الامارات والسعودية في القرن الإفريقي واليمن.. تنافس صفري وحروب بالوكالة

شبكة النبأ

2026-02-11 03:36

تحولت منطقة القرن الإفريقي واليمن، بموقعها الاستراتيجي الحاكم على البحر الأحمر، من فضاء للتعاون الخليجي المشترك إلى مسرح مفتوح لـ"حرب باردة" وصراع جيوسياسي محتدم بين الحليفين التقليديين: المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة.

يكشف هذا التقرير كيف انتقل التباين بين العاصمتين من الغرف المغلقة إلى العلن، حيث تسعى الرياض لفرض نفوذها المركزي كـ"ربان وحيد" للمنطقة عبر الثقل المالي والدبلوماسي، في مواجهة طموح إماراتي متصاعد يعتمد على بناء قواعد عسكرية سرية (كما كُشف في إثيوبيا)، ودعم قوى انفصالية وميليشيات (في اليمن والسودان)، وهندسة تحالفات جريئة (مع أرض الصومال وإسرائيل). ويرصد التقرير تفاصيل هذا الصراع الذي بات يهدد بتفكيك التحالفات التقليدية وإعادة رسم خارطة النفوذ في الشرق الأوسط وإفريقيا.

مقدمة: القرن الإفريقي واليمن وإعادة تشكيل الخرائط الجيوسياسية

تشكل منطقة القرن الإفريقي، بموقعها الجيوستراتيجي الحاكم على المدخل الجنوبي للبحر الأحمر ومضيق باب المندب، نقطة ارتكاز حيوية للأمن القومي العربي ولشرايين التجارة العالمية التي تربط الشرق بالغرب. لطالما كانت هذه المنطقة، التي تضم دولاً محورية كإثيوبيا والصومال والسودان وتجاور اليمن، فضاءً تقليدياً للنفوذ العربي، ومسرحاً للتعاون الأمني والاقتصادي. إلا أن السنوات القليلة الماضية شهدت تحولاً جذرياً في ديناميكيات القوة داخل هذا الإقليم، حيث تحولت هذه الرقعة الجغرافية من مساحة للتكامل الاستراتيجي بين قطبي التحالف العربي -المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة- إلى ساحة مفتوحة لتنافس محموم، وصراع نفوذ معقد، بات يهدد بإعادة رسم التحالفات الإقليمية ويفكك عرى الشراكة التقليدية بين الرياض وأبوظبي.

لم يعد هذا التباين في المصالح مجرد اختلاف في وجهات النظر التكتيكية، بل تطور ليصبح افتراقاً استراتيجياً في الرؤى والأهداف. فالرياض، التي تقود "رؤية 2030" الطموحة، تسعى لفرض حالة من الاستقرار الإقليمي "المركزي" بقيادتها المنفردة، معتبرة أن أمن البحر الأحمر واليمن هو امتداد مباشر لأمنها القومي والداخلي، ولا يقبل القسمة أو التعددية في القيادة. في المقابل، تنتهج أبوظبي سياسة خارجية تتسم بالجرأة والاستقلالية، تهدف من خلالها إلى ترسيخ مكانتها كقوة إقليمية صاعدة، عبر بناء شبكة نفوذ واسعة تعتمد على الموانئ الاستراتيجية، والقواعد العسكرية، والتحالفات المرنة مع قوى صاعدة أو انفصالية، حتى وإن تعارض ذلك مع رغبات "الشقيقة الكبرى".

يتجلى هذا الصراع بوضوح في مسارح عمليات متعددة؛ بدءاً من إثيوبيا، حيث يتعاظم النفوذ الإماراتي عبر دعم نظام أبيي أحمد مالياً وعسكرياً، وصولاً إلى بناء قواعد سرية لتدريب مقاتلين لصالح أطراف في النزاع السوداني، وهو ما يضعها في تضاد مع المقاربة السعودية-المصرية. ويمتد التنافس إلى الصومال، حيث تثير تحركات أبوظبي في "أرض الصومال" وعلاقاتها مع إسرائيل حفيظة مقديشو وتدفعها نحو محور الرياض. أما في اليمن، فقد سقطت ورقة التوت تماماً، وتحول التحالف العسكري المشترك إلى سباق للسيطرة؛ حيث تسعى السعودية عبر ضخ المليارات وشراء الولاءات إلى إنهاء النفوذ الإماراتي في الجنوب، وتفكيك التشكيلات العسكرية التي بنتها أبوظبي على مدار سنوات، ليكون القرار اليمني "تحت ربان واحد".

إن هذا التقرير يغوص في تفاصيل هذا المشهد المعقد، راصداً المؤشرات الميدانية والسياسية لهذا التصدع الذي انتقل من الغرف المغلقة إلى العلن، عبر تراشق إعلامي غير مسبوق، وحروب بالوكالة، واصطفافات دولية جديدة. نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ العلاقات الخليجية، حيث لم تعد لغة الدبلوماسية قادرة على إخفاء حقيقة أن المصالح الوطنية باتت تعلو فوق اعتبارات التحالف التقليدي، وأن القرن الإفريقي بات المرآة التي تعكس الوجه الجديد للتنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط.

