التوحيد المهدد.. قراءة عقائدية في الشرك الخفي

وتحولات جهة الطاعة والانقياد

صباح الصافي

2026-02-11 03:47

مفهوم (الشِّرك) من المفاهيم المركزيَّة في البناء العقائدي الإسلامي؛ لأنَّه يمسُّ جوهر العلاقة بين العبد وربِّه (سبحانه)، ويحدِّد طبيعة التَّوحيد الذي جاءت به الرِّسالات الإلهيَّة. غير أنَّ هذا المفهوم –على وضوحه في الجملة– تعرَّض عبر الاستعمالات الوعظيَّة والجدليَّة إلى قدر من التوسُّع أو الإجمال، بحيث اختلطت مراتبه، وتداخلت دلالاته اللغويَّة والكلاميَّة، فأصبح يُستعمل أحيانًا دون تمييزٍ دقيق بين ما هو شرك عقدي ناقض لأصل التَّوحيد، وما هو انحراف سلوكي أو قلبي يحتاج إلى تهذيبٍ وتزكية.

 ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسةٍ علميَّة منضبطة تعود بالمصطلح إلى جذوره اللغويَّة أوَّلًا، ثمَّ إلى حدوده الاصطلاحيَّة، قبل أن تُعيد قراءته في ضوء النُّصوص القرآنيَّة والرِّوايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، بوصفها المرجع الأوثق في تحديد المفاهيم العقديَّة وضبط استعمالها. فالشِّرك ليس مجرّد شعارٍ وعظي يُراد به التَّخويف، ولا تهمة تُطلق في سياق الاختلاف؛ وإنَّما هو مفهوم دقيق يرتبط بجهة العبادة، ومرجعيَّة الطَّاعة، ومركز الانقياد في حياة الإنسان.

 وعلى هذا الأساس، يسعى هذا المقال إلى تقديم معالجة تأصيليَّة لمفهوم الشِّرك، من خلال بيان جذوره اللغويَّة، وحدوده الاصطلاحيَّة، ثمَّ عرض بعض تقسيماته المحوريَّة، قبل الوقوف عند صور الشِّرك الخفي كما وردت في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، للكشف عن البعد العملي للتوحيد، وكونه مسارًا وجوديًّا يشمل الاعتقاد والطَّاعة معًا.

المحور الأوَّل: مفهوم الشِّرك بين الأصل اللغوي والتَّحديد العقدي.

 الشِّرك لغةً: "الشِّين والرَّاء والكاف أصلانِ؛ أحدهما يدلُّ على مقارنَة وخِلَافِ انفراد، والآخر يدلُّ على امتدادٍ واستقامة.

 فالأول الشِّرْكة، وهو أن يكون الشَّيءُ بين اثنين لا ينفردُ به أحدهما. ويقال شاركتُ فلانًا في الشَّيء، إذا صِرْتَ شريكه. وأشركْتُ فلانًا، إذا جعلته شريكًا لك. قال اللَّه (جلَّ ثناؤُه) في قِصَّة موسى-عليه السلام-: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(1). ويقال في الدُّعاء: اللهم أشرِكْنا في دعاء المؤمنين: أي: اجعلنا لهم شركاءَ في ذلك. وشَرِكتُ الرَّجُلَ في الأمرِ أشْرَكُه.

 وأمَّا الأصل الآخر فالشرَك: لَقَم الطَّريق، وهو شِرَاكُه أيضًا. وشِرَاك النَّعْل مشبَّه بهذا. ومنه شَرَكُ الصَّائدِ، سمِّي بذلك لامتداده" (2).

 و"الشِّرْكَةُ والْمُشَارَكَةُ: خلط المُلكينِ، وقيل: هو أن يوجد شيءٌ لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشَّيء، أو معنًى، كَمُشَارَكَةِ الإنسان والفرس في الحيوانيَّة، ومُشَارَكَةِ فرس وفرس في الكمتة، والدّهمة، يقال: شَرَكْتُه، وشَارَكْتُه، وتَشَارَكُوا، واشْتَرَكُوا، وأَشْرَكْتُه في كذا... وشِرْكُ الإنسان في الدِّين ضربان:

أحدهما: الشِّرْكُ العظيم، وهو: إثبات شريك للَّه (تعالى). يقال: أَشْرَكَ فلان باللَّه، وذلك أعظم كفر. قال (تعالى): (إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) (3). 

والثَّاني: الشِّرْكُ الصَّغير، وهو مراعاة غير اللَّه معه في بعض الأمور، وهو الرِّياء والنِّفاق المشار إليه بقوله: (جَعَلا لَه شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) (4)... ولفظ الشِّرْكِ من الألفاظ المشتركة..." (5).

وقد "خلط الرَّاغب بين أنواع الشِّرك والمشركين، ومعانيها. لكنها مباحث يغلب عليها الجانب الكلامي والفقهي، ويقل فيها الجانب اللغوي، فلا نُفيض فيها" (6).

 أمَّا الشِّرك اصطلاحًا: "أن يعبد الانسان غير الله. والعبادة إنَّما تتحقَّق بالخضوع لشيءٍ على أنَّه ربٌّ يُعبد"(7).

أو "الاعتقاد بتعدُّد الآلهة، أو عبادتها. وهو خلاف التَّوحيد" (8).

