أزمات بلا نهاية.. حين تتحول الحاجة إلى أداة نفوذ في العراق

شبكة النبأ

2026-08-22 04:41

بين الكهرباء والماء والغاز والوقود، لم تعد أزمة المواطن العراقي مجرد معاناة يومية مع خدمات ناقصة، بل تحولت إلى إشكالية أعمق تمس طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالعراق لا يواجه أزمات خدمية معزولة، ولا يمكن اختزال ما يجري في نظرية افتعال مباشرة، لكنه يعيش منذ عقود داخل اختلالات مزمنة جعلت الحاجة اليومية جزءًا من بنية الحياة العامة، وفتحت المجال أمام شبكات مصالح ووساطات ونفوذ تنمو حول ضعف الخدمة بدل أن تنتهي بانتهائها.

في اليوم العراقي العادي، يبدأ الانشغال بالخدمة قبل أن يبدأ العمل نفسه. على المواطن أن يعرف كم ساعة ستصل الكهرباء، وهل سيحتاج إلى تشغيل المولد الأهلي، وكم ستبلغ كلفة الاشتراك، ثم يتأكد من وجود الماء وإمكانية الحصول على الوقود، بينما تنشغل أسر أخرى بموعد الراتب، أو فرصة التعيين الحكومي، أو كلفة شراء مياه صالحة للاستخدام. وفي الصيف، حين تقترب درجات الحرارة في بعض المحافظات من خمسين درجة مئوية، لا تبقى هذه التفاصيل مشكلات خدمية عابرة، بل تصبح عناصر تحدد شكل الحياة اليومية، وتستهلك جزءًا من دخل المواطن ووقته وأعصابه.

قد يبدو الحديث عن كون هذه الأزمات «حقيقية أم مصطنعة» جذابًا في بلد يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات النفطية في العالم، غير أن الوقائع تجعل الصورة أكثر تعقيدًا. فالعراق يعاني بالفعل اختلالات حقيقية في منظومات الكهرباء والمياه والطاقة، وبعضها يرتبط بعوامل إقليمية ومناخية لا تتحكم بها الحكومة العراقية بالكامل. غير أن ما يصعب تجاهله هو أن هذه الأزمات، بعد عقود من الإنفاق والموازنات النفطية الضخمة، تحولت من مشكلات يفترض أن تكون قابلة للحل إلى حالة شبه دائمة يعيش المواطن داخلها، وتنشأ حولها مصالح اقتصادية وسياسية واجتماعية تجعل استمرار الحاجة جزءًا من العلاقة بين الفرد والدولة.

أزمة حقيقية لا تحتاج إلى اختراع

تكشف أزمة الكهرباء حجم المشكلة بوضوح. ففي الرابع من أغسطس/آب 2026، ومع تصاعد الاحتجاجات في محافظات جنوبية، أقر وزير الكهرباء العراقي بأن حاجة البلاد في ذروة الصيف تصل إلى نحو ستين ألف ميغاواط، بينما لم يكن الإنتاج الفعلي يتجاوز نحو اثنين وعشرين ألف ميغاواط؛ أي إن العراق كان يوفر ما يقارب ثلث احتياجاته الفعلية فقط، في وقت أدت فيه الانقطاعات المتكررة إلى زيادة اعتماد المنازل والمصانع والمتاجر على المولدات الخاصة وارتفاع كلفة التشغيل.

ولا تبدو المشكلة وليدة صيف استثنائي. فالبنك الدولي، في تقييم حديث لقطاع الكهرباء العراقي نشر عام 2026، وصف القطاع بأنه يعاني تحديات هيكلية مزمنة نتيجة النمو السريع للطلب، ونقص الإمدادات، والاعتماد الكبير على الغاز المستورد، رغم امتلاك العراق احتياطيات ضخمة من النفط والغاز. كما أشار البنك إلى أن الاقتصاد العراقي يحصل على أكثر من تسعين في المئة من إيرادات الحكومة من النفط، بينما يعمل أكثر من ثلث القوى العاملة في القطاع العام، وهي معادلة تجعل المفارقة بين حجم الموارد ومستوى الخدمات أكثر وضوحًا.