المحور الأول: إثيوبيا.. قلعة النفوذ الإماراتي والعمليات العسكرية السرية

على تلة استراتيجية تشرف على العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، ترتفع الرافعات العملاقة لتشييد قصر رئاسي فخم لرئيس الوزراء الإثيوبي أبيي أحمد، في مشروع تموله جزئياً دولة الإمارات العربية المتحدة. هذا المشهد المعماري ليس مجرد ورشة بناء، بل هو التجسيد المادي الأبرز للتحول الجيوسياسي الذي جعل من إثيوبيا، الدولة الأكبر سكاناً في المنطقة بنحو 130 مليون نسمة، حجر الزاوية في الاستراتيجية الإماراتية للتوسع في القرن الإفريقي.

لقد نجحت أبوظبي، عبر مزيج من الدبلوماسية المالية والاقتصادية، في ترسيخ نفوذها داخل مفاصل الدولة الإثيوبية. فمنذ صعود أبيي أحمد إلى السلطة في عام 2018، سارعت الإمارات لتقديم حزمة إنقاذ مالي ضخمة شملت قرضاً بقيمة ثلاثة مليارات دولار، تلاه اتفاق حيوي لمبادلة العملات في عام 2023 ساهم في دعم العملة المحلية المتهاوية. وبحسب المحلل السابق في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كاميرون هدسون، فإن هذه التبعية المالية حولت إثيوبيا عملياً إلى "دولة تابعة" تدور في فلك السياسات الإماراتية، مما مهد الطريق لانتقال هذا النفوذ من القوة الناعمة إلى الانخراط العسكري المباشر والسري.

في تطور خطير كشفت عنه تقارير استخباراتية وصور أقمار صناعية حديثة، تحولت الأراضي الإثيوبية إلى قاعدة خلفية للعمليات العسكرية الإماراتية المرتبطة بالحرب في السودان. فقد تم رصد إنشاء معسكر سري للتدريب العسكري في منطقة "بني شنقول-قمز" النائية غرب إثيوبيا، وتحديداً في حي "مينجي". يتميز هذا الموقع بحساسية استراتيجية بالغة؛ إذ لا يبعد سوى 32 كيلومتراً عن الحدود السودانية، ونحو 101 كيلومتر عن سد النهضة الإثيوبي، مما يجعله نقطة ارتكاز مثالية للعمليات عبر الحدود. وتشير الوثائق الأمنية والبرقيات الدبلوماسية إلى أن الإمارات لم تكتفِ بتمويل بناء هذا المعسكر، بل قدمت مدربين عسكريين ودعماً لوجستياً لتجهيز آلاف المقاتلين.

وتظهر صور الأقمار الصناعية التي التقطت في النصف الثاني من عام 2025 نشاطاً مكثفاً في الموقع، شمل تشييد أكثر من 640 خيمة عسكرية، مما يوفر قدرة استيعابية لا تقل عن 2500 مقاتل في وقت واحد، بينما تشير تقديرات دبلوماسية إلى أن المعسكر مصمم لاستيعاب ما يصل إلى عشرة آلاف مقاتل. وقد رصد مسؤولون عسكريون قوافل شاحنات تحمل شعار شركة "جوريكا جروب" الإماراتية للخدمات اللوجستية وهي تنقل مجندين جدداً - معظمهم من الإثيوبيين وبعضهم من السودان وجنوب السودان - عبر الطرق الوعرة نحو المعسكر، ليتم إعدادهم للقتال لصالح "قوات الدعم السريع" السودانية في ولاية النيل الأزرق المجاورة.

وبالتوازي مع هذا النشاط البري، يجري العمل على قدم وساق لتطوير مطار مدينة "أصوصا" الذي يبعد 53 كيلومتراً عن المعسكر. وتكشف الصور الفضائية عن إنشاء حظيرة طائرات جديدة ومحطة تحكم أرضية للطائرات المسيرة في المطار. ويهدف هذا المشروع، الممول إماراتياً أيضاً وفقاً لمسؤولين إثيوبيين، إلى تحويل المطار لمركز عمليات متقدم للطائرات المسيرة، وتسهيل الجسر الجوي لنقل الإمدادات العسكرية لقوات الدعم السريع، مما يرسخ الدور الإماراتي كلاعب عسكري فاعل ومؤثر في الصراعات الإقليمية انطلاقاً من الأراضي الإثيوبية.

