مركز آدم ناقش.. الأمن الإنساني في العراق، الواقع والطموح
مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات
2026-03-04 04:36
ناقش مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات موضوع تحت عنوان (الأمن الإنساني في العراق.. الواقع والطموح)، بحضور عدد من الأساتذة ومدراء المراكز البحثية والأكاديميين المختصين، وقد جاء في الورقة التي تلاها الأستاذ الدكتور علاء إبراهيم الحسيني الباحث في مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات، بالقول:
مما لا شك فيه عند المهتمين والمختصين هو أن تحقيق الأمن الإنساني يُعدّ أحد أبرز متطلبات العصر الراهن. بدأت محاولات تسليط الضوء على هذا المفهوم منذ تسعينيات القرن الماضي، خاصة في أروقة الأمم المتحدة والدول المتقدمة، مثل الدول الأوروبية والولايات المتحدة. بدأت تتشكل مفاهيم محددة حول الأمن الإنساني خلال تلك الفترة.
ما دفعنا للحديث عن هذا الموضوع هو الواقع العراقي الحالي، حيث يعاني المواطن العراقي من أزمات شديدة، لا سيما في ظل غياب مقومات الأمن الإنساني. عندما نتحدث عن الأمن، نجد أن الكلمة لغويًا مأخوذة من الشعور بالطمأنينة والسلامة. وقد ورد ذكر الأمن في العديد من الآيات القرآنية التي تناولت حالة المؤمنين بعد الفتن أو الأزمات الكبرى، مثل معركة أُحد وغيرها، حيث يروى القرآن الكريم بعض القصص المرتبطة بتلك الأحداث، ويشير إلى ضرورة شعور المؤمنين بالأمن.
أما من الناحية الاصطلاحية، فإن الأمن يشير إلى حالة يشعر فيها الإنسان بالأمان. وعندما نضيف البُعد الإنساني، يصبح المعنى أكثر شمولية ويُركز على الإنسان بصفته أساساً لهذه الحالة. الأمن الإنساني يتحقق عندما يشعر الأفراد بالطمأنينة على أنفسهم وممتلكاتهم، وهو أحد مقاصد الشريعة الإسلامية ومرتكز رئيسي من مصالحها العليا. بل إن تحقيق هذه الغاية يُعد جزءًا من النظام العام للمجتمع، مما يجعله هدفًا أساسيًا تسعى إليه الدول والمجتمعات في تنظيم شؤونها.
عند النظر إلى واقع الشعب العراقي اليوم، يتضح بشكل جلي أنه يفتقر بشدة إلى الإحساس بالأمان. ما نشهده حالياً هو حالة من اللايقين والخوف التي تخيم على مختلف جوانب الحياة التي يعيشها المواطن العراقي. هناك حالة من الاضطراب والريبة على الصعيد الاقتصادي، وكذلك على المستويات المالية والاجتماعية والثقافية. حتى على الصعيد الفردي والأسري، تسود أجواء من الشك وعدم الاستقرار. لا يمكن إنكار أن هذا الخوف يتغلغل في حياة كل مواطن عراقي نتيجة للأزمات المتلاحقة التي لا تكاد تنتهي، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي. من هنا، نجد أننا كشعب عراقي في أمسّ الحاجة إلى تحقيق ولو الحد الأدنى من الأمن الإنساني الذي بات غائباً عن واقعنا الحاضر.
الأمن الإنساني يتجسد في التحرر من الخوف عندما يعيش الإنسان حياته دون أن تعيقه مشاعر الخوف بمختلف أشكالها وصورها. بناءً على ذلك، من الضروري أن تعمل السلطات العامة في العراق، على الأقل، بأقصى ما لديها من قوة وإمكانات لضمان تحقيق الأمن الإنساني وإعادته إلى حالته الطبيعية التي من المفترض أن يكون عليها. الأمن الإنساني يحمل العديد من الغايات الهامة التي تتطلب منا التعمق بها وفهم مصاديقها، إضافة إلى استكشاف الوسائل الأكثر فاعلية لتحقيقه والضمانات التي تكفل استدامته.
الأمن الإنساني لا ينبغي أن يكون لحظيًا فقط؛ بل من الضروري السعي نحو تحقيق أمن إنساني مستدام يعتمد على دعامات ثابتة تضمن استمراريته. من أبرز غايات الأمن الإنساني يأتي الأمن الفردي، والذي يعني توفير بيئة يعيش فيها الفرد متحررًا تمامًا من المخاوف التي تهدده على المستوى الشخصي. تشمل هذه المهددات السلوكيات الإجرامية مثل العصابات المنظمة، الإرهاب، الجرائم المنظمة، وانتشار المخدرات، وغيرها من المخاطر. من هنا تبرز أهمية وضع أنظمة وإجراءات تقلل من إمكانية تعرض الفرد لهذه التهديدات وتمنحه شعورًا حقيقيًا بالأمان.