و"المناط في الشِّرك: هو جعل شيءٍ مستقلَّا وله موضوعيَّة، وهو مورد نظر وتوجه بذاته أو بصفته أو بفعله، وكلَّما ازداد التَّوجُّه اليه واشتدَّ النَّظر إلى خصوص وجوده وخصوصيّته: تزداد مرتبة الإشراك به تعالى، ويهون الارتباط فيما بينه وبين اللَّه. (وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) (9).

(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) (10).

(وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ) (11)..." (12).

 ومن هذه النُّصوص يتبيَّن أنَّ الجذر اللغوي لكلمة الشِّرك في العربيَّة يرجع إلى معنى بسيط جدًّا: أن يكون الشَّيء بين اثنين أو أكثر، لا ينفرد به واحد. نقول: هذا الشَّيء (مشترك) بين شخصينِ، أو هذه الصفة يشترك فيها أشخاص عدَّة. وهذا المعنى طبيعي جدًا في حياتنا؛ فالأُختان قد تشتركان في الشبه، وصديقتان قد تشتركان في الهواية، وأشخاص عدَّة قد يشتركون في ملك بيت أو مشروع. 

 لكن المشكلة تبدأ حين يُنقل هذا المعنى إلى الله (سبحانه)؛ لأنَّ الله (تعالى) -في عقيدة التَّوحيد- ليس كمثله شيءٍ، ولا يشبهه أحد، ولا يشاركه أحد في حقيقته. هو المتفرِّد في وجوده، في قدرته، في تدبيره، وفي استحقاقه للعبادة. فإذا تخيَّل الإنسان أنَّ هناك من (يشاركه) في شيءٍ من هذا التَّفرد، يكون قد نقل فكرة (الاشتراك) البشريَّة المحدودة إلى مقام إلهي قائم أساسًا على الانفراد المطلق. وهنا يولد الشِّرك بمعناه العقدي.

 كثير من التَّعاريف تقول: الشِّرك هو الاعتقاد بوجود أكثر من إله، أو عبادة غير الله (تعالى). وهذا صحيح؛ لكن الشِّرك بمعناه الدَّقيق يعني أن يُعطى غير الله (تعالى) شيءٌ من الاستقلال؛ أي: يُنظر إليه كأنَّه قائم بذاته، يملك من نفسه القدرة أو التَّأثير أو الاستحقاق، لا لأنَّه مخلوق محتاج إلى الله (سبحانه)، وكأنَّه في موقع مقابل لله (عزَّ وجلَّ).

 تخيَّل الفرق بين خادمة في بيت تعمل بإذن صاحبة البيت وتحت إدارتها، وبين شريكة تملك القرار مثله. الأولى تعمل؛ لكنَّها ليست مستقلة. وأمَّا الثَّانية لها موقع موازٍ. والشِّرك في حقيقته هو أن يُتعامل مع مخلوق ما – في القلب أو الاعتقاد – كأنَّه (شريك) بهذا المعنى، لا عبد محتاج.

 لهذا قُسِّم الشرك إلى أكبر وأصغر. والشِّرك الأكبر يكون حين يُعطى لغير الله (تعالى) موقع الألوهيَّة أو الربوبيَّة أو العبادة؛ كأن يُعتقد أنَّ هناك من يدبِّر الكون استقلالًا، أو يُعبد كما يُعبد الله (تعالى). وأمَّا الشرك الأصغر، مثل الرِّياء، فهو أدق وأخفى. وهنا لا يقول الإنسان بلسانه إنَّ هناك إلهًا آخر، لكنَّه في قلبه يجعل نظر الناس شريكًا في عبادته، فيصلي أو يعمل الصَّالحات ليُعجب به الآخرون. كأن العبادة لم تعد خالصة لله وحده، ودخل فيها (طرف آخر) في القصد والغاية. والفرق في الدَّرجة كبير، لكن الجذر واحد: إعطاء غير الله (تعالى) نصيبًا لا يليق إلَّا به.

 أمَّا حقيقة الشِّرك في ضوء روايات المعصومين (عليهم السلام)، فإنَّ النُّصوص الواردة عنهم تقدِّم إطارًا تفسيريًّا منضبطًا لهذا المفهوم العقدي، يكشف حدوده الدَّقيقة ويميِّز بين مراتبه وصوره، بحيث لا يُترك المصطلح عائمًا في الأذهان ولا مفتوحًا على استعمالات انفعاليَّة قد تُفضي إلى التَّسرُّع في إخراج الآخرينَ من دائرة الإيمان. فالرِّوايات الشَّريفة تضع معايير معرفيَّة وعباديَّة واضحة، تُسهم في ضبط الفهم العقدي، وتوجِّه الذِّهن إلى التَّوحيد بوصفه حالة وعيٍ وانقيادٍ لله (تعالى) في الاعتقاد والعمل معًا، وهو المسار الذي يفتح للإنسان أفق القرب الإلهي ونيل المغفرة.

 ومن النصوص المركزيَّة في هذا الباب ما رُوي عن عباس بن يزيد، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَوَامَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشِّرْكَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: "لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُشْرِكاً حَتَّى يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَدْعُوَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ" (13).