المحور الثاني: السودان.. حرب الجنرالات واختبار النفوذ

يمثل السودان الساحة الأكثر دموية وتعقيداً التي يتجلى فيها التناقض الحاد بين الأجندتين السعودية والإماراتية في المنطقة. فبينما تحاول المملكة العربية السعودية، عبر ثقلها الدبلوماسي، إعادة الاستقرار ودعم "مؤسسات الدولة الشرعية" المتمثلة في الجيش السوداني، تواجه دولة الإمارات اتهامات دولية وإقليمية متزايدة بدعم الطرف الآخر في النزاع، "قوات الدعم السريع"، مما حول الحرب الأهلية السودانية إلى ساحة مواجهة بالوكالة تهدد بإشعال الإقليم بأكمله.

تتصدر الإمارات المشهد السوداني كطرف فاعل ومثير للجدل؛ حيث تتهم تقارير خبراء الأمم المتحدة ومشرعين أمريكيين، إضافة إلى قيادة الجيش السوداني، أبوظبي بتقديم دعم عسكري ولوجستي حاسم لقوات "حميدتي". وتشير المعطيات الميدانية إلى أن هذا الدعم لا يقتصر على التمويل، بل يتعداه إلى توفير خطوط إمداد معقدة عبر دول الجوار، وتحديداً عبر تشاد وأوغندا، ومؤخراً عبر الأراضي الإثيوبية، كما كشف المحور الأول عن معسكرات التدريب. ورغم النفي الرسمي المتكرر من وزارة الخارجية الإماراتية، التي تؤكد أنها ليست طرفاً في النزاع ولا تشارك في الأعمال القتالية، إلا أن الرئيس الإريتري إيسياس أفورقي انتقد علناً ما وصفه بالدور "المزعزع للاستقرار" الذي تلعبه الإمارات في السودان.

في المقابل، تسعى الرياض، التي تنظر إلى أمن السودان كجزء لا يتجزأ من أمن البحر الأحمر، إلى احتواء النفوذ الإماراتي وسحب البساط من تحت أقدامه عبر المسار الدبلوماسي. قادت المملكة، بالشراكة مع الولايات المتحدة، جهود الوساطة عبر "منبر جدة"، وقدمت مقترحات لوقف إطلاق النار استثنت في مراحل عدة الإمارات من المشاركة المباشرة، في محاولة لتحجيم دورها. وتتماهى السياسة السعودية هنا مع الرؤية المصرية، التي تدعم الجيش السوداني وتعتبر استقرار السودان مسألة أمن قومي وجودي، خاصة في ظل التوتر مع إثيوبيا.

وعلى الصعيد الدبلوماسي، تشهد الساحة مناورات سياسية دقيقة. ففي حين تحاول واشنطن والرياض هندسة حل سياسي، لا تزال الإمارات تحاول الحفاظ على مقعدها في الطاولة الدولية. رحبت أبوظبي مؤخراً بخطة سلام أمريكية جديدة طرحها مستشار الرئيس الأمريكي "مسعد بولس"، وتقوم على خمس ركائز أساسية: هدنة إنسانية، حماية المدنيين، وقف دائم لإطلاق النار، عملية انتقالية سياسية، وإعادة الإعمار. يرى مراقبون أن هذا الترحيب الإماراتي يحمل رسائل مزدوجة؛ فهو محاولة لإبداء المرونة والاستجابة للضغوط الأمريكية من جهة، مع الاحتفاظ بأوراق القوة والضغط العسكري على الأرض عبر حلفائها المحليين من جهة أخرى.

وتحذر تحليلات استراتيجية، مثل تلك التي يطرحها الخبير كاميرون هدسون، من أن استمرار التدخل الإماراتي عبر البوابة الإثيوبية قد يؤدي إلى عواقب وخيمة تتجاوز الحدود السودانية. فدعم أديس أبابا لقوات الدعم السريع قد يدفع إريتريا - التي تقاربت مؤخراً مع المعسكر السعودي المصري - إلى الدخول المباشر في الصراع لدعم الجيش السوداني، مما ينذر بتحويل الحرب الأهلية إلى صراع إقليمي شامل تتواجه فيه جيوش دول الجوار بالوكالة، وسط مخاوف من انهيار الدولة السودانية بالكامل.

المحور الثالث: الصومال وأرض الصومال.. معركة الموانئ والسيادة

في الشق الشرقي من القرن الإفريقي، يتخذ الصراع الخليجي شكلاً أكثر حدة وتعقيداً، حيث تتداخل الأطماع الاقتصادية في الموانئ مع حسابات السيادة الوطنية والاعتراف الدولي. تمثل "أرض الصومال"، الجمهورية التي أعلنت استقلالها من جانب واحد عن الصومال عام 1991، رأس الحربة في المشروع الإماراتي للتوسع في البحر الأحمر، ونقطة الارتكاز التي أثارت أزمة دبلوماسية غير مسبوقة بين مقديشو وأبوظبي.

