (عليهم السلام)

وأمّا على المستوى العملي، فيكفي أن نسلط الأضواء على حالات بعض أصحاب المعصومين (عليهم السلام) والمثالية التي صاروا إليها ببركة تربيتهم (عليهم السلام).

سلمان حاكم العراق يجمع الحطب ويترك قصور الظلمة

أ- سلمان المحمدي، نصبه عمر حاكماً على المدائن (والمدائن كانت عاصمة الدولة الساسانية قبل الإسلام وتشمل أذربيجان وفيروز سابور وساباط وهرمز ادشير وسلوقيه (غرب دجلة) وطيسفون – المدائن الشرقية وفيها إيوان كسرى)، لكنه قال له إنَّه لا يقبل حتى يستأذن الإمام عليّاً (عليه السلام)، ولما استأذنه أذن له، فكان في واقع الأمر منصوباً من قبل الإمام (عليه السلام).

وعندما ذهب إلى المدائن، خالف عادة جميع الأمراء السابقين واللاحقين، إذ لم يسكن في مساكن الذين ظلموا، كعادة جميع الحكام الجدد، بل بنى لنفسه بيديه بيتاً صغيراً جدّاً صار مسكناً له، وهو الحاكم الأعلى على عاصمة امبراطورية عظمى سابقة، وكان بيته من الصغر بحيث أنَّه إذا أدخل رأسه داخله خرجت رجله، وبالعكس، أي كان البيت أقصر من طوله!

ثم إنّه لم يعش على أرزاق بيت المال، بل عاش على كدِّ يده، إذ كان يخرج إلى خارج منطقته فيقطع أغصان الأشجار ويبيعها في السوق، ويعيش من هذا المبلغ الزهيد جدّاً! وكان يمشي بلا حراس، ولا خدم، ولا سكرتارية، ولا ولا. فهذا نموذج ممن ربّاهم أهل البيت (عليهم السلام).

أبو حمزة الثمالي، كلقمان الحكيم في زمانه

ب- أبو حمزة الثمالي، وكان قد صحب أربعة من الأئمة (عليهم السلام): (السجاد والباقر والصادق والكاظم عليهم السلام)، ويكفي لمعرفة مكانته أن نعرف أنّه الذي أودعه الإمام (عليه السلام) الدعاء الذي يُقرأ في أسحار شهر رمضان، والذي اشتهر باسمه، وفي أوله: (إِلَهِي، لَا تُؤَدِّبْنِي بِعُقُوبَتِكَ، وَلَا تَمْكُرْ بِي فِي حِيلَتِكَ، مِنْ أَيْنَ لِي الْخَيْرُ يَا رَبِّ، وَلَا يُوجَدُ إِلَّا مِنْ عِنْدِكَ، وَمِنْ أَيْنَ لِيَ النَّجَاةُ، وَلَا تُسْتَطَاعُ إِلَّا بِكَ، لَا الَّذِي أَحْسَنَ اسْتَغْنَى عَنْ عَوْنِكَ وَرَحْمَتِكَ، وَلَا الَّذِي أَسَاءَ وَاجْتَرَأَ عَلَيْكَ وَلَمْ يُرْضِكَ، خَرَجَ عَنْ قُدْرَتِكَ يَا رَبِّ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، حَتَّى يَنْقَطِعَ النَّفَسُ.

بك عَرَفْتُكَ وَأَنْتَ دَلَلْتَنِي عَلَيْكَ وَدَعَوْتَنِي إِلَيْكَ، وَلَوْلَا أَنْتَ لَمْ أَدْرِ مَا أَنْتَ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَدْعُوهُ فِيُجِيبُنِي، وَإِنْ كُنْتُ بَطِيئاً حِينَ يَدْعُونِي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْأَلُهُ فَيُعْطِينِي، وَإِنْ كُنْتُ بَخِيلًا حِينَ يَسْتَقْرِضُنِي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أُنَادِيهِ كُلَّمَا شِئْتُ لِحَاجَتِي، وَأَخْلُو بِهِ حَيْثُ شِئْتُ لِسِرِّي بِغَيْرِ شَفِيعٍ فَيَقْضِي لِي حَاجَتِي.

الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَدْعُو غَيْرَهُ، وَلَوْ دَعَوْتُ غَيْرَهُ لَمْ يَسْتَجِبْ لِي دُعَائِي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَا أَرْجُو غَيْرَهُ، وَلَوْ رَجَوْتُ غَيْرَهُ لَأَخْلَفَ رَجَائِي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَكَلَنِي إِلَيْهِ فَأَكْرَمَنِي، وَلَمْ يَكِلْنِي إِلَى النَّاسِ فَيُهِينُونِي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي تَحَبَّبَ إِلَيَّ وَهُوَ غَنِيٌّ عَنِّي.

وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي يَحْلُمُ عَنِّي، حَتَّى كَأَنِّي لَا ذَنْبَ لِي فَرَبِّي أَحْمَدُ شَيْ‏ءٍ عِنْدِي وَأَحَقُّ بِحَمْدِي.