إلى جانب الأمن الفردي، تنبثق أهمية الأمن الاجتماعي الذي يتعلق بتأمين احتياجات الإنسان الاجتماعية المتعددة. ومن بين هذه الاحتياجات، تأتي الهوية الاجتماعية التي تواجه تهديدات يومية ملموسة. هذه الهوية تتضمن العائلة، القبيلة، المجتمع المحلي الذي ينتمي له الفرد، إلى جانب مجتمعات العمل والتعليم. إن تزايد الضغوطات والمخاطر التي تواجه هذه الكيانات يجعل الأفراد عرضة لحالة الاضطراب الاجتماعي وفقدان الأمان الجماعي.
لذلك، يتطلب بناء الأمن الإنساني المستدام معالجة جذرية وشاملة لهذه المهددات كافة على مختلف المستويات، الفردية منها والاجتماعية، والعمل على تأمين بيئة تمكن الإنسان من العيش بحرية وكرامة بعيدة عن أي خطر يعرقل حياته أو تطمئن نفسه تمامًا.
للأمن بُعد اقتصادي يرتبط بشكل كبير بمسألة المعيشة ووسائل كسب الرزق اليومي للإنسان. وهنا تبرز العديد من المخاطر التي تهدد الأفراد اقتصادياً، وعلى رأسها الأزمات المالية التي تواجه الدولة وحالة عدم الاستقرار المالي. أحياناً تعلن الحكومة أن رواتب المواطنين وأجورهم مؤمنة، لكن الواقع يفاجئهم بعكس ذلك عند قرب نهاية الشهر، إذ تتأخر الكثير من التزامات الدولة المالية بسبب أزمة اقتصادية واضحة. هذه الأزمة لا تحتاج إلى برهان، فالتصريحات الرسمية كثيراً ما تخالف الواقع.
الاقتصاد العراقي لا يزال يعاني من تحديات كبيرة؛ إذ نستمر في الاعتماد على نموذج الاقتصاد الريعي وأحادي الجوانب. هذا الاعتماد كان سبباً رئيسياً في ضعف التنويع الاقتصادي. ناهيك عن الاعتماد الكبير على دول أخرى في إدارة الاقتصاد الوطني، بدلاً من استثمار الطاقات الوطنية التي يمكن أن تسهم في النهوض بالدولة وتحقيق تطور اقتصادي مستدام.
ولا تتوقف المسألة عند حدود المخاوف الاقتصادية فقط، بل تتعدى ذلك إلى الجوانب الثقافية والصحية والاجتماعية. فالواقع يشير إلى حالة من اضطراب الثقة على الأصعدة جميعها. هناك حالة من عدم اليقين المالي، الثقافي، والاجتماعي تحيط بالفرد العراقي. ولأن تلك المخاطر تهدد حياته اليومية، فمن الطبيعي أن تؤثر تأثيراً كبيراً على قراراته، سواء الفردية، الأسرية أو حتى المصيرية، بما فيها أمور مثل نمط السكن وأسلوب المعيشة وغيرها.
في ضوء هذه الظروف، من المهم التفكير في سبل تعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي والثقافي للفرد العراقي. فذلك ليس مجرد حاجة أساسية فحسب، بل المفتاح لتحريره من الضغوط والمخاوف التي تؤثر على حياته اليومية ومسار مستقبله وما شاكل ذلك.
تتجلى مسؤولية السلطات العامة في توفير الأمن للفرد العراقي، وهي مسؤولية ترتبط بوظيفة الدولة التي انتقل إليها الإنسان من حالة العيش الفردي إلى التجمع المنظم بحثاً عن الأمان. فالدولة وُجدت لإدارة وتنظيم حياة الأفراد بما يحقق لهم الأمان والاستقرار. ومع ذلك، يبدو أن المؤسسة الحكومية في العراق، رغم مرور آلاف السنين على نشأتها، ما زالت تعاني على أقل تقدير من عجز في القيام بوظائفها الأساسية إزاء الفرد العراقي.
الدستور العراقي تناول جوانب متعددة تتعلق بالأمن الإنساني، خاصةً في المواد التي تنص على الحقوق الأساسية مثل الحرية، الحق في الحياة، العمل، الضمان الاجتماعي والصحي، كما هو مبين في المواد 16، 17، 22، 29، و30. ورغم ذلك، لا يزال تحقيق مستوى مقبول من الأمن الإنساني بعيد المنال.
لا يمكن إنكار وجود محاولات لتحسين الأوضاع، حيث قامت السلطات العامة بإقرار مجموعة من القوانين مثل قانون الضمان الصحي رقم 22 لسنة 2020 وقانون التقاعد والضمان الاجتماعي للعمال رقم 18 لسنة 2023. بالإضافة إلى ذلك، صدر قانون الحماية الاجتماعية رقم 11 لسنة 2014 وغيرها من التشريعات التي تهدف إلى تعزيز حماية الإنسان اجتماعياً وصحياً.