تتمتع الإمارات بحضور طاغٍ في هذه المنطقة الانفصالية، حيث ضخت شركة "موانئ دبي العالمية" استثمارات ضخمة بلغت 442 مليون دولار لتطوير وتشغيل ميناء "بربرة" الاستراتيجي ذي المياه العميقة. لم يقتصر النفوذ على الشق التجاري، بل امتد ليشمل السيطرة الكاملة على مطار المدينة، مما حول الإقليم فعلياً إلى قاعدة نفوذ إماراتية مستقلة عن السلطة المركزية في مقديشو. ويرى خبراء أن هذه الاستراتيجية تهدف إلى تأمين موطئ قدم دائم يتحكم في خطوط الملاحة البحرية بعيداً عن تقلبات السياسة في العاصمة الصومالية.

لكن التطور الأخطر، الذي فجر الموقف مؤخراً، تمثل في الدور "المُسهّل" الذي لعبته أبوظبي لتحقيق اختراق دبلوماسي تاريخي لأرض الصومال. ففي أواخر ديسمبر، وبحسب تقارير دبلوماسية ومسؤولين إسرائيليين، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال. وتشير المصادر إلى أن هذا الاعتراف جاء ضمن صفقة ثلاثية معقدة هندستها الإمارات، تقضي بحصول إسرائيل في المقابل على قاعدة عسكرية في ميناء بربرة، تتيح لها مراقبة البحر الأحمر عن كثب وشن ضربات استباقية ضد الحوثيين في اليمن المتحالفين مع إيران، مما يربط أمن القرن الإفريقي مباشرة بأمن الشرق الأوسط.

أثار هذا التحرك "الخبيث" - كما وصفته الحكومة الصومالية - غضباً عارماً في مقديشو. واعتبرت الحكومة الفيدرالية أن الخطوات الإماراتية تمثل "تقويضاً لسيادتها ووحدتها الوطنية واستقلالها السياسي". ورداً على ذلك، اتخذ مجلس الوزراء الصومالي قراراً حاسماً بإلغاء كافة الاتفاقيات المبرمة مع الإمارات، بما في ذلك اتفاقيات التعاون العسكري والأمني، وتشغيل موانئ بربرة وبوصاصو وكسمايو، في خطوة تمثل قطيعة دبلوماسية نادرة. وحذر الخبراء من أن اعتراف إسرائيل بأرض الصومال من شأنه أن يضعف بشدة الدولة الصومالية المنهكة أصلاً، ويعرقل جهودها المستمرة منذ عقدين في قتال حركة "الشباب" المتطرفة.

وفي خضم هذا الفراغ الاستراتيجي الذي خلفه الانسحاب الإماراتي القسري من المشهد الرسمي الصومالي، سارعت المملكة العربية السعودية ومصر لملء الفراغ وتشكيل حلف مضاد. تفيد مصادر حكومية صومالية بأن الرياض تعمل حالياً على صياغة "اتفاق عسكري ثلاثي" يضم الصومال والسعودية ومصر. يهدف هذا التحالف الجديد إلى محاصرة النفوذ الإماراتي-الإثيوبي المتصاعد، وتأمين المصالح العربية في البحر الأحمر، مستغلاً التوتر المصري-الإثيوبي حول مياه النيل، والرغبة السعودية في استعادة دور القيادة الإقليمية، مما يحول الصومال إلى ساحة جديدة للاستقطاب والمواجهة المباشرة بين المحاور المتصارعة.

المحور الرابع: اليمن.. استراتيجية "الربان الواحد" وتفكيك النفوذ الإماراتي

تمثل الساحة اليمنية الفصل الأكثر وضوحاً ومباشرة في صراع الإرادات بين الرياض وأبوظبي، حيث تحول التحالف العسكري الذي بدأ عام 2015 لمواجهة الحوثيين إلى سباق محموم للسيطرة على الجنوب اليمني. تشير التقارير الميدانية والشهادات الدبلوماسية إلى أن المملكة العربية السعودية بدأت بتنفيذ استراتيجية شاملة تهدف إلى إقصاء الإمارات نهائياً من المشهد، وتكريس نفوذها المنفرد تحت شعار "سفينة بربان واحد"، لضمان عدم وجود أي منافس لها على حدودها الجنوبية.

تعتمد الاستراتيجية السعودية الجديدة، بحسب مسؤولين يمنيين وغربيين، على القوة المالية الهائلة لشراء الولاءات وإعادة هيكلة المشهد العسكري. فقد رصدت الرياض ميزانيات ضخمة تتجاوز خمسة مليارات دولار لهذا العام، مخصصة لدفع الرواتب، ومشاريع التنمية، ودعم الطاقة. النقطة الجوهرية في هذه الخطة هي تولي السعودية دفع رواتب مئات الآلاف من الموظفين والمقاتلين، بما في ذلك تخصيص مليار دولار لرواتب قوات "المجلس الانتقالي الجنوبي" والقوات الجنوبية الأخرى التي كانت تمولها أبوظبي سابقاً. الهدف السعودي واضح وصريح: فك الارتباط المالي والولائي بين هذه الفصائل والإمارات، ودمجها تحت مظلة وزارة الدفاع اليمنية والتحالف بقيادة الرياض.