 وتُظهر هذه الرِّواية انتقال البحث من التَّصوير الوعظي الذي يركِّز على خفاء بعض شوائب القصد والنِّيَّة، إلى تحديد عقدي يرتبط بجوهر العبادة. فالتَّشبيه بخفاء دبيب النمل يعبِّر عن دقائق الانحرافات القلبيَّة التي قد تعترض الإنسان، من رياءٍ خفيٍّ أو تعلُّقٍ بغير الله (عزَّ وجلَّ) في مستوى الشعور، غير أنَّ الإمام (عليه السلام) يوجِّه النَّظر إلى أنَّ توصيف الإنسان بالمشرك -بالمعنى العقدي الذي يخرجه عن التَّوحيد- لا يثبت بمجرَّد هذه الخواطر أو حالات الضعف الباطني، وإنَّما يرتبط بتحويل وجهة العبادة نفسها.

 والعبادة في الوعي القرآني والرِّوائي تمثِّل ذروة الخضوع والتألُّه؛ ولذلك حُصرت أمثلتها هنا في أفعال تعبِّر عن أقصى مراتب التَّوجُّه: الصَّلاة بما هي إعلان عملي للعبوديَّة، والذَّبح بما يحمله من معنى القربة والتَّقديس، والدُّعاء بما يتضمَّنه من إسناد القدرة على العطاء والتَّصرُّف في شؤون العبد. فإذا نُقلت هذه الأفعال -من حيث القصد والاعتقاد- إلى غير الله (تعالى)، تحقَّق جوهر الشِّرك؛ لأنَّ موضع الألوهيَّة الذي لا يقبل الشَّراكة قد أُعطي لغير مستحقِّه.

 وعلى هذا الأساس يتَّضح الفرق بين الانحرافات السلوكيَّة أو القلبيَّة التي تحتاج إلى تزكية وإصلاح، وبين التَّحوّل العقدي الذي يمسُّ أصل التَّوحيد. فليس كلُّ ضعفٍ في الإخلاص، أو كل تأثُّرٍ نفسي بغير الله (تعالى)، يُساوي الشِّرك الذي يترتَّب عليه الحكم العقدي الخطير؛ وإنَّما المدار على الجهة التي تُصرف إليها العبادة باعتبارها خضوعًا مطلقًا. وبهذا البيان يُصان المفهوم من الإفراط والتَّفريط معًا: فلا يُهوَّن من شأن التَّوحيد، ولا يُتوسَّع في إطلاق وصف الشِّرك على المسلمين بغير ضابط علميٍّ.

 إنَّ هذا التَّحديد الرِّوائي يرسِّخ رؤيةً متوازنة تجعل التَّوحيد حقيقة شاملة لحياة الإنسان، وفي الوقت نفسه تحصر الشِّرك العقدي في موضعه الدَّقيق المرتبط بتأليه غير الله (سبحانه) في مقام العبادة. وضمن هذا الإطار يصبح التَّحذير من الشِّرك دعوةً إلى تصحيح جهة القصد وتعميق الارتباط بالله (تعالى)، ومسارًا لبناء وعيٍ ديني يقوم على المعرفة والإنصاف، لا مدخلًا للصِّراع أو الاتِّهام.

 وفي ضوء الإطار المفاهيمي الذي تقرَّر في بيان حقيقة الشِّرك، يصبح من الضَّروري معالجة المسائل المرتبطة بالتَّوسّل والنِّداء وطلب الحاجات من الأنبياء والأوصياء والأولياء (عليهم السلام) معالجةً علميَّة منضبطة، تُحاكم هذه الأفعال إلى التَّعريف العقدي الدَّقيق للشِّرك، لا إلى الانطباعات أو الاستعمالات اللغويَّة الواسعة للمصطلح. ذلك أنَّ الخلط بين الدلالة اللغويَّة العامة لمادَّة (الشِّرك) وبين حدِّه العقدي الخاص قد أفضى في بعض الاتِّجاهات إلى توسيع دائرة المفهوم توسعةً لا يعضدها الدَّليل، ولا تنسجم مع الضَّوابط التي قرَّرتها النُّصوص الشَّرعيَّة.

 إنَّ التَّعريف الاصطلاحي يربط الشِّرك بجهة العبادة، ويجعله متقوّمًا بإعطاء غير الله (تعالى) موقع الألوهيَّة أو الربوبيَّة أو الاستقلال في التَّأثير، بحيث يُنظر إليه بوصفه قائمًا بذاته، مستحقًّا للخضوع المطلق، أو مالكًا للقدرة والتصرّف من نفسه لا بوصفه عبدًا مخلوقًا. وعليه فليس كلُّ توجُّه إلى غير الله (سبحانه)، ولا كلُّ تعظيم، ولا كلُّ توسّط، يُعدُّ شركًا، ما لم يتضمَّن هذا المعنى من الاستقلال والمماثلة في مقام الألوهيَّة.

 وعند إسقاط هذا الضَّابط على ما يُذكر من التوسُّل بذات الأنبياء والأوصياء والأولياء (عليهم السلام)، أو ندائهم، أو طلب الحاجات منهم بعد وفاتهم، أو النذر المرتبط بهم، يتبيَّن أنَّ توصيف هذه الأفعال بالشِّرك يتوقّف على إثبات أنَّها تشتمل على عنصرين: كونها عبادة بالمعنى الخاص، وكونها متوجِّهة إلى غير الله (سبحانه) على أنّه جهة مستقلَّة في عرض الله (تعالى). أمَّا إذا انتفى هذين القيدين، فإنَّ إطلاق وصف الشِّرك عليها يكون فاقدًا للضَّابط العقدي.