وقد أظهر اعتماد الكهرباء على الغاز الخارجي هشاشة المنظومة كلما تعرضت المنطقة لاضطراب. ففي ديسمبر/كانون الأول 2025، أدى توقف إمدادات الغاز الإيراني إلى فقدان ما بين أربعة آلاف وأربعة آلاف وخمسمئة ميغاواط من التوليد، وفي مارس/آذار 2026، عندما استؤنف الضخ بعد توقف جديد، عادت الإمدادات بخمسة ملايين متر مكعب يوميًا فقط، مقارنة بكمية تعاقدية تبلغ خمسين مليون متر مكعب، الأمر الذي ساعد على استقرار الشبكة عند مستوى ظل بعيدًا عن الطلب الفعلي.

وتشير رويترز في أغسطس/آب 2026 إلى أن العراق يشتري من إيران غازًا بقيمة تتراوح بين أربعة وخمسة مليارات دولار سنويًا، وهو اعتماد يجعل قطاعًا حيويًا مثل الكهرباء مرتبطًا ليس فقط بقدرة العراق الداخلية، بل بالتوترات الإقليمية والعقوبات والحروب ومستوى إنتاج دولة أخرى. ومن هذه الزاوية، لا يمكن وصف أزمة الكهرباء بأنها وهم؛ فهناك نقص حقيقي في الإنتاج، واختلال في الشبكات، واعتماد خارجي واضح، وطلب يتزايد بصورة أسرع من قدرة المنظومة على الاستجابة.

الماء.. أزمة طبيعية تضاعفها الإدارة الضعيفة

ينطبق الأمر نفسه، جزئيًا، على المياه، لكن الصورة هنا تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة. فقد دخل العراق عام 2026 بعد إحدى أخطر مراحل الجفاف في تاريخه الحديث، عندما هبط الخزين المائي في أواخر عام 2025 إلى نحو أربعة مليارات متر مكعب، وهو مستوى وصفته الأمم المتحدة بأنه الأدنى منذ نحو ثمانين عامًا، مع تهديدات مباشرة للصحة والأمن الغذائي والاقتصاد ومصادر رزق ملايين السكان.

غير أن الأمطار الغزيرة خلال شتاء 2025-2026 حسّنت الوضع بصورة ملموسة. ففي يونيو/حزيران 2026، قالت الأمم المتحدة إن العراق أصبح يمتلك احتياطيات تكفي تقريبًا لمياه الشرب والاستخدامات المنزلية لعامين، لكنها حذرت في الوقت نفسه من أن هذا التحسن عوّض نحو ربع فقط مما فقده البلد منذ عام 2020، وأن ندرة المياه في العراق مشكلة هيكلية لا تلغيها سنة مطيرة واحدة، خصوصًا مع ارتفاع درجات الحرارة، وزيادة التبخر، والضغط الزراعي، وتراجع التدفقات العابرة للحدود.

ويصف إطار التعاون الجديد للأمم المتحدة مع العراق ندرة المياه ونوعيتها وأمنها بأنها من أكثر القضايا إلحاحًا في البلاد، لما تفرضه من ضغوط على الاستهلاك البشري والزراعة والتنمية الاقتصادية والبيئة. كما تشير تقارير الأمم المتحدة إلى أن أحياء عراقية عديدة تعاني بصورة دورية من انقطاع خدمات المياه وتدهور نوعيتها، بسبب تداخل تغير المناخ مع تقادم البنى التحتية وضعف التخطيط الحضري.

الأزمة، إذًا، موجودة بالفعل، لكن وجود الجفاف لا يفسر وحده كل ما يعانيه المواطن من شبكات توزيع متقادمة، وهدر واسع للمياه، وسوء إدارة، وضعف قدرة المدن على التكيف مع تغير المناخ. هنا يبدأ الحد الفاصل بين الأزمة الطبيعية والأزمة التي تضاعفها الدولة، وبين ما تفرضه البيئة وما يعمّقه ضعف الحوكمة.

البنزين.. هشاشة بلد نفطي

في بلد نفطي، تبدو طوابير الوقود من أكثر المشاهد إثارة للمفارقة، لكن تعميم أزمة البنزين على جميع أنحاء العراق لا يعكس الصورة بدقة. الأزمة الأشد خلال صيف 2026 ظهرت في إقليم كردستان، حيث وثقت وكالة أسوشيتد برس في أواخر يوليو/تموز انتظار مواطنين لساعات، وبعضهم طوال الليل، للحصول على البنزين، في حين أغلقت محطات خاصة أبوابها واستمرت محطات حكومية محدودة في التوزيع وسط تقنين الإمدادات.