لكن بالرغم من الجهود المبذولة، فإن طريقة تطبيق هذه القوانين واستغلالها السياسي خلال فترات الانتخابات أدت إلى تعقيد أزمة الأمن الإنساني بدلاً من معالجتها بشكل جذري. فأغلب الحلول التي طُبقت كانت مجرد حلول ترقيعية أو انتقائية استفادت منها فئات محددة دون أن تكون هناك رؤية استراتيجية شاملة قادرة على تحقيق التحول الحقيقي نحو توفير شبكة أمان إنساني فعالة ومستدامة.
تحتاج أي حكومة تكون فاعلة وحقيقية إلى القدرة على استيعاب أعمق مخاوف الأفراد والعمل على معالجتها بشكل جذري، بالإضافة إلى التصدي لأسباب هذه المخاوف بهدف تحقيق الهدف الأسمى، وهو الوصول إلى حالة من الأمن الإنساني الحقيقي. ومع ذلك، فإن الحكومات العراقية المتعاقبة، والتي بلغ عددها حوالي ست حكومات منذ عام 2005 وحتى اليوم، لم تنجح في بناء استراتيجية قادرة على تحقيق هذا الهدف.
إن إحساس الفرد بالأمن الإنساني يرتبط بشكل وثيق بشعوره بالأمن السياسي. وفي واقع الأمر، لمسنا خلال العملية الانتخابية الأخيرة التي لم يمضِ عليها سوى بضعة أشهر (في 11/11)، أن المواطن العراقي افتقر بشكل ملحوظ لهذا النوع من الأمن. برزت الكثير من الجدل والشبهات حول وجود محاولات لتوجيه الإرادة الشعبية بعيدًا عن مسارها الطبيعي، مع استمرارية تغليب المصالح الحزبية والفئوية على حساب مصالح الأفراد وخيارات الشعب.
هذه الممارسات تودي إلى تعميق الأزمة أكثر فأكثر، مما يزيد من فقدان المواطن العراقي لشعوره بالأمن الإنساني ويجعل الوصول إلى هذا الهدف أكثر تحديًا مع مرور الوقت.
هناك أيضاً وسائل يمكن من خلالها للسلطات العامة تحقيق الأمن الإنساني، ويمكن تلخيص هذه الوسائل في محورين رئيسيين: وسائل التمكين ووسائل الحماية.
أولاً، وسيلة التمكين، حيث يجب على السلطات العامة أن تُمكِّن المواطن العراقي من تحقيق الأمن الإنساني بذاته، وذلك من خلال توفير الظروف والبيئة الملائمة التي تتيح للأفراد العمل ضمن إطار داعم يجعلهم قادرين على الوصول للأمن الإنساني. فعلى سبيل المثال، عند الحديث عن شبكات الحماية والضمان الاجتماعي، يتوجب إنشاء مراكز تدريب وتأهيل تستهدف الشرائح الاجتماعية الأكثر ضعفاً وتضرراً نتيجة الأزمات الاقتصادية والمالية. هذه المراكز تُهيئ هؤلاء الأفراد لتحقيق حياة كريمة أو تضعهم على الطريق نحو ذلك.
يمكن تحقيق ذلك عبر عدة سبل، مثل توفير قروض مُيسرة، تنظيم دورات تدريبية تؤهلهم لسوق العمل، أو إدماجهم في فرص عمل ضمن القطاع العام أو الخاص، بالإضافة إلى أي إجراءات مشابهة تسهم في تحقيق هذا الهدف.
رغم وجود هذه المحاولات على أرض الواقع، إلا أنها لا تزال دون المستوى المطلوب لتحقيق الطموحات أو مجابهة التحديات مقارنة بحجم الأفراد الذين يحتاجون إلى هذا النوع من التأهيل والتدريب. تبرز هنا المشكلات المتعلقة بالأعمال غير المنظمة والمخاطر التي تُشكلها على الطبقة العاملة، خاصة الشريحة المؤهلة للعمل في العراق. تشمل هذه الفئات المهمشة والضعيفة مثل ذوي الإعاقة وذوي الاحتياجات الخاصة، الذين يتطلب وضعهم عناية خاصة لتقديم بيئة تكفل لهم الأمن الإنساني. هؤلاء يشكلون شريحة إنسانية كبيرة ومؤثرة للغاية في المجتمع.
كما أن المرأة تمثل فئة مستهدفة، خصوصاً في المجتمعات التي ما زالت تحتفظ بقيمها التقليدية والقبلية والتي تواجه العديد من المخاطر اليومية. يضاف إلى ذلك الأطفال الذين تُهددهم ظاهرة عمالة الأطفال وما تجلبه من مخاطر، بالإضافة إلى المشردين وكبار السن وغيرهم من الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة. جميع هذه المجموعات تُعد الأكثر تعرضاً للأخطار الإنسانية، وغالباً ما تكون بعيدة كل البعد عن تحقيق أدنى مستويات الأمن الإنساني بشكل فعّال.