 وممَّا هو معلوم، فإنَّ المتوسِّل بالنَّبي أو الولي (عليهما السلام) – في الإطار العقدي الذي يصرِّح به القائلون بجواز التوسُّل – لا يتعامل مع المتوسَّل به على أنَّه إلهٌ أو ربٌّ، ولا يعتقد أنَّه يملك الضرَّ والنفع استقلالًا، ولا أنَّ له تدبيرًا ذاتيًّا في الكون. بل يراه عبدًا مقرّبًا عند الله (تبارك وتعالى)، له منزلة وكرامة، فيتوجَّه إليه بوصفه وسيلة إلى الله (عزَّ وجلَّ)، أو شفيعًا عنده، أو سببًا من الأسباب التي جعلها الله (تعالى) مجرى لفيضه. فالعلاقة هنا طوليَّة خاضعة للسلطان الإلهي، لا عرضيَّة تقابل الله (سبحانه) أو تزاحمه في مقام الألوهيَّة.

 وهذا التَّفريق بين الاستقلال والوساطة التَّبعيَّة هو جوهر المسألة. فكما أنَّ الاستعانة بالطَّبيب لا تعني تأليهه، ولا الاعتقاد باستقلاله في الشفاء؛ بل يُنظر إليه سببًا جعله الله (سبحانه)، كذلك الاستمداد من وليٍّ مقرَّب – عند من يجوّزه – يُفهم في إطار السببيَّة التَّابعة، لا في إطار الشراكة مع الله (تعالى) في الخلق أو التَّدبير أو الاستحقاق العبادي. ومجرَّد جعل المخلوق سببًا أو وسيلة لا يُخرجه عن كونه عبدًا فقيرًا، ولا يرفعه إلى مقام الألوهيَّة، ما دام الاعتقاد الحاكم هو أنَّ الله (جلَّ جلاله) هو الفاعل الحقيقي، وأنَّ كلَّ قدرة وتأثير منوطة بإذنه ومشيئته.

 وأمَّا من جهة ضابط العبادة الذي دلَّت عليه الرِّواية المأثورة عن الإمام الصَّادق (عليه السلام)، حيث حُصرت صورة الشِّرك الموجِبة للوصف العقدي في تحويل أفعال العبادة الخالصة – كالصَّلاة والذَّبح والدُّعاء بمعناه التألُّهي – إلى غير الله (تعالى)، فإنَّ مناط الحكم هو جهة القصد الاعتقادي في هذه الأفعال. فالدُّعاء الذي يُعدُّ عبادة شركيَّة هو ما يُوجَّه إلى غير الله (تعالى) بوصفه ربًّا يُلتجأ إليه كما يُلتجأ إلى الله (سبحانه)، ويُعتقد فيه مقام الألوهيَّة. أمَّا النداء الذي يُراد به طلب الشَّفاعة، أو التَّوسُّل، أو الاستمداد من عبدٍ مقرَّب بإذن الله (سبحانه)، مع التصريح أو الارتكاز العقدي بأنَّ الله (عزَّ وجلَّ) هو المالك الحقيقي للأمر كلِّه، فلا يساوق نقل العبادة من الله (تعالى) إلى غيره.

 وعليه، ووفق الضَّوابط المتقدّمة في تعريف الشِّرك، فإنَّ التوسُّل والنِّداء وطلب الحاجة من الأنبياء والأوصياء والأولياء (عليهم السلام) –بالمعنى الذي يصرِّح أصحابه بأنَّه قائم على كونهم عبادًا مقرّبين لا آلهة ولا أربابًا– لا يندرج تحت الشرك في العبادة؛ لأنَّه لا يتضمَّن تأليهًا لغير الله (تعالى)، ولا إثبات استقلال له في التَّأثير، ولا صرفًا للعبادة إليه على أنَّه ربٌّ. وبهذا يُحفظ مفهوم التَّوحيد في أبهى صوره، ويُصان في الوقت نفسه من التوسُّع غير المنضبط في إطلاق وصف الشِّرك على ما لا يندرج في حدِّه العقدي الدَّقيق.

المحور الثَّاني: أنواع الشِّرك.

التقسيم الأوَّل: الشِّرك العمليُّ والشِّرك القلبيُّ.

 الشِّرك لا يتجلَّى في مستوى واحد، وقد يقع في ساحة العمل كما قد ينشأ في أعماق الاعتقاد، ولكلٍّ منهما موقعه في ميزان التوحيد. ومن هنا يُفرَّق بين شركٍ يتعلَّق بتوجيه العبادة فعلًا، وآخر يرتبط بتصوّر القلب عن الألوهيَّة والربوبيَّة؛ وبيانهما:

1. الشِّرك العمليُّ: هو توجيه فعلٍ من أفعال العبادة إلى غير الله (تعالى). والمقصود بالعبادة هنا كلُّ ما ثبت شرعًا أنه عبادة محضة لا تصح إلَّا لله (سبحانه)، كالصَّلاة والصِّيام ونحوهما من القُرُبات التَّعبديَّة. فلو أن إنسانًا صلَّى لمخلوق، أو صام له (على وجه التَّعبُّد)، فقد صرف عبادة خالصة لغير مستحقها، فيكون بذلك واقعًا في الشِّرك من حيث الفعل؛ لأنَّ حقيقة العبادة قد وُضعت في غير موضعها. 