وأكدت وزارة الثروات الطبيعية في الإقليم وجود نقص، واتخذت إجراءات لزيادة الإمدادات والاستيراد، بينما ارتبط جزء من الاضطراب بتراجع إمدادات الخام ومشكلات الأسعار، بالتزامن مع اضطراب إنتاج الغاز والطاقة نتيجة الأوضاع الأمنية الإقليمية. وتعيد هذه الأزمة إنتاج المفارقة ذاتها: المشكلة ليست مختلقة من العدم، لكنها تكشف هشاشة منظومة يفترض، في بلد يقوم اقتصاده أساسًا على النفط، أن تكون أكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

الأزمة لا تكمن في وقوع المشكلة بل في ديمومتها

إذا كانت الكهرباء والمياه والغاز والوقود تواجه أسبابًا حقيقية، فإن المعضلة الأعمق تكمن في قدرة هذه الأسباب على التحول إلى واقع دائم. لا يمكن تفسير استمرار الخلل بنظرية واحدة، فالعراق خرج خلال العقود الماضية من حروب وعقوبات واحتلال وعنف داخلي وصراعات سياسية وتوسع سكاني سريع، غير أن هذه الظروف لا تلغي حقيقة أن الدولة أنفقت مبالغ ضخمة على قطاعات الخدمات من دون أن تصل إلى مستوى استقرار يتناسب مع الموارد المتاحة.

وقد ذهب البرلمان العراقي نفسه، في يوليو/تموز 2026، إلى المطالبة بإعادة فتح ملفات فساد مرتبطة بوزارة الكهرباء تعود إلى عام 2005، ومراجعة العقود والمشاريع التي يُشتبه بهدر المال العام فيها. وهذه الخطوة تعكس أن تفسير أزمة الكهرباء لم يعد محصورًا في الغاز والحرارة والطلب المرتفع، بل امتد إلى طريقة إدارة القطاع والإنفاق فيه.

في هذا المستوى، تصبح ثنائية «أزمة حقيقية» أو «أزمة مصطنعة» غير كافية. فقد تكون الأزمة الأصلية حقيقية، لكن طريقة التعامل معها هي التي تسمح لها بالبقاء. وقد لا يقرر مسؤول قطع الكهرباء عمدًا عن ملايين المواطنين، لكن الفساد، أو سوء التخطيط، أو تأخير المشاريع، أو تضارب المصالح، يمكن أن يؤدي عمليًا إلى النتيجة نفسها: خدمة غير مستقرة، ومواطن مضطر إلى البحث عن بديل.

عندما تتحول المشكلة إلى سوق

لكل خدمة عامة ضعيفة بديل خاص تقريبًا. عندما تنقطع الكهرباء يظهر المولد الأهلي، وعندما تتدهور نوعية المياه يزداد الاعتماد على المياه المشتراة، وعندما تعجز الدولة عن توفير فرصة اقتصادية مستقرة تتوسع شبكات الوساطة للحصول على الوظيفة أو العقد أو المعاملة. ولا يعني ذلك أن كل من يقدم خدمة بديلة مسؤول عن انهيار الخدمة الحكومية، فالمولد مثلًا يحل مشكلة حقيقية لدى الأسرة، لكنه يكشف في الوقت نفسه مفارقة اقتصادية: المواطن يدفع للدولة بصورة مباشرة أو غير مباشرة من موارد البلاد، ثم يدفع مرة أخرى للحصول على الخدمة التي لم تتمكن الدولة من توفيرها باستقرار.

في أغسطس/آب الحالي، أظهرت الاحتجاجات في ذي قار وميسان أن الأمر لم يعد مجرد انزعاج صيفي. فقد أدت تراجعات الكهرباء إلى قطع طرق واحتجاجات، وفي ميسان وقعت مواجهات أصيب خلالها أفراد من القوات الأمنية، بينما ظل ملايين العراقيين يعتمدون على المولدات الخاصة لتعويض فجوة الإنتاج الحكومية.

هنا يمكن الحديث عن «اقتصاد الأزمة»، لكن من دون القفز إلى استنتاج أن أصحاب المصالح الخاصة هم من يصنعون الأزمات. فالفرق كبير بين القول إن هناك من يستفيد من الأزمة وبين إثبات أنه تسبب بها عمدًا، ولا توفر الأدلة المنشورة حتى الآن أساسًا كافيًا لتحويل الفرضية الثانية إلى حقيقة صحفية. غير أن استفادة بعض الأطراف من استمرار الخلل تجعل الإصلاح أكثر صعوبة، لأن الأزمة لم تعد عبئًا على الجميع بالدرجة نفسها، بل صارت مصدر دخل ونفوذ لبعض الشبكات.