في المحور الثاني المتعلق بالوسائل، وهو محور الحماية، يُقصد بالحماية أن على الدولة أن تكثّف جهودها في برامجها الأمنية والتنفيذية والقضائية وغيرها، وذلك بهدف التصدي للأسباب التي تهدد الأمن الإنساني والعمل على توفير الحماية اللازمة. هذه الجهود ليست مجرد تدابير احترازية فحسب، بل تشمل كذلك تدابير علاجية، حيث لا يمكن إنكار وجود تهديدات تستهدف حياة الأفراد، مثل نشاط العصابات، انتشار المخدرات، أو الأزمات المختلفة.
في هذا السياق، يتجلّى دور الحكومات والسلطات العامة، خاصة على المستوى المحلي. كما تبرز أهمية الإدارات المحلية في تحمل المسؤولية والمبادرة لحل هذه المشكلات تدريجيًا، خطوة بخطوة. الهدف الأساسي يتمثل في تمكين المجتمع من خلق بيئة يعيش فيها الأفراد بأمان واستقرار.
بعد ذلك يمكن القول إن دور الدولة، كما أشرنا سابقاً، لا يقتصر فقط على تقديم الخدمات اليومية التي نراها، بل يمتد إلى أدوار أكثر عمقاً وخطورة على المستويين الجماعي والاستراتيجي. هذه الأدوار ترتبط ارتباطاً وثيقاً بفلسفة الدولة وتوجهاتها، سواء نحو الفكر الرأسمالي واقتصاد السوق الحر، أو نحو الاقتصاد الاشتراكي والمخطط.
في العراق، نجد أن غياب هوية اقتصادية واضحة في ظل دستور 2005 قد أسهم بشكل كبير في تعقيد هذه المسألة. فالعراق لم يتبنَّ بشكل كامل نهج الاقتصاد الحر، ولم يسلك أيضاً طريق الاقتصاد المخطط بوضوح. معظم التشريعات التي يتم إصدارها تحمل طابعاً اشتراكياً إلى حد بعيد، حيث تعزز من دور الدولة ومؤسساتها، وتزيد من حجمها سواء بشكل عمودي أو أفقي. هذا الوضع بحد ذاته يُظهر تحدياً كبيراً يواجه الدولة، ويثير تساؤلات حول مستقبل الهوية الاقتصادية للبلاد.
عدم الاعتماد على شركات التأمين، أو المؤسسات التي يمكن أن توفر جانباً كبيراً من الأمن الشخصي، يشكل فرقاً ملحوظاً مقارنة بما هو معمول به في العديد من الدول المتقدمة. في تلك الدول، يبرز دور القطاع الخاص وشركات التأمين في تحقيق الأمن الفردي عبر خدمات مثل التأمين على الحياة، الأسرة، الممتلكات، والسيارات وغيرها من الأمور. هذا النظام يمنح الأفراد شعوراً بالطمأنينة يسمح لهم بمزاولة حياتهم اليومية وانخراطهم في المجتمع دون قلق أو شعور بانعدام الأمان.
أحد الأسباب الرئيسية وراء تقليص هذا الشعور بالأمان يُعزى إلى تراجع الهوية الوطنية الذي ظهر منذ إقرار دستور عام 2005. المسؤولية عن هذا الوضع تقع ليس فقط على اللجنة التي صاغت الدستور، بل أيضاً على كافة المؤسسات والأفراد الذين كانوا جزءاً من تلك المرحلة، بما في ذلك الشعب الذي دعم هذا الدستور عبر تصويته، وكانت له اليد في صياغة هذه النتائج.
من أبرز التحديات التي واجهها العراق بعد اعتماد دستور عام 2005 هو ضياع المسؤولية أو عدم تحديدها بشكل واضح بين السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية، والقضائية. حيث قام الدستور بتوزيع الاختصاصات والصلاحيات بطريقة أسهمت في إضعاف التنسيق الفعّال بينها. وعلى الرغم من أن النظام نظريًا يمنح السلطة التشريعية اليد العليا في العديد من الاختصاصات، فإنه عمليًا يظهر عجزها عن تأدية مهامها، سواء على صعيد التشريع أو الرقابة. منذ الدورة الأولى، تعطلت السلطة التشريعية بشكل لافت، حيث أن كثيرًا من التشريعات التي ترتبط بالأمن الإنساني ما زالت تراوح مكانها داخل البرلمان دون أن ترى النور. مثال على ذلك قوانين حيوية مثل قانون النفط والغاز أو أخرى ذات طبيعة اقتصادية استراتيجية قادرة على تحسين الاقتصاد الوطني. بالتالي، يمكن القول إن تشتت المسؤوليات كان أحد الأسباب الرئيسية التي أسهمت في ضياع الأمن الإنساني في العراق.
النظام السياسي المنحرف في البلد، بالإضافة إلى النظام الحزبي الهجين الذي لا يمتلك هوية واضحة على المستوى العالمي، وكذلك النظام اللامركزي الذي نشأ في العراق بشكل غير تقليدي وغير مؤهل لتطبيق نظام لا مركزي قريب من احتياجات الأفراد، كلها تعاني من قصور واضح. هذه الأنظمة غير قادرة على معالجة العديد من المشكلات الحياتية التي تواجه الناس أو الوفاء بواجباتها لتحقيق الأمن الإنساني بصورة فعالة.