2. الشِّرك القلبيُّ: ويتمثَّل في اعتقاد الربوبيًّة أو الألوهيَّة لغير الله (تعالى)، ولو لم يصحب هذا الاعتقاد أيّ سلوك تعبدي ظاهر لذلك الغير. فمجرَّد الاعتقاد بأنَّ هناك من يشارِك الله (سبحانه) في ألوهيته أو ربوبيته يُعدُّ شركًا بذاته؛ لأنَّ الألوهيَّة من الحقائق التي يمتنع فيها التَّعدُّد؛ إذ هي كمال مطلق لا يقبل الشَّركة. ومن هنا كان هذا اللون من الشرك متعلقًا بجوهر التَّوحيد الاعتقادي، فإذا فسد هذا الأصل فسد البناء كله، وإن خلا الظَّاهر من بعض صور العبادة لغير الله (تعالى).

 وأنواع هذا القسم لا خلاف بين المسلمين في كونه مخرجًا من الملَّة؛ لأنَّه نقضٌ لأصل الدِّين الذي بُعثت به الرُّسل، وهو توحيد الله (سبحانه) في ذاته وصفاته وأفعاله واستحقاقه للعبادة وحده. وهو كذلك من الذُّنوب التي أخبر القرآن الكريم أنَّها غير داخلة تحت المشيئة في المغفرة لمن لقي الله (تعالى) بها من غير توبة، قال (تبارك وتعالى): (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) (14). وقال (سبحانه): (إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا) (15). فالآيتان تؤكِّدان أنَّ الشِّرك انحراف جذريٌّ في العلاقة بين العبد وربِّه (تعالى)، يفضي إلى افتراء عظيم وضلال بعيد.

 التَّقسيم الثَّاني: الشِّرك الأكبر والشِّرك الأصغر.

 وهو تقسيمٌ ينظر إلى درجة خطورة الفعل أو الاعتقاد وأثره على أصل الإيمان. فالشِّرك الأكبر: هو ما تقدَّم بيانه من صور الشِّرك الاعتقادي أو العملي الذي يتضمَّن صرف العبادة لغير الله (تعالى) أو اعتقاد الألوهيَّة أو الربوبيَّة في غيره (سبحانه)، وهو الذي يناقض أصل التَّوحيد وينقض الإيمان من أساسه.

 وأمَّا الشِّرك الأصغر: فهو ما لا يصل إلى حدِّ منازعة الله (تعالى) في ألوهيته أو ربوبيته على وجه الاستقلال؛ ولكنَّه يشتمل على معنى خفيٍّ من إشراك غير الله (تعالى) في قصد العبادة ووجهتها. ومن أبرز صوره الرِّياء، وهو أن يعمل العبد العمل الذي هو في أصله عبادة لله (تعالى)؛ لكن يقصد به نظر النَّاس وثناءهم، فيجعل نظر الخلق شريكًا في الدَّافع القلبي للعمل. وهذا اللون من الشِّرك لا يُحبط أصل الإيمان؛ لكنه يُحبط ثواب العمل الذي دخله الرِّياء؛ إذ يتحوَّل العمل من كونه خالصًا لله (سبحانه) إلى عملٍ مشوبٍ بحظوظ النَّفس والتفات القلب إلى الخلق، فيفقد قيمته التَّعبديَّة عند الله (تعالى) بقدر ما دخله من هذا القصد الفاسد. وقد حذَّر منه رسول اللَّه (صلَّى الله عليه وآله) بقوله: "إنَّ أخوَفَ ما أخافُ علَيكُمُ الشِّركَ الأصغرَ. قالوا: وما الشِّركُ الأصغَرُ يا رسولَ اللَّهِ؟

 قالَ: الرياءُ" (16). وهذا يدلُّ على أنَّ خطره يكمن في تسلُّله إلى القلوب من حيث لا يشعر الإنسان، فيأكل من رصيد أعماله وهو يظنُّ أنه يُحسن صنعًا.

التَّقسيم الثَّالث: الشِّرك الجليُّ والشِّرك الخفيُّ.

 يُقسَّم الشِّرك –من زاوية أخرى– إلى قسمينِ: شرك جليٌّ، وشرك خفيٌّ. فالشِّرك الجليُّ هو الصورة الواضحة الظَّاهرة من الشِّرك، ويتمثَّل في عبادة غير الله (تعالى) على نحو الاستقلال أو على نحو الضمّ إلى عبادته (سبحانه)، وهو ما تقدَّم بيانه في صور عبادة غير الله (عزَّ وجلَّ).

 أمَّا الشِّرك الخفيُّ فهو أخفى مسلكًا، وأدقّ مسارًا، ويتسلَّل إلى المنظومة العقديَّة والسلوكيَّة للإنسان دون أن يلتفت إليه غالبًا، وقد بيَّنت نصوص أئمَّة أهل البيت (عليهم السلام) جملةً من صوره ومصاديقه. ومنها:

1. الرأي المبتدع.

عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْ أَدْنى مَا يَكُونُ بِهِ الْإِنْسَانُ مُشْرِكاً، قَالَ: فَقَالَ: "مَنِ ابْتَدَعَ رَأْياً، فَأَحَبَّ عَلَيْهِ، أَوْ أَبْغَضَ عَلَيْهِ" (17). 

 ويدلُّ هذا النَّص على بُعدٍ دقيق في مفهوم الشِّرك، يرتبط بالصنم المعنوي الكامن في النَّفس. فالمراد بـ"الرأي المبتدع" هو الرأي الذي لا يستند إلى دليل شرعي معتبر، ولا يقوم على أساس من كتاب أو سنَّة أو حجَّة شرعيَّة تامَّة. فإذا جعل الإنسان هذا الرَّأي المولود من ذاته معيارًا للحبِّ والبغض، والموالاة والمعاداة، فقد منحه موقعًا تشريعيًّا ينافس به حكم الله (تعالى).