اللَّهُمَّ إِنِّي‏ أَجِدُ سُبُلَ الْمَطَالِبِ إِلَيْكَ مُشْرَعَةً، وَمَنَاهِلَ الرَّجَاءِ إِلَيْكَ مُتْرَعَةً، وَالِاسْتِعَانَةَ بِفَضْلِكَ لِمَنْ أَمَّلَكَ مُبَاحَةً، وَأَبْوَابَ الدُّعَاءِ إِلَيْكَ لِلصَّارِخِينَ مَفْتُوحَةً، وَأَعْلَمُ أَنَّكَ لِلرَّاجِين بِمَوْضِعِ إِجَابَةِ، وَلِلْمَلْهُوفِينَ بِمَرْصَدِ إِغَاثَةٍ، وَأَنَّ فِي اللَّهْفِ إِلَى جُودِكَ وَالرِّضَا بِقَضَائِكَ عِوَضاً مِنْ مَنْعِ الْبَاخِلِينَ وَمَنْدُوحَةً عَمَّا فِي أَيْدِي الْمُسْتَأْثِرِينَ، وَأَنَّ الرَّاحِلَ إِلَيْكَ قَرِيبُ الْمَسَافَةِ، وَأَنَّكَ لَا تَحْتَجِبُ عَنْ خَلْقِكَ إِلَّا أَنْ تَحْجُبَهُمُ الْأَعْمَالُ دُونَكَ، وَقَدْ قَصَدْتُ إِلَيْكَ بِطَلِبَتِي وَتَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِحَاجَتِي، وَجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغَاثَتِي، وَبِدُعَائِكَ تَوَسُّلِي مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِاسْتِمَاعِكَ مِنِّي، وَلَا اسْتِيجَابٍ لِعَفْوِكَ عَنِّي، بَلْ لِثِقَتِي بِكَرَمِكَ وَسُكُونِي إِلَى صِدْقِ وَعْدِكَ، وَلَجَئِي إِلَى الْإِيمَانِ بِتَوْحِيدِكَ وَثِقَتِي بِمَعْرِفَتِكَ مِنِّي أَنْ لَا رَبَّ لِي غَيْرُكَ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ‏)[15]

ومن جهة أخرى، فقد وصل إلى مرتبة ندر أن يصل إليها بشر إذ قال عنه الإمام الرضا (عليه السلام): (أَبُو حَمْزَةَ الثُّمَالِيُّ فِي زَمَانِهِ كَلُقْمَانَ فِي زَمَانِهِ)[16]، ولقمان كان قد بلغ من الحكمة درجة سامية عليا نادرة استثنائية حتى أنّه استحق أن يخلده القرآن الكريم بقوله: (وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَميدٌ * وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ)[17].

ابن أبي عمير يرفض استرجاع أمواله رغم شدة حاجته

ج- ابن أبي عمير، وهو الذي بلغ من المراتب درجة أن اعتبر العلماء من أصحاب الإجماع، قال الكشي تحت عنوان "تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم عليه السلام، وأبي الحسن الرضا عليه السلام: (أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح من هؤلاء، وتصديقهم، وأقرّوا لهم بالفقه، والعلم، وهم ستة نفر أُخر، دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام؛ منهم: يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر.

وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب.

وقال بعضهم: مكان فضالة بن أيوب: عثمان بن عيسى وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمان، وصفوان بن يحيى)[18].

وكان من أعظم أصحاب الإمام الكاظم والرضا (عليهما السلام)، وكان قد حمل عنهم علوماً كثيرة وكتب عنهم أصولاً وكتباً.

وقال السيد ابن طاووس في حقه: الشيخ المتفق على علمه وورعه وصلاحه[19].

وروي عن الفضل بن شاذان أنّه دخل على ابن أبي عمير وهو ساجد، وقد أطال السجود. فلما رفع رأسه وسأله عن طول سجوده، استقلّ ابن أبي عمير هذا السجود قياسًا بسجود جميل بن دراج ومعروف بن خربوذ[20].

ورغم علمه وورعه ومكانته عند الخاصة والعامة إلا أن السلطان الجائر (هارون الرشيد) صادر أمواله وسجنه وأمر بضربه 120 خشبة كي يعترف بأسماء الشيعة، لكنه صمد رغم شيخوخته (وكانت خشبة خاصة مذهلة في الايلام).. ثم سجن في طامورة مظلمة تحت الأرض.

والمعروف أنّ الإنسان لو عاش في مكان مظلم جدّاً أشهراً، وربما أقل، فإنّه يصاب بالعمى.. وهكذا ابتلى هذا العالم الصامد بالعمى في السجن وبقي سنين، وقيل إنَّه استمر سجنه 17 سنة، حتى دفعت أخته مبلغاً كبيراً من المال لهم (120 ألف درهم) لإطلاق سراحه، وكان سجنه بعد استشهاد الإمام الرضا (عليه السلام)[21].