فكرة الأمن الإنساني ليست مجرد فكرة قانونية فقط، بل هي متعددة الجوانب وتحمل طابعًا إنسانيًا بالدرجة الأولى. عملت الأمم المتحدة، خلال السنوات الأخيرة على الأقل، على ربط هذه الفكرة بقضايا التنمية، خصوصًا التنمية المستدامة في المجتمعات، انطلاقًا من كون الأمن الإنساني يمثل أحد المتطلبات الأساسية لتحقيق التنمية الشاملة على مستوى المجتمعات بشكل عام.
لمزيد من النقاش حول الموضوع نطرح السؤالين الآتيين:
السؤال الأول/ لماذا تعثر ولا يزال تحقيق الأمن الإنساني في العراق برغم وفره المقاومات المادية والبشرية؟
السؤال الثاني/ ما رأيك بمقومات وأولويات البناء الاستراتيجي لسياسة الأمن الإنساني في العراق، وهل يدرك صانع القرار العراقي ان قوه الدولة ومؤسساتها رهن بقوة الفرد؟
المداخلات
- الدكتور خالد العرداوي؛ مدير مركز الفرات للدراسات والتنمية الإستراتيجية:
بالنسبة للسؤال الأول، هناك تمييز واضح بين الأمن التقليدي والأمن المعاصر. يعتمد الأمن التقليدي بشكل أساسي على الحفاظ على أمن الدولة، بينما يركز الأمن المعاصر على أمن الإنسان والفرد. هذا التحول من أمن الدولة إلى أمن الإنسان جاء نتيجة الفجوة التي ظهرت بين مفهوم أمن الدولة واحتياجات الإنسان الأساسية. ومن هنا نشأ مفهوم الأمن المستدام، الذي يتمحور حول توفير كل المتطلبات الضرورية لبناء الإنسان وضمان رفاهيته.
الأمن المستدام وأمن الإنسان يسعيان لضمان إحساس الفرد بالعدالة والاستقرار وعدم الخوف، إلى جانب تعزيز الثقة بالمستقبل، بالآخرين، وبالسلطات. كما يهدفان إلى حماية ودعم الوحدات الأساسية للمجتمع، مثل الأسرة، والمدرسة، والمؤسسات الدينية وغيرها، لضمان بناء مجتمع متكامل قائم على قيم الاستقرار والتطوير.
بالمجمل، يُظهر هذا الوضع أن الأمن المستدام يتطلب التوازن والشمولية، حيث أصبحت قضايا المناخ والبيئة اليوم جزءًا لا يتجزأ من مفهوم الأمن الإنساني. في العراق، تظل هناك معضلة تتمثل في التركيز المستمر على أمن الدولة فقط دون إيلاء الاهتمام المطلوب لأمن الإنسان. قبل عام 2003، كان النظام يكرّس سياساته لصالح أمن الدولة وامتيازات قادتها، بينما كان المواطن يعاني من الألم، والمعاناة، والعقوبات، والتعذيب، والسجون. هذا الفهم كان رمزيًا للأنظمة الديكتاتورية أو التيوقراطية قبل ذلك العام.
لكن المثير للقلق أن هذا الواقع لم يتغير كثيرًا بعد عام 2003. لازال تركيز الدولة معتمدًا على أمن السلطة بدلاً من أمن الشعب. فضلًا عن ذلك، الانتقال من نظام اقتصادي اشتراكي مغلق إلى نظام رأسمالي مفتوح أو حتى متوازن لم يتم تحقيقه. أحد الأسباب الرئيسية لهذا الجمود هو رفض القادة التخلي عن امتيازاتهم أو تقويض قدرتهم على الفساد والاستغلال.
إرساء سيادة القانون وبناء اقتصاد يتيح دورًا جوهريًا وفعّالًا للأفراد يعني بالضرورة التخلص من الاقتصاد الريعي، حيث لا يعود المواطن يعتمد بالكامل على المسؤول لتأمين احتياجاته الأساسية. وهذا بدوره يتطلب إرادة سياسية للنظر إلى أمن الإنسان كمفهوم شامل ومتوازن، بدلاً من استمرارية التركيز الضيق الذي يخدم مصالح النخب الحاكمة فقط.
فيما يتعلق بالسؤال الثاني، هل يدرك صانع القرار العراقي أن قوة الدولة ومؤسساتها تعتمد على قوتها الداخلية؟ الإجابة على هذا السؤال هي لا، والدليل يكمن فيما تم طرحه. لا توجد دساتير تُحترم، ولا نصوص دستورية يتم الالتزام بها. الحكم الذي صدر اليوم من شخصية أكاديمية وصف الوضع السياسي في العراق بشكل موضوعي، حيث وصفه بأنه نظام منحرف ونظام حزبي هجين. هذا التوصيف يعكس وجود مشكلة كبيرة للغاية، وأعتقد أننا جميعاً نتفق معه في ذلك. فطالما أن صانع القرار لا يدرك أن قوة الدولة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بقوة الفرد، فإن مؤسساتنا الدستورية ستبقى ضعيفة، حتى فيما يتعلق بالانتخابات.