 وعليه، فإنَّ جهة الشِّرك هنا تكمن في تحويل الرَّأي الشَّخصي إلى مركز قياس تُبنى عليه المواقف القلبيَّة والعمليَّة. فحين يكون الهوى هو الحاكم، ويتقدَّم على الميزان الإلهي، يكون الإنسان –من حيث لا يشعر– قد اتَّخذ لنفسه إلهًا من دون الله (تعالى)، كما أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى في قوله (تعالى): (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوَاهُ) (18). فالمحبَّة والبغض في هذه الحال يصدران عن الانقياد للذَّات، وليس الانقياد للحقِّ، فيتحوَّل "الأنا" إلى مرجع أعلى، وهذا هو جوهر الشِّرك الخفيُّ.

 ويمكن أن يقع هذا النَّوع من الشِّرك في أصول العقائد أو في الفروع والأحكام؛ لأنَّ الملاك فيه هو مصدر التَّلقِّي والرُّجوع، لا موضوع الرَّأي فقط. كما أنَّ تحقُّقه لا يتوقَّف على وجود أتباع لهذا الرَّأي؛ فحتَّى لو لم يتابعه أحد، فإن جعله معيارًا ذاتيًّا للحبِّ والبغض يكفي في صدق هذا اللون من الانحراف.

 "وفي مقابل ذلك، يخرج عن هذا الإطار المجتهد المخطئ الذي استند في اجتهاده إلى دليل يراه حجَّة شرعًا، وإن لم يكن مطابقًا للحكم الواقعي عند الله (جلَّ جلاله). فهذا لم يجعل هواه مصدرًا مستقلًّا، وإنَّما بذل وسعه في إطار المنهج الشَّرعي، فالخطأ هنا خطأ في التَّطبيق أو الفهم، لا في أصل المرجعيَّة، ولذلك لا يصدق عليه عنوان الشِّرك، لانتفاء عنصر التَّأليه الضِّمني للذَّات أو الهوى" (19).

 وبذلك يتَّضح أنَّ الشِّرك الخفيَّ أخطر من حيث خفاؤه؛ إذ يتسلَّل عبر الآراء الشَّخصيَّة حين تُمنح سلطة فوق سلطة النَّصّ والميزان الإلهي، فيتحوَّل الانحراف من انحراف فكريٍّ جزئي إلى خلل عقدي في مركز العبوديَّة نفسه، وينتقل مركز الطَّاعة من الله (تعالى) إلى النَّفس والهوى.

2. إطاعة الشيطان.

 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) فِي قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): (وَما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (20) قَالَ: "يُطِيعُ الشَّيْطَانَ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُ" (21). 

"وذلك مثل اتِّباع البدع والاستبداد بالرَّأي في الأمور الشَّرعية وسوء الفهم لها ونحو ذلك إذا لم يتعمد المعصيَّة فإنَّ ذلك كلَّه إطاعة للشيطان من حيث لا يعلم وهو شرك طاعة ليس بشرك عبادة؛ لأنَّه (تعالى) نسبهم إلى الإيمان ولهذا قيدناه بعدم التَّعمد؛ فإنَّه مع التَّعمد كفر وخروج عن الإيمان وشرك عبادة" (22).

 والمقصود أنَّ الشِّرك لا يبدأ دائمًا من إنكار الله (تعالى)؛ فقد يبدأ من جهة الطَّاعة. ويمكن أن يؤمن الإنسان بالله (سبحانه) عقيدةً؛ لكنَّه في سلوكه ينقاد لتوجيه غير إلهي دون أن ينتبه أنَّه في الحقيقة يطيع الشَّيطان. وهذه الطَّاعة تأتي عبر الغفلة أو التَّبرير أو تزيين الباطل فيظنه خيرًا أو مبرَّرًا أو بسيطًا. وهنا يقع الخطر: هو لا يقول: "أنا أطيع الشَّيطان"؛ لكنَّه عمليًّا يسير في خطٍّ يخالف هداية الله (تعالى).

 وحين يسلِّم الإنسان زمام قراره في مجال التَّشريع والقيم والمعايير لغير الله (تعالى)، يكون قد حوَّل جهة الانقياد من الله (عزَّ وجلَّ) إلى غيره، وهذا هو لبُّ الشِّرك الخفي. 

3. إطاعة الآخرين في المعصية.

عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "مَنْ أَطَاعَ رَجُلًا فِي مَعْصِيَةٍ فَقَدْ عَبَدَهُ" (23).

 وهنا الإمام (عليه السلام) يضع ميزانًا دقيقًا: طاعة الإنسان لغيره في معصية الله (تعالى) هي لون من العبادة لذلك الشَّخص؛ لأنَّ حقيقة العبادة في جوهرها الخضوع والانقياد والطَّاعة، فحيثما وُجد انقياد مطلق في مقابل أمر الله (سبحانه)، وُجد معنى العبوديَّة.