من الحاجة إلى التبعية

تشكل الاقتصاد العراقي لعقود حول نموذج ريعي تأتي فيه الإيرادات الرئيسة من النفط، وتستخدم الدولة جانبًا كبيرًا منها في دفع الرواتب وتمويل الجهاز العام. ويرى تشاتام هاوس أن الدولة العراقية أصبحت تاريخيًا المزود المركزي للدخل والخدمات، إلى درجة ترسخت معها توقعات بأن يأتي الراتب والكهرباء والماء من الدولة، بينما توسع التوظيف العام بصورة كبيرة بعد عام 2003.

ولا تتحول هذه العلاقة إلى خلل لمجرد أن الحكومة توظف المواطنين؛ فالدولة موجودة أصلًا لتوفير الخدمات وتنظيم الحقوق العامة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتراجع الحدود بين الحق والمنحة، وعندما يحتاج الفرد إلى وسيط سياسي أو حزبي للحصول على ما يفترض أن يكون متاحًا وفق قواعد عامة.

وقد أظهرت دراسات تشاتام هاوس حول الفساد في العراق أن توسع الوظائف الحكومية استُخدم، في بعض الحالات، لبناء شبكات محاباة، وأن السيطرة الحزبية على مؤسسات الدولة والعقود العامة سمحت بتكوين أنظمة ولاء ومصالح تتجاوز الوظيفة الاقتصادية الطبيعية للدولة. وبهذا المعنى، قد لا تكون الكهرباء مقطوعة كي يذهب المواطن إلى حزب معين، لكن البيئة التي تنتجها الدولة الضعيفة تسمح للوسيط الذي يستطيع حل المشكلة بأن يكتسب نفوذًا. فإذا كان الوصول إلى الوظيفة أو الخدمة أو المعاملة يحتاج إلى شخص قادر على فتح باب مغلق، فإن هذا الشخص يملك شيئًا من القوة التي كان يفترض أن تمتلكها المؤسسة العامة وفق قواعد متساوية للجميع.

المواطن الذي يستهلك طاقته في إدارة الحاضر

النتيجة النفسية والاجتماعية لهذه البيئة لا تُقاس بسهولة بعدد الميغاواط أو أمتار المياه المكعبة، لكنها ربما تكون أخطر من الأرقام نفسها. فالأسرة التي تخصص جزءًا من دخلها للكهرباء البديلة والمياه والنقل، وتعيش في قلق دائم من انقطاع خدمة أساسية، لا تتعامل مع الوقت بالطريقة نفسها التي تتعامل بها أسرة تعيش في بيئة مستقرة.

والشاب الذي يرى أن الطريق الأكثر أمانًا لمستقبله هو انتظار تعيين حكومي قد يقل اندفاعه نحو مشروع خاص أو مخاطرة اقتصادية، خصوصًا إذا كان القطاع الخاص نفسه يعمل داخل بيئة تعاني نقص الكهرباء، وضعف البنية التحتية، وعدم استقرار القواعد. ويرى البنك الدولي أن ضخامة القطاع العام في العراق تقيد نمو القطاع الخاص وتعمق الاختلالات الاقتصادية المزمنة، وهو ما يعني أن اعتماد المواطن على الدولة ليس قضية ثقافية فحسب، وإنما نتيجة لنموذج اقتصادي يجعل البدائل محدودة.

من هنا يمكن فهم فكرة «إشغال المواطن بالأزمة» بعيدًا عن منطق المؤامرة المباشرة. ليس من الضروري وجود غرفة سياسية تقرر أن يبقى العراقي منشغلًا بالكهرباء والماء حتى يتحقق هذا الأثر فعليًا؛ فالنظام الذي يفشل بصورة مزمنة في ضمان الاحتياجات الأساسية ينتج تلقائيًا مواطنًا يستهلك جزءًا كبيرًا من طاقته في إدارة الحاضر، ويترك له مساحة أقل للتفكير في المستقبل.