أما بالنسبة إلى المقومات اللازمة لحل هذه المشكلة، فهناك العديد منها، ولكن الأهم هو وجود قيادة سياسية صالحة. بدون قيادة سياسية واعية تدرك احتياجات الشعب وتُحسن الاستفادة من الإمكانات التي يتمتع بها البلد وتسخرها لخدمة المواطنين، لن يكون بالإمكان تحقيق الأمن الإنساني الشامل أو الوصول إلى حالة استقرار تعكس قوة مؤسسات الدولة.
- الدكتور عقيل الحسناوي؛ باحث وأكاديمي:
يبدو أن الفرد بدأ يشعر بأن الدولة تمارس سيطرة كاملة عليه بدلاً من تمكينه، وهو ما يعكس خللًا في فهم الأساسيات التي تُبنى عليها علاقة الدولة بالفرد. فالفرد هو الأساس، بينما الدولة هي الوسيلة لتلبية احتياجاته وحمايته، ولكننا نجد أنفسنا أمام حالة تُعامل فيها الدولة ككيان مقدس على حساب القيمة الفردية.
الدولة في جوهرها تتألف من مجموعة أفراد، مما يقودنا إلى التساؤل: كيف يمكن تحقيق الأمن الإنساني؟ يمكن العمل لتحقيق ذلك من خلال النقاط التالية:
أولًا: يجب أن تكون الدولة في خدمة الفرد، فلا يُنظر إليها كسلطة تستحوذ على حقوقه، بل كوسيلة لتحقيق تطلعاته.
ثانيًا: أمن الدولة يستند إلى أمن الفرد الإنساني، وهذا يتحقق عبر صون كرامته وتوفير احتياجاته الأساسية لحياة كريمة.
ثالثًا: تمكين الفرد أمر بالغ الأهمية. فإحساسه بالانتماء للدولة وارتباطه بها يؤدي إلى تعزيز الأمن والاستقرار. أما إذا افتقر للشعور بالأمان، فإنه قد يبحث عن بدائل أخرى خارج هذا الإطار.
وبالنسبة لمفهوم الأمن، فإن استقرار القاعدة القانونية يمثل ركنًا أساسيًا. شروط القواعد القانونية تقتضي الثبات والاستقرار لأنها تسهم في استقرار المعاملات داخل المجتمع. هذا الثبات يجعل الفرد مُدركًا لحقوقه وواجباته، مما ينعكس إيجابيًا على إحساسه بالأمان والطمأنينة.
الأمان القانوني ليس مجرد أداة نظرية، بل هو جزء من منظومة سياسية وإدارية تستخدم القانون لضمان حقوق الأفراد. ومن أبرز وسائل تحقيق هذا الأمن هو نظام التأمين بجميع أشكاله. في الدول المتقدمة، على سبيل المثال، يُعد التأمين أداة رئيسية لتعزيز الأمان الإنساني. ومع انتشار التأمين في المجتمع، تقل تكلفته على الأفراد كلما زادت الاشتراكات.
التأمينات الإلزامية التي تفرضها الدولة، كالتأمين الصحي والتأمين على السيارات، تساهم في شمول عدد أكبر من الأفراد، مما يجعلها أكثر فعالية وأقل تكلفة. حين تصبح مثل هذه التأمينات متاحة للجميع ويشترك بها كافة أفراد المجتمع، فإن ذلك يؤدي إلى شعور الفرد بالاستقرار والأمان.
ليس بالإمكان تحقيق أمن فعلي إلا إذا تحقق الأمن الفردي بداية، لأن الدولة ليست سوى مجموعة من الأفراد وليست كيانًا منعزلًا بذاته عنهم.
- احمد جويد؛ مدير مركز آدم للدفاع عن الحقوق والحريات:
أرى أن الشعب العراقي يتمتع بمقومات تجعله من أكثر الشعوب جاهزية واستعدادًا لتعزيز الأمن الإنساني. فقد أظهر خلال أزمة كورونا روح التكاتف والتعاون بشكل لافت، حيث قام بتشكيل مجموعات تهتم بتوفير السلال الغذائية والخدمات الصحية للمحتاجين. يتميز الشعب العراقي بما يُعرف بـ"الفزعة"، وهي خصلة بارزة في ثقافته، تعكس روح المبادرة والمساعدة. على سبيل المثال، عندما يحتاج شخص ما إلى مساعدة في مكان ناءٍ قد لا يجد أحدًا قريبًا منه، فإننا نرى المساعدة تأتي من العديد من الأشخاص على الفور، على عكس ما قد نلحظه في بعض المجتمعات الأخرى التي قد تتردد في تقديم المساعدة.