 فقول الإمام (عليه السلام) يعني: أنَّ الإنسان حين يجعل أمر شخصٍ ما مقدَّمًا على أمر الله (جلَّ جلاله)، فهو عمليًّا أعطاه موقع السِّيادة التَّشريعيَّة على نفسه. هو لم يقل له بلسانه: أنت إلهي؛ لكنَّه في سلوكه قالها بالفعل: أمرك مقدَّم عندي على أمر الله (تعالى). وهنا يتحقَّق معنى العبادة من حيث الحقيقة، لا من حيث التَّسمية. فالله (تبارك وتعالى) سمَّى اتباع الهوى عبادة له، وسمَّى طاعة الشَّيطان عبادة للشيطان؛ لأنَّ القضية من يملك قرارك عند التَّعارض، ومن الذي يُطاع حين يتصادم الحقُّ مع الرَّغبة، أو الشَّرع مع ضغط النَّاس، أو أمر الله (تعالى) مع أمر شخص محبوب أو مُهاب؟ 

هنا يظهر الإله الحقيقي في حياة الإنسان.

 وعبارة (في معصية) توضِّح أنَّ الخطر يبلغ ذروته عندما تكون الطَّاعة في مورد يخالف الله (سبحانه). فحتَّى لو لم يفعل الشَّخص المعصية مباشرة، لكن رضي بها، أو برَّرها، أو مدح فاعلها، أو سكت عنها مع القدرة على الإنكار، فهو داخل في دائرة هذا الانقياد؛ لأنَّه سلَّم موقفه العملي لخطِّ المعصية.

 ومن هنا يصل الكلام إلى النتيجة المرعبة: كثير من الناس يظنون أنفسهم يعبدون الله (تعالى)، بينما في تفاصيل قراراتهم اليوميَّة يطيعون الهوى، أو يخضعون لضغط أشخاص، أو ينساقون خلف أهل المعصية. فتتوزَّع جهة الطَّاعة في حياتهم، ويظهر الشِّرك الخفيُّ: توحيد في الاعتقاد؛ لكن تعدُّد في مراكز الانقياد.

 إذن القضية ليست: هل قال بلسانه: "أعبد فلانًا"؟

 وإنَّما القضية لمن تنحني إرادته حين يُختبر؟

 هنا يُعرف هل التَّوحيد متجسِّد في السلوك، أم بقي فكرة في الذِّهن فقط.

وممَّا يؤيد هذه الحقيقة ما ورد عَنْ أَبِي بَصِيرٍ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ): (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) (24)، فَقَالَ: "أَمَا وَاللَّهِ، مَا دَعَوْهُمْ إِلى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ، وَلَوْ دَعَوْهُمْ إِلى عِبَادَةِ أَنْفُسِهِمْ لَمَا أَجَابُوهُمْ، وَلكِنْ أَحَلُّوا لَهُمْ حَرَاماً، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمْ حَلَالًا، فَعَبَدُوهُمْ مِنْ حَيْثُ لَايَشْعُرُونَ" (25).

4. عدم التَّسليم للمعصوم (عليه السلام).

 المقصود بمصطلح (التَّسليم) هنا هو قبول قيادة المعصومين (عليهم السلام)، والاعتراف الكامل بحكمتهم وإرشادهم في ما يختصّ به الدِّين والدُّنيا من أمور، من دون اعتراض أو تردُّد أو رفض في القلب. فالإيمان لا يكتمل بمجرَّد أداء الفرائض إذا ظلَّ الإنسان متصلب القلب عن قبول حقِّ المعصومينَ (عليهم السلام) وقيادتهم.

 عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، قَالَ: "أُمِرَ النَّاسُ بِمَعْرِفَتِنَا وَالرَّدِّ إِلَيْنَا وَالتَّسْلِيمِ لَنَا... ثُمَّ قَالَ: وَإِنْ صَامُوا وَصَلَّوْا وَشَهِدُوا أَنْ لَاإِلهَ إِلَّا اللَّهُ، وَجَعَلُوا فِي أَنْفُسِهِمْ أَنْ لَايَرُدُّوا إِلَيْنَا، كَانُوا بِذلِكَ مُشْرِكِينَ" (26). 

 ويشير هذا النَّصُّ إلى أنَّ مجرَّد أداء العبادات والفرائض لا يحقِّق الإيمان الحقَّ ما لم يكن هناك قبول وتسليم كامل للمعصوم (عليه السلام)، بحيث يكون القلب متجردًا من التَّحفظ أو المعارضة. فالإيمان الحقُّ يشترط الاعتراف الكامل بحقيقة الإمام (عليه السلام)، والانقياد لما يوجِّه به من أحكام، سواء كانت متعلِّقة بالأصول أو الفروع.

 وقد أوضح الإمام (عليه السلام) ذلك بمثال عملي، فقال: "لَوْ أَنَّ قَوْماً عَبَدُوا اللَّهَ وَحْدَهُ لَاشَرِيكَ لَهُ، وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَحَجُّوا الْبَيْتَ، وَصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَهُ اللَّهُ أَوْ صَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ: أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ، أَوْ وَجَدُوا ذلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانُوا بِذلِكَ مُشْرِكِينَ.

ثُمَّ تَلَا هذِهِ الْآيَةَ: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (27)، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: فَعَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ" (28).

 فمن لم يرضَ بقول وعمل المعصوم (عليه السلام) أو بما قضاه في مسائل الأصول والفروع، أو احتفظ في قلبه بعدم الرِّضا، فإنَّه يقع تحت عنوان الشِّرك؛ إذ يُستبعد عن قلبه الإيمان الحقيقي، وتستمر هذه الخصلة فيه حتَّى يرضى بالحكم الشرعي للمعصوم (عليه السلام) في الأمور التي تنازع فيها، ويكون مطمئناً لحكمه، ويسلم له تسليماً كاملاً.