تستخدم المملكة سياسة "العصا والجزرة" ببراعة مع الانفصاليين الجنوبيين. فبعد اشتباكات دموية ومحاولة انقلابية في ديسمبر، استدعت الرياض قادة المجلس الانتقالي، وصادرت هواتفهم واستجوبتهم في البداية، ثم نقلتهم لاحقاً إلى فنادق فاخرة، مقدمة لهم "الجزرة" المتمثلة في وعود سياسية غامضة بإمكانية دعم طموحاتهم في تقرير المصير مستقبلاً، بشرط حل الصراع مع الحوثيين أولاً تحت القيادة السعودية. وفي المقابل، لم تتردد في استخدام "العصا"؛ حيث أفادت مصادر باحتجاز وزير الدفاع اليمني "محسن الداعري" في الرياض لأسابيع وإقالته عملياً، بسبب موقفه الغامض من تحركات الانتقالي، مما يعكس رغبة الرياض في فرض انضباط صارم.

وفي سياق الحرب الباردة بين الحليفين، تفجر ملف "السجون السرية" كأداة ضغط سياسي وإعلامي. اتهم مسؤولون يمنيون موالون للرياض، أبرزهم محافظ حضرموت سالم الخنبشي، القوات الإماراتية بإدارة مراكز اعتقال سرية في قاعدة "الريان" الجوية ومطار المكلا، وممارسة انتهاكات جسيمة بحق المعتقلين. وقد استغلت الحكومة المدعومة سعودياً هذا الملف لتنظيم زيارات لصحفيين دوليين ووكالات أنباء عالمية لهذه المواقع، في خطوة هدفت لفضح ممارسات الحليف السابق وإحراجه دولياً.

ورغم النفي الإماراتي القاطع لهذه الاتهامات، وتأكيد وزارة الدفاع الإماراتية أن المواقع هي منشآت عسكرية اعتيادية، وإعلانها الانسحاب الكامل من اليمن، إلا أن السعودية سارعت لملء الفراغ فوراً. فقد أعلنت الرياض عن حزمة مشاريع تنموية بقيمة 500 مليون دولار في جنوب اليمن، تشمل بناء مدارس ومستشفيات، لتقديم نفسها كبديل تنموي وداعم للاستقرار، ولضمان أن تكون هي اللاعب الوحيد المتحكم بمستقبل اليمن في مرحلة ما بعد الحرب.

المحور الخامس: التصدع الكبير

لم يعد الخلاف السعودي الإماراتي مجرد تباين في وجهات النظر حول ملفات إقليمية محددة كاليمن أو السودان، بل تحول إلى أزمة بنيوية عميقة تضرب جذور التحالف التقليدي الذي طالما شكل العمود الفقري لمجلس التعاون الخليجي. تشير المعطيات الميدانية والسياسية المتواترة إلى أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تمر بمنعطف تاريخي خطير، انتقلت معه التوترات من الغرف المغلقة والمجالس الدبلوماسية الخاصة إلى العلن، متخذة أشكالاً من التصعيد الإعلامي، والتهديد الاقتصادي، والبحث عن بدائل استراتيجية دولية، مما ينذر بتغير جذري في خارطة التحالفات في الشرق الأوسط.

من "الشقيق" إلى "الخائن": حرب السرديات الإعلامية

لأول مرة منذ عقود، كُسرت المحرمات في الخطاب الإعلامي الرسمي وشبه الرسمي بين البلدين. فبعد سنوات من التنسيق الإعلامي المشترك (خاصة خلال أزمة قطر 2017)، بدأت وسائل الإعلام السعودية بشن حملة ممنهجة ولاذعة ضد السياسات الإماراتية. ويبرز هنا التحول الجذري في نبرة قناة "الإخبارية" السعودية الرسمية، التي بثت تقارير تتهم الإمارات صراحة بـ"الخيانة" و"الطعن في الظهر".

لم تكتفِ التقارير السعودية بنقد السياسات، بل ذهبت إلى شيطنة الدور الإماراتي بالكامل، واصفة إياه بأنه "استثمار في الفوضى" ودعم للحركات الانفصالية من ليبيا في الغرب إلى اليمن والقرن الإفريقي في الشرق. ووصل التصعيد ذروته عندما وصف الكاتب السعودي منيف الحربي، عبر القناة الرسمية، السياسة الإماراتية بأنها "مشروع إسرائيلي يرتدي عباءة أبوظبي"، في إشارة خطيرة تربط بين التطبيع الإماراتي وتهديد الأمن القومي العربي والسعودي. هذا الخطاب العدائي، الذي يشبه إلى حد كبير الخطاب المستخدم خلال الأزمة مع قطر، يعكس قناعة راسخة لدى صانع القرار في الرياض بأن أبوظبي لم تعد حليفاً موثوقاً، بل باتت مصدراً للتهديد في العمق الاستراتيجي للمملكة.