هذا الجانب من الشخصية العراقية يعكس شعورًا عميقًا بالأمن الإنساني والاطمئنان المجتمعي. ومع ذلك، توجد تحديات أخرى تعيق استدامة هذا الشعور، خصوصًا فيما يتعلق بالقوانين والتنظيمات. فغياب التشريعات الفاعلة التي تضمن الحقوق للجميع يشعر الفرد بعدم الاستقرار، خاصة عندما تكون القوانين متقلبة وقد تتغير في أي لحظة، ما يولّد شعورًا بعدم الأمان القانوني والاجتماعي.
فيما يتعلق بالشؤون الاجتماعية والإنسانية، من الضروري أن تكون هناك أنظمة وقوانين ذات كفاءة تُدار بشكل مُنظّم وتحفظ الحقوق دون الضغط على الأفراد أو فرض تطبيقها بشكل قسري. المطلوب هو قوانين تسعى لتنظيم المجتمع وتعزز الثقة بمنظومته.
لذلك، ما يحتاجه المجتمع العراقي حقًا هو هيكلة قانونية وإدارية تدعم هذه الجوانب الإيجابية وتنظمها لتحقيق الأمن الإنساني.
- الشيخ مرتضى معاش:
المشكلة الأساسية التي تواجه المجتمعات هي الفساد الذي يتغلغل داخل مؤسسات الدولة، حيث يؤدي هذا الفساد إلى تآكل الثقة بالنظام والمجتمع عامة. الفساد يشكل بيئة خصبة لانعدام الثقة في القوانين والقواعد التي يفترض أن تنظم المجتمع، ما يخلق حالة من الفوضى الناتجة عن غياب النظام الحقيقي. أحيانًا، قد يظهر أن غياب النظام أقل ضررًا من النظام المفروض بالقوة، حيث يسود نظام اجتماعي قائم على التراضي والعقد الخفي بين الأفراد. إن الأمن الحقيقي ينبع من هذا العقد الاجتماعي، ولكنه يتعرض للتدمير نتيجة تدخل الدولة بطريقة متعالية، مما يقوض الثقة بين الأفراد.
لإعادة بناء الثقة، يجب التركيز على محورين أساسيين: الأخلاقيات والدين، مع التأكيد على أن العامل الأخلاقي ينبع من القيم الدينية. فقدان الأمن الإنساني يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالصحة النفسية؛ فاضطرابات الصحة النفسية كالقلق والخوف والاكتئاب تعكس شعور الإنسان بعدم جدوى الحياة. هذه المشاعر هي من أبرز نتائج انعدام الأمن الإنساني. ولعل واحدة من أسمى المناسبات لبناء هذا النوع من الأمن الإنساني هو شهر رمضان، إذ يمثل فرصة لتعزيز الروابط الروحية والاجتماعية.
من منظور إسلامي، هناك حديث للإمام علي (عليه السلام) يشير إلى وجود أمانين من عذاب الله، وقد رفع أحدهما ببُعد الرسول (صلى الله عليه وآله)، بينما يستمر الآخر متمثلًا في الاستغفار. فعن الامام علي (عليه السلام): (كَانَ فِي الْأَرْضِ أَمَانَانِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ وَقَدْ رُفِعَ أَحَدُهُمَا فَدُونَكُمُ الْآخَرَ فَتَمَسَّكُوا بِهِ أَمَّا الْأَمَانُ الَّذِي رُفِعَ فَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) وَأَمَّا الْأَمَانُ الْبَاقِي فَالِاسْتِغْفَارُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
الاستغفار ليس مجرد كلمة تُتلفظ، بل هو طلب للأمان والحماية. المشكلة الحقيقية تنبع من انعدام الثقة بين الناس. من هنا يأتي دور الاستغفار في بناء علاقة ثقة متبادلة بين أفراد المجتمع وتأمين السلام النفسي والاجتماعي.
الاستغفار أيضًا يلعب دورًا في تعزيز المسؤولية الاجتماعية، فهو يدفع الإنسان للخروج من إطار الأنانية والتفكير في الآخرين. الأنانية التي تجعل الفرد مهتمًا بذاته فقط دون النظر إلى احتياجات الآخرين تفترض غياب المسؤولية الاجتماعية. إذ ورد في حديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع)، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله): (من أصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم).
يعني هذا أنه يتم نفي حالة الإسلام الحقيقي عن جوهر الإنسان الداخلي، حيث إن كل شخص يفكر بطريقته الخاصة ويرى أن حياته مرتبة ومنظمة، ولديه وظيفة وراتب، فلا يهتم بكيفية عيش الآخرين. هذه الظاهرة تعبر عن غياب المسؤولية الاجتماعية. أما الاستغفار، فيؤدي بدوره إلى تعزيز بناء هذه المسؤولية الاجتماعية لدى الإنسان ويجعله يفكر بالآخرين.