 ويشير النَّص إلى فرق دقيق بين مرحلتي (الرِّضا) و(التَّسليم): فالأشخاص الذين يرضون بحكم المعصوم قد يجدون بعض الأمور صعبة أو مرَّة في مذاقهم؛ لكنهم يوافقون على الحكم. أمَّا أهل التَّسليم، فهم يتجاوزون القبول النَّفسي، ويجدون حكم المعصوم (عليه السلام) أحلى من العسل، فلا يرون فيه مجرَّد رضا اعتباري؛ بل انسجاماً تاماً مع الإرادة الإلهيَّة، وهو أعلى درجات الإيمان وأقرب صور الإقرار بحقِّ المعصوم (عليه السلام)، وما دونه يكون ناقصاً ومختلطاً بخطر الشِّرك الخفي.

 ويتَّضح من هذا العرض أنَّ الشِّرك ليس مفهومًا أحاديّ البعد يقتصر على إنكار وجود الله (تعالى) أو عبادة الأصنام؛ هو انحراف في مركز الانقياد، وجهة العبادة، ومرجعيَّة الحكم في حياة الإنسان. فالتَّوحيد -في ضوء النُّصوص الشَّريفة- هو منظومة تتوجَّه فيه العقيدة والعبادة والطَّاعة والتَّسليم كلّها إلى الله (تعالى) وحده بوصفه الغاية المطلقة ومصدر الأمر والهدى.

 كما تبيَّن أنَّ التَّمييز بين مراتب الشِّرك وصوره ضرورة علميَّة؛ لأنَّ الخلط بينها يؤدِّي إمَّا إلى التَّهوين من شأن الانحرافات القلبيَّة والسلوكيَّة التي تُضعف الإخلاص وتشوّه صفاء العبوديَّة، أو إلى التَّوسُّع غير المنضبط في إطلاق وصف الشِّرك على ما لا يرقى إلى مستواه العقدي النَّاقض لأصل الإيمان. والرُّؤية الرِّوائيَّة التي عُرضت تقدِّم ميزانًا دقيقًا يجمع بين صيانة التَّوحيد من كلِّ شائبة، وبين الإنصاف في توصيف حالات النَّاس.

 وتكشف صور الشِّرك الخفي – مثل اتِّخاذ الرَّأي المجرَّد عن الدَّليل مرجعًا للحبِّ والبغض، أو الانقياد العملي لخطِّ الشَّيطان، أو تقديم طاعة البشر في معصية الله (تعالى)، أو عدم التَّسليم لقيادة المعصوم (عليه السلام) – أنَّ الخطر الأكبر يكمن في الجهة التي تتوجَّه إليها إرادة الإنسان حين يقع التَّعارض. فهناك يظهر الإله الحقيقي في حياة المرء: أهو الله وحده، أم الهوى، أم الضَّغط الاجتماعي، أم سلطة البشر؟

 ومن ثمَّ فإنَّ التَّحذير من الشِّرك، في ضوء هذا الفهم دعوة مستمرة إلى تصحيح جهة القلب، وتوحيد مركز الطَّاعة، وتعميق حالة التَّسليم لله (تعالى) في جميع شؤون الحياة. وكلَّما توحَّدت جهة الانقياد، وخلصت العبادة من الشَّوائب، اقترب الإنسان من حقيقة التَّوحيد التي خُلق من أجلها، وانفتحت أمامه آفاق القرب الإلهي التي وعد الله (تعالى) بها عباده المخلصين.

....................................

الهوامش:

1. سورة طه/ الآية: 32.

2. معجم مقاييس اللغة: ج3، ص265.

3. سورة النساء/ الآية: 48.

4. سورة الأعراف/ الآية: 190.

5. مفردات ألفاظ القرآن: ص451.

6. مفردات الراغب الإصفهاني مع ملاحظات العاملي: ص423.

7. البيان في تفسير القرآن: ص470.

8. معجم ألفاظ الفقه الجعفري: ص243.

9. سورة الكهف/ الآية: 42.

10. سورة النساء/ الآية: 48.

11. سورة الحج/ الآية: 31.

12. التحقيق في كلمات القرآن الكريم: ج6، ص47-50.

13. الخصال: ص137.

14. سورة النساء/ الآية: 48.

15. سورة النساء/ الآية: 116.

16. عدَّة الداعي: ص214.

17. الكافي (دار الحديث): ج4، ص164.

18. سورة الجاثية/ الآية: 23.

19. ينظر: شرح أصول الكافي: ج10، ص92.

20. سورة يوسف/ الآية: 106.

21. الكافي (دار الحديث): ج4، ص164.

22. الوافي: ج4، ص193.

23. الكافي (دار الحديث): ج4، ص167.

24. سورة التوبة: الآية: 31.

25. الكافي (دار الحديث): ج4، ص165.

26. المصدر نفسه.

27. سورة النساء/ الآية: 65.

28. الكافي (دار الحديث): ج4، ص165.

ذات صلة

تحديات ومستقبل الاتفاق بين الحكومة السورية وقسدحين يسقط رجال الأمن في كمائن المداهمة: تسريب معلومات أم خلل في الجاهزية؟مستقبل المفاوضات الأمريكية الإيرانية19 ألف حالة زواج في الظل تسقط حق الإعانة الاجتماعيةالامارات والسعودية في القرن الإفريقي واليمن.. تنافس صفري وحروب بالوكالة