سلاح الاقتصاد: المقاطعة الشعبية وتغيير الهوية

امتدت شرارة الخلاف لتشعل حرباً اقتصادية صامتة ولكنها موجعة. يدرك السعوديون أنهم يمثلون الشريان الاقتصادي السياحي الأهم لدبي، ولذلك بدأت حملات منظمة على وسائل التواصل الاجتماعي يقودها مؤثرون سعوديون تحت شعار "دولار السعودية"، تدعو لمقاطعة السياحة في الإمارات. الرسالة كانت واضحة: السفر إلى الإمارات هو "تصويت غير مباشر" وتمويل لسياسات تضر بالأمن السعودي.

وفي مؤشر دلالي بالغ الأهمية على تسمم الأجواء العامة، بدأت الشركات التجارية السعودية في فك ارتباطها بالهوية الإماراتية. ففي خطوة رمزية، أعلنت علامة تجارية شهيرة للعطور الفاخرة ("دخون الإماراتية") عن تغيير هويتها التجارية وطرح أسماء بديلة لا تتضمن اسم "الإمارات"، خوفاً من المقاطعة الشعبية وتماشياً مع المزاج الوطني السعودي الجديد الذي بات يرى في الجارة الصغيرة منافساً شرساً يجب تحجيمه. ويتزامن ذلك مع تهديدات مبطنة من محللين سعوديين مقربين من السلطة، مثل سليمان العقيلي، بأن الرياض قد تتخذ "إجراءات اقتصادية موجعة" ضد الإمارات إذا استمرت في سياساتها الحالية، في إشارة إلى المنافسة الشرسة على جذب المقرات الإقليمية ورؤوس الأموال الأجنبية.

القطيعة الدبلوماسية

على الصعيد الرسمي، باتت اللغة الدبلوماسية مشروطة وباردة. فقد صرح وزير الخارجية السعودي، فيصل بن فرحان، بوضوح أن مستقبل العلاقات "الإيجابية والقوية" مع الإمارات مرهون بـ"انسحابها الكامل من اليمن". هذه المشروطية السعودية تعكس رغبة الرياض في فرض معادلة جديدة تقوم على التبعية لا الشراكة: إما الانضواء تحت القيادة السعودية الكاملة في الملفات الإقليمية، أو مواجهة العزلة والضغوط.

في المقابل، تلتزم الإمارات "الصمت الاستراتيجي" رسمياً، متجنبة الدخول في مهاترات لفظية مباشرة، بينما يعبر أكاديميون مقربون من دوائر القرار، مثل عبد الخالق عبد الله، عن الموقف الإماراتي بلسان الحال القائل: "أصبحنا قوة إقليمية ونموذجاً ناجحاً.. فهل هذا خطؤنا؟". ترفض أبوظبي لعب دور التابع، وتصر على أنها نفذت ما طُلب منها بالانسحاب العسكري من اليمن، متسائلة باستنكار عما تريده الرياض منها الآن، مما يؤكد أن الخلاف ليس حول إجراءات محددة بقدر ما هو حول "تضارب الاستراتيجيات" والرؤى لمستقبل المنطقة.

إعادة التموضع الدولي: البحث عن حماة جدد

لعل أخطر تداعيات هذا الخلاف هو تجاوز البعد الإقليمي نحو إعادة بناء التحالفات الدولية الكبرى، في خطوة تشبه "الطلاق الاستراتيجي".

* المحور الإماراتي-الهندي: رداً على الضغوط السعودية، اتجهت الإمارات شرقاً نحو الهند، القوة العالمية الصاعدة. تجلى ذلك في توقيع اتفاقيات شراكة دفاعية استراتيجية، وعقد لقاءات قمة بين الرئيس الإماراتي ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي. تهدف أبوظبي من خلال هذا التحالف إلى تأمين ظهير دولي قوي (ديمغرافياً وعسكرياً واقتصادياً) يقلل من اعتمادها على المحيط العربي التقليدي.

* المحور السعودي-الباكستاني: في رد فعل مباشر وسريع، أحيت السعودية تحالفها التاريخي مع باكستان، الخصم النووي اللدود للهند. وقعت الرياض اتفاقية دفاع مشترك مع إسلام أباد، في رسالة واضحة لأبوظبي بأن السعودية تمتلك أوراق ضغط عسكرية ونووية (عبر باكستان) لا يمكن تجاهلها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أبدى وزير الخارجية التركي رغبة بلاده في الانضمام لهذا التحالف الناشئ، مما يشي بتشكل محور "سني" جديد تقوده الرياض، في مواجهة محور "اقتصادي-أمني" تقوده الإمارات مع الهند وإسرائيل.