لذا، الاستغفار ليس مجرد باب للتوبة عن الأخطاء، بل يمثل أساسًا لبناء الكرامة الإنسانية وتحقيق الرزق ورفع العذاب بكل أشكاله، سواء كان نفسيًا أو جسديًا. إنه أداة لتربية النفس على الارتباط بالله والاستقامة. حتى في المجتمعات التي تتمتع باستقرار اقتصادي أو اجتماعي نسبي، قد تنعكس آثار تراكمات تاريخية من انعدام الأمن في شكل أزمة داخلية تسيطر على النفس البشرية. تشير الدراسات النفسية إلى أن هذه المشاعر قد تكون متوارثة عبر الأجيال، مما يجعل الإنسان يعيش حالة عدم الأمان حتى وسط وفرة الاستقرار.
في هذا السياق، يأتي الاستغفار كوسيلة فعالة لمعالجة هذه التحديات الأخلاقية والنفسية، حيث يمنح الإنسان السلام الداخلي ويدفعه نحو التوكل والاتصال العميق بالخالق سبحانه وتعالى.
- الأستاذ حسين شاكر العطار؛ باحث وقانوني:
الهوية الوطنية الفردية تبدو متزعزعة بشكل واضح نتيجة للتراكمات التي خلفتها الحروب والأزمات والمصائب التي مر بها الوطن، حيث انعكست هذه الأحداث بشكل عميق على النفسية العامة للأفراد. يظهر ذلك من خلال شعور الكثيرين بحالة من الهزيمة النفسية المستمرة، وهي حالة شائعة بين الغالبية العظمى. هذا الإحساس بعدم الاستقرار ناتج عن فقدان اليقين وزيادة مستويات القلق النفسي لدى الأفراد.
إضافة إلى ذلك، ساهمت الحلول المؤقتة والتدخلات السطحية التي تتبعها الدولة لتلبية الاحتياجات الفورية دون التخطيط بعيد المدى، في تعزيز الشعور بالإحباط لدى الفرد. هذا النهج المؤقت لا يقتصر على الأفراد فقط، بل يمتد إلى طريقة إدارة الدولة نفسها ومؤسساتها، حيث تركز السياسات على معالجة الأعراض بدلاً من حل المشكلات الجذرية، وخاصة ما بعد 2003. هذا الفشل في وضع استراتيجيات واضحة أدى إلى غياب الأمن النفسي والاجتماعي، فضلاً عن تدهور الإحساس بالإنسانية.
عندما تسعى الدولة إلى تنفيذ برامج جديدة أو تبني خطوات للعمل، غالباً ما يُلاحظ غياب الثقة في المجتمع تجاه هذه المبادرات. يعود السبب إلى إدراك المجتمع أن هذه الخطوات تفتقر إلى التخطيط السليم وتفتقد الأسس المنطقية. عدم وجود الشفافية والطرق الصحيحة يؤدي إلى نتائج محدودة وغير مرضية، مما يعزز انعدام الثقة بين المجتمع والدولة.
من أبرز التحديات الأخرى هو تهميش الكفاءات داخل المجتمع بطريقة عشوائية، وانتشار النزعات الشعبوية التي أصبحت إحدى السمات الأساسية للنظام القائم. هذا النظام الذي أُسس منذ البداية على قواعد غير سليمة أدى إلى الوضع الراهن الذي يتسم بالفوضى والارتجالية. ثقافة غياب التقييم والمتابعة تُعمِّق الأزمة، فضلاً عن أن السلوكيات العشائرية والقبلية قد اخترقت حتى مؤسسات الدولة وطريقة إدارتها، مما أدى إلى تأجيج الأزمات السياسية التي تُدار بذات الأسلوب القبلي المهيمن.
في ظل هذه الظروف، أصبح الإحساس السائد لدى غالبية المجتمع هو انعدام الثقة بالدولة ومؤسساتها نتيجة غياب العدالة وسيادة مفهوم القوة على حساب الحق. هذه المشاكل مجتمعة تقوض قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار وتعزيز علاقتها بمواطنيها، حيث يستمد أي نظام سياسي قوته من قوة الأفراد وثقتهم به.
- الأستاذ علاء الكاظمي؛ باحث اكاديمي:
بدايةً النبي إبراهيم (عليه السلام) بدعائه لأهل مكة قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). يظهر في هذا الدعاء أن الأمن كان أول طلب توجه به إبراهيم (عليه السلام)، باعتباره الأساس الذي تُبنى عليه كل الأمور الأخرى، فمن دون أمن لا يمكن معالجة أي قضية أخرى، حتى الأمور الاقتصادية تعتمد على تواجد هذا الأمن الأساسي. وهذا ينطبق على الواقع الذي نعيشه اليوم؛ الأمن بكل مستوياته، سواء كان ماليًا، غذائيًا، أو مائيًا، يمثل أساس الحياة السليمة والمستقرة. ومع الأسف، نعاني اليوم من غياب هذا الأمن، خصوصاً في واقع العراق الحالي الذي يعاني من مخاوف داخلية وخارجية تزيد الوضع سوءًا.
فعلى المستوى الداخلي، الحكومات المتعاقبة التي تولت حكم العراق لم تقدم أي رؤية واضحة للمستقبل بل قادت البلاد نحو مجهول مُقلق. فقد أصبح انعدام الثقة في الحكومات حقيقة تفرض نفسها على الجميع. الأمن