وعندما خرج، كان محطم البدن، كفيف البصر، كما كانت ثروته كلها قد تبددت فترة سجنه (إذ كان من الأثرياء)، فصار صفر اليدين، لكنه كان يطلب بعض الناس أموالاً.

وكان أحدهم مديناً له بعشرة آلاف درهم، وعندما طلب منه ابن أبي عمير سداد الدين استجاب الرجل فوراً (ولم ينكر ولم يماطل ككثير من الظلمة)، ثم جاء له بالمبلغ.

سأله ابن أبي عمير من أين؟

فقال: لم أكن أملك المبلغ، لذا بعت بيتي لكي أسدد لك!

لكن ابن أبي عمير، وهو الذي تربى على يد الأئمة (عليهم السلام)، رفض استلام المبلغ، وقال: قال (عليه السلام): (لَا تُبَاعُ الدَّارُ وَلَا الْجَارِيَةُ فِي الدَّيْنِ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلرَّجُلِ مِنْ ظِلٍّ يَسْكُنُهُ وَخَادِمٍ يَخْدُمُهُ)[22]، رغم أنّه كان أحوج ما يكون إليه!

وقال الشيخ الصدوق: (فقال ابن أبي عمير: حدثني ذريح المحاربي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنّه قال: لا يُخرَجُ الرجل عن مسقط رأسه بالدَّين، ارفعها فلا حاجة لي فيها، والله إنّي محتاج في وقتي هذا إلى درهم، وما يدخل ملكي منها درهم)[23].

مكانته العلمية

وقال عنه الشيخ الطوسي: إنّه كان أوثق الناس عند الخاصة والعامة، وأنسكهم نسكاً، وأورعهم، وأعبدهم. أدرك من الأئمة ثلاثة: أبا إبراهيم موسى بن جعفر (عليه السلام) ولم يرو عنه، وروى عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

وقال عنه أبو عمرو الكشي: قال محمد بن مسعود حدثني علي بن الحسن قال ابن أبي عمير: أفقه من يونس بن عبد الرحمن، وأصلح وأفضل[24].

وقع في أسناد الكثير من الروايات، والتي بلغ عددها ستمائة وخمسة وأربعين مورداً[25].

الخاتمة:

خلص البحث إلى أنّ دورنا نحن المؤمنين هو أن نسير في نفس المسيرة التي أرسى دعائمها الرسل (عليهم السلام) والأوصياء (عليهم السلام)، وهي مسيرة بناء الإنسان على مستوى التنظير من جهة، وعلى مستوى التطبيق من جهة أخرى، فإنّنا، وإن لم يكن من الممكن لنا أبداً الوصول إلى أدنى درجات بنائهم المثالي للإنسان الرسالي، إلا أنّ علينا أن نسير في الأثر، وأن نستعين بتعاليمهم في هذا الدرب الطويل الشائك.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين

* سلسلة محاضرات في تفسير القرآن الكريم

http://m-alshirazi.com

...............................................

[1] سورة الحديد: 25.

[2] سورة إبراهيم: 1.

[3] ابن أبي جمهور الأحسائي، عوالي اللآلئ، دار سيد الشهداء (عليه السلام) ـ قم: ج1 ص149.

[4] سورة المطففين: 14.

[5] الشيخ الصدوق، علل الشرائع، مكتبة الداوري ـ قم: ج1 ص81.

[6] سورة البقرة: 74.

[7] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص332.

[8] سورة التحريم: 8.

[9] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة: ج2 ص610.

[10] سورة يس: 30.

[11] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص367.

[12] سورة الواقعة: 6-11.

[13] سورة التوبة: 106.

[14] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج2 ص367.

[15] مصباح المتهجد وسلاح المتعبد: ج2 ص582.

[16] رجال الكشي: ص203.

[17] سورة لقمان: 12-13.

[18] الشيخ الطوسي، اختيار معرفة الرجال (للشيخ الكشّي)، ج 2، ص 830.

[19] الخوئي، معجم رجال الحديث، ج 15، ص 298.

[20] الطوسي، اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، ص 184.

[21] يراجع البحار ج49 ص278.

[22] الشيخ الكليني، الكافي، دار الكتب الإسلامية ـ طهران: ج5 ص96.

[23] الشيخ الصدوق، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص190.

[24] العلامة الحلي، خلاصة الأقوال في معرفة الرجال، ص 239.

[25] السيد الخوئي، معجم رجال الحديث، ج 15، ص 298.

ذات صلة

خديجة الكبرى: الشهيدة البيضاء والدرع الذي حَمى فجر الإسلامالسلة الرمضانية: رسالة إنسانية تتجاوز الجوعالدولة العراقية.. مسار الاستمرارية وإدراك المعادلة الاقليمية‏خور عبد الله.. السيادة المعلقةدور النصيحة في اتخاذ القرار السليم