الخلاصة: مجلس تعاون "على الورق" فقط؟

يضع هذا المحور الخامس والاخير المنطقة أمام حقيقة جيوسياسية جديدة: مجلس التعاون الخليجي، بصيغته التقليدية ككتلة موحدة سياسياً وأمنياً، يواجه اختباراً وجودياً. فالتنافس السعودي الإماراتي لم يعد مجرد "خلاف بين أشقاء" يمكن حله بـ"حب الخشوم" والوساطات القبلية، بل تحول إلى صراع نفوذ بارد، يُدار بأدوات الدولة الحديثة (الاقتصاد، الإعلام، التحالفات الدولية). وبينما تسعى الرياض لاستعادة "هيبتها" كقائد أوحد للمنظومة، تصر أبوظبي على "سيادتها" كقوة صاعدة، مما يترك دول المنطقة (اليمن، السودان، الصومال) ساحات مفتوحة لهذا الصراع الصفري، حيث مكسب أحد الطرفين يُعتبر تلقائياً خسارة للآخر.

خاتمة: استنتاجات وسيناريوهات

في ضوء المعطيات التفصيلية والوقائع الميدانية التي تم استعراضها، لم يعد من الممكن قراءة الأحداث في القرن الإفريقي واليمن باعتبارها مجرد تباينات تكتيكية عابرة بين حليفين، بل نحن أمام تحول بنيوي عميق في هيكلية الأمن الإقليمي. إن انتقال العلاقات السعودية الإماراتية من مرحلة "التنسيق الاستراتيجي" إلى مرحلة "التنافس الصفري" يضع المنطقة أمام واقع جديد، حيث باتت مصالح الدولتين متضادة بشكل مباشر: فما تراه الرياض استقراراً وضرورة لأمنها القومي (دولة مركزية في اليمن، جيش وطني في السودان، حكومة قوية في الصومال)، تراه أبوظبي تقييداً لنفوذها الصاعد الذي يعتمد على "الفوضى الخلاقة"، ودعم الكيانات الموازية، والسيطرة على الموانئ، والتحالفات العابرة للحدود.

أولاً: الاستنتاجات الرئيسية (تشريح الواقع الجديد)

1. نهاية "التحالف العربي" بصيغته التقليدية: تؤكد أحداث اليمن، وتحديداً استراتيجية "الربان الواحد" التي تنتهجها السعودية عبر شراء ولاءات الفصائل الجنوبية ودفع رواتبها لعزل الإمارات، أن الرياض قررت إنهاء صيغة الشراكة في إدارة الملفات المصيرية. السعودية لم تعد تقبل بوجود "شريك مضارب" في فنائها الخلفي، وباتت تعتبر النفوذ الإماراتي في اليمن والقرن الإفريقي "تهديداً" لا يقل خطورة عن التهديدات الأخرى، وهو ما عكسته الاتهامات الإعلامية السعودية غير المسبوقة للإمارات بـ"الخيانة" و"تنفيذ مشاريع إسرائيلية".

2. عسكرة القرن الإفريقي وتدويل الصراع: لم يعد الصراع محصوراً في الأدوات السياسية والاقتصادية؛ فقد كشفت التقارير عن انخراط عسكري مباشر للإمارات في إثيوبيا (معسكر "مينجي" لتدريب المرتزقة، وقاعدة الطائرات المسيرة في "أصوصا"). هذا التطور ينقل الصراع إلى مستوى خطير يهدد بتفجير حروب إقليمية، خاصة مع دخول إسرائيل على الخط عبر بوابة "أرض الصومال" والاعتراف المحتمل بها مقابل قواعد عسكرية، وهو ما تعتبره دول إقليمية كبرى مثل مصر والسعودية تجاوزاً للخطوط الحمراء وتهديداً لأمن البحر الأحمر.

3. الاقتصاد كسلاح في "الحرب الباردة": أثبتت التطورات أن السعودية مستعدة لاستخدام ثقلها الاقتصادي الضخم "لتركيع" الخصوم أو المنافسين، حتى لو كانوا أشقاء. يتجلى ذلك في استخدام "سلاح الرواتب" في اليمن لسحب البساط من تحت أقدام الإمارات، وفي حملات المقاطعة الشعبية للسياحة والمنتجات الإماراتية، وفي تهديد الشركات العالمية والاقتصاد الإماراتي عبر المنافسة الشرسة. هذا النهج يشير إلى أن الرياض باتت ترى في القوة الاقتصادية لأبوظبي تحدياً يجب تحجيمه لضمان الزعامة الإقليمية.

4. إعادة هندسة التحالفات الدولية (الشرق مقابل الغرب): أفرز الخلاف الخليجي استقطاباً دولياً جديداً؛ فبينما اتجهت الإمارات شرقاً لتعزيز تحالفها مع الهند كظهير استراتيجي، ردت السعودية بإحياء تحالفها العسكري مع باكستان (الخصم النووي للهند) مع انفتاح على تركيا. هذا الفرز الدولي يعني أن الخلافات الخليجية باتت جزءاً من لعبة الأمم الكبرى، ولم تعد قابلة للاحتواء داخل "البيت الخليجي".

ثانياً: السيناريوهات المستقبلية (مآلات الصراع)

بناءً على المعطيات الراهنة، يمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المنطقة في المدى المنظور والمتوسط:

- السيناريو الأول: "الحرب الباردة المزمنة" (المرجح حالياً)

يفترض هذا السيناريو استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" بين الرياض وأبوظبي. ستستمر الحروب بالوكالة في السودان واليمن والصومال ولكن دون قطيعة دبلوماسية كاملة، نظراً للتكلفة الباهظة لأي انهيار كامل لمجلس التعاون الخليجي.