إنسان ينتظر الكهرباء لا يفكر في الكهرباء وحدها، بل يعيد ترتيب يومه ومشروعه وعمله حولها. وصاحب مصنع يدفع للمولد لا يحسب فاتورة الطاقة فقط، وإنما يعيد حساب قدرته على التوسع وتوظيف عمال جدد. والمزارع الذي يخسر المياه لا يخسر محصولًا واحدًا فحسب، بل قد يترك الأرض وينتقل إلى المدينة، وهو ما وثقته تقارير رويترز خلال أزمة الجفاف في مناطق عراقية زراعية.

تشرين.. حين تحولت الخدمة إلى قضية سياسية

تفسر هذه البيئة جانبًا مما حدث في احتجاجات تشرين عام 2019، عندما خرجت مطالب المواطنين من حدود تحسين الكهرباء أو توفير العمل، لتصل إلى قضايا تتعلق بالفساد والنظام السياسي وطبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فقد وصف برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الاحتجاجات العراقية بأنها انعكاس لخلل في العقد الاجتماعي، وحدد ضمن العوامل التي تضعفه الفساد، وضعف الاقتصاد، ورداءة الخدمات، وقلة فرص الوصول إليها، وضعف تمكين المواطنين، وهي نتيجة جاءت بعد دراسات ومجموعات نقاش وتحليل عشرات الملايين من المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتكمن أهمية هذه النتيجة في أنها تظهر أن أزمة الخدمة لا تبقى دائمًا أزمة خدمة. فالمواطن الذي يطالب أولًا بمزيد من ساعات الكهرباء يمكن أن يصل، بعد سنوات من الوعود نفسها، إلى مستوى أعمق من الاعتراض: لماذا لا تستطيع الدولة إصلاح الكهرباء أصلًا؟ ومن هنا تتحول المطالبة الفنية إلى قضية سياسية عن الحوكمة والمساءلة وتوزيع الثروة.

دولة نفطية تبحث عن الكهرباء والماء

تزداد المفارقة وضوحًا في أغسطس/آب 2026، بينما يتحدث العراق عن خطة لرفع طاقته الإنتاجية النفطية إلى ما بين ثمانية وعشرة ملايين برميل يوميًا خلال ست سنوات، في الوقت الذي لا تزال فيه مدن عراقية تشهد احتجاجات على الكهرباء، ويستمر النقاش حول المياه والغاز والوقود.

المشكلة، إذًا، ليست في غياب الموارد وحده، فالعراق ليس دولة بلا نفط تحاول توزيع الفقر، بل دولة نفطية تحاول منذ سنوات تحويل ثروة هائلة إلى دولة خدمات مستقرة، ولم تنجح بعد في حسم هذه المعادلة. وهذه المفارقة هي التي تجعل الشك في طبيعة استمرار الأزمات مفهومًا لدى المواطن، حتى إن لم تتوافر أدلة تثبت وجود قرار مباشر بافتعالها.

بين صناعة الأزمة وصناعة الحاجة

المسألة لا تحتاج بالضرورة إلى إثبات وجود قرار مباشر بافتعال الأزمة كي نفهم أثرها السياسي والاجتماعي؛ فالأخطر من صناعة الأزمة عمدًا هو تركها تستمر حتى تتحول إلى نظام غير معلن لإنتاج الحاجة. فحين تتكرر أزمات الكهرباء والماء والوقود عبر السنين، وتفشل الدولة في تحويل الموارد إلى خدمات مستقرة، تنشأ حول هذا الفشل مصالح ووساطات ونفوذ، ويصبح المواطن أكثر اعتمادًا على البدائل الخاصة والجهات القادرة على تسهيل الوصول إلى الخدمة أو الوظيفة أو المعاملة. وهنا لا تكون الأزمة مجرد عطل في الإدارة، بل تتحول إلى علاقة تبعية تُضعف استقلال المواطن وتمنع نشوء ثقة حقيقية بين الدولة والمجتمع.

ومع مرور الوقت، يمكن أن يصبح النظام الذي نشأ للتكيف مع الأزمة أقل حماسًا لتغيير البيئة التي منحت بعض مكوناته نفوذًا أو دخلًا أو قدرة على توزيع الامتيازات.

بهذا المعنى، يصبح مفهوم «صناعة الحاجة» أكثر دقة من مفهوم «صناعة الأزمة». فالمواطن الذي يحصل على كهرباء مستمرة وماء مضمون وتعليم جيد وفرصة عمل في قطاع خاص منتج يستطيع أن يقيم علاقته بالدولة من موقع مختلف؛ فهو لا يحتاج إلى مسؤول ليمنحه كهرباء، ولا إلى حزب ليبحث له عن وظيفة، ولا إلى وسيط ليسرّع له معاملة عادية.