* في اليمن: ستواصل السعودية ضخ الأموال لشراء الولاءات، بينما ستحتفظ الإمارات بنفوذ "خفي" عبر شبكات المصالح الاقتصادية والقبلية التي بنتها لسنوات، مما يبقي الجنوب في حالة عدم استقرار.

* في السودان: سيستمر الاستنزاف العسكري، حيث تدعم الإمارات قوات الدعم السريع عبر إثيوبيا وتشاد، بينما تدعم السعودية ومصر الجيش السوداني دبلوماسياً وسياسياً، مما يطيل أمد الحرب دون حسم.

* النتيجة: استنزاف متبادل لموارد البلدين، وتكريس حالة الفشل في دول القرن الإفريقي واليمن.

- السيناريو الثاني: "الهيمنة السعودية المنفردة" (سيناريو الربان الواحد)

يقوم هذا السيناريو على نجاح استراتيجية الرياض المالية والسياسية في عزل الإمارات تماماً.

* المؤشرات: قدرة السعودية على دفع رواتب الفصائل اليمنية ودمجها، ونجاح التحالف الثلاثي (السعودي-المصري-الصومالي) في محاصرة النفوذ الإماراتي في مقديشو، والضغط الأمريكي لإيجاد حل في السودان يستثني الدور الإماراتي.

* التداعيات: قد تضطر الإمارات، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية (المقاطعة) والعزلة السياسية، إلى الانكفاء التكتيكي والتركيز على مكاسبها الاقتصادية المباشرة (إدارة الموانئ تجارياً فقط) والتخلي عن طموحاتها الجيوسياسية العسكرية، مما يعيد للرياض دور "الأخ الأكبر" بلا منازع.

- السيناريو الثالث: "الانفجار الإقليمي الشامل" (السيناريو الكارثي)

هذا السيناريو هو الأكثر خطورة، ويفترض خروج الصراع عن السيطرة نتيجة "حسابات خاطئة" أو تصعيد غير محسوب.

* المحفزات: إقدام إثيوبيا (بدعم إماراتي) على تصعيد عسكري ضد السودان أو مصر انطلاقاً من قاعدة "أصوصا" أو ملف سد النهضة، أو قيام إسرائيل بإنشاء قاعدة عسكرية فعلية في "أرض الصومال".

* التداعيات: قد يؤدي ذلك إلى تدخل عسكري مباشر من قبل مصر أو إريتريا في الصراع السوداني أو الإثيوبي، وانهيار الهدنة الهشة في اليمن وعودة القتال بين الفصائل المدعومة سعودياً وتلك الموالية للإمارات. في هذه الحالة، ستتحول المنطقة إلى ساحة حرب إقليمية مفتوحة تتجاوز حروب الوكالة، مما يهدد أمن الملاحة في البحر الأحمر بشكل كامل ويعرض مصالح الدولتين (السعودية والإمارات) لتهديدات وجودية.

خلاصة القول

إن القرن الإفريقي واليمن يقفان اليوم على مفترق طرق تاريخي. لقد أثبتت الأحداث أن "وحدة المصير" الخليجية قد تآكلت لصالح "تضارب المصالح". السعودية، بمشروعها التحديثي الضخم (نيوم ورؤية 2030)، لن تقبل بوجود خاصرة جنوبية رخوة أو مضطربة، ولذلك فهي مستعدة للذهاب إلى أبعد مدى -بما في ذلك الصدام مع أقرب الحلفاء- لتأمين محيطها وفرض استقرار "مركزي". في المقابل، الإمارات، التي ترى في نفسها "إسبرطة الصغيرة" والقوة اللوجستية العالمية، لن تتنازل بسهولة عن مكتسباتها الاستراتيجية في الموانئ والممرات المائية.

وبين مطرقة الطموح السعودي وسندان النفوذ الإماراتي، تظل شعوب المنطقة (اليمنيين، السودانيين، الصوماليين) هي الضحية الأكبر لهذا الصراع، حيث تتحول أوطانهم إلى ساحات لتصفية الحسابات، وتُستخدم جيوشهم وقبائلهم وقوداً لمعارك نفوذ لا ناقة لهم فيها ولا جمل. المستقبل القريب ينذر بمزيد من التصعيد، ما لم تتدخل قوى دولية كبرى لضبط إيقاع هذا التنافس قبل أن يحرق الجميع.

ذات صلة

التوحيد المهدد.. قراءة عقائدية في الشرك الخفيتحديات ومستقبل الاتفاق بين الحكومة السورية وقسدحين يسقط رجال الأمن في كمائن المداهمة: تسريب معلومات أم خلل في الجاهزية؟مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية19 ألف حالة زواج في الظل تسقط حق الإعانة الاجتماعية