أما عندما تصبح الخدمات والوظيفة والامتيازات نادرة، فإن الشخص القادر على الوصول إليها يكتسب قيمة سياسية واجتماعية، وتتحول الندرة من مشكلة إدارية إلى مصدر قوة. لذلك لا تحتاج منظومة التبعية بالضرورة إلى افتعال أزمة كل صباح، وإنما يكفي أحيانًا أن تفشل في بناء مؤسسات تجعل المواطن مستقلًا عنها.

وهذه ربما تكون المفارقة الأكثر حساسية في الحالة العراقية: الدولة التي يفترض أن تحرر مواطنيها من الحاجة عبر بناء الخدمات قد تنتج، حين تضعف مؤسساتها، درجة أكبر من الاعتماد عليها وعلى الوسطاء الموجودين داخلها وحولها.

الأزمة الأخطر ليست انقطاع الكهرباء

بعد أكثر من عقدين على تغيير النظام السياسي، ما زال العراقي يواجه العناوين نفسها بصيغ متكررة: نقص الكهرباء، شح المياه، اضطراب الغاز، احتجاجات على الخدمات، مشاريع معلنة، لجان تحقيق، ووعود بأن الصيف المقبل سيكون أفضل. ولا يمكن إنكار أن جانبًا من هذا الواقع يرتبط بعوامل حقيقية، كتغير المناخ، وانخفاض الإيرادات المائية، والحروب الإقليمية، واضطراب إمدادات الغاز، والنمو السكاني، وتصاعد الطلب على الكهرباء. غير أن الاعتراف بهذه العوامل لا يفسر وحده تحوّل الأزمة إلى نمط دائم في حياة الناس، ولا يعفي الدولة من مسؤولية بناء منظومات قادرة على امتصاص الصدمات بدل إعادة إنتاجها كل عام.

بين العامل الخارجي والخلل الداخلي توجد مساحة واسعة اسمها الحوكمة، وفي هذه المساحة تحديدًا يتحدد الفرق بين دولة تواجه أزمة عابرة ودولة تتحول الأزمة فيها إلى جزء من الحياة اليومية. فالمشكلة لا تكمن فقط في انقطاع الكهرباء أو تراجع المياه أو اضطراب الوقود، بل في عجز المؤسسات عن منع هذه الأزمات من التحول إلى مصير متكرر يستهلك وقت المواطن ودخله وطاقته، ويدفعه إلى الانشغال بضرورات كان يفترض أن تكون محسومة قبل أن يفكر في التعليم والعمل والاستثمار والمستقبل.

ولذلك لا يتمثل التحدي الحقيقي في إثبات وجود من يفتعل الأزمة عمدًا، بقدر ما يتمثل في فهم كيف عجزت دولة نفطية تتدفق إليها العائدات منذ عقود عن بناء مؤسسات تجعل انقطاع الكهرباء والماء والوقود حدثًا استثنائيًا لا جزءًا مألوفًا من الحياة العامة. فحين يستمر الفشل طويلًا، لا يعود مجرد خلل إداري، بل يتحول إلى بيئة تنتج الاعتماد والوساطة والبدائل المكلفة، وتمنح بعض الأطراف قدرة على تحويل الحاجة العامة إلى نفوذ خاص.

فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى صناعة الأزمة كي تستفيد من نتائجها، كما أن الفشل لا يحتاج دائمًا إلى مؤامرة كي يصنع التبعية. وفي المسافة بين الأزمة غير المصطنعة واستمرارها غير البريء، يقف المواطن العراقي محاولًا إدارة يومه في بلد يمتلك من الثروة ما يكفي لصناعة مستقبل مختلف، بينما لا يزال جزء كبير من طاقته يُستهلك في البحث عن أبسط متطلبات الحاضر.

ذات صلة

التربية العقائدية.. من تأسيس الاعتقاد إلى ترسيخ القناعة والسلوكالتغيير الحقيقي من الداخلالهيبة الأمريكية بعد المواجهة مع إيران.. التداعيات الاستراتيجيةموازنة البرامج وحدها لن تنقذ العراق.. ماذا يقول الجوار العربي؟قطع أرزاق الناس.. عصا دول الخليج لتصفية حساباتها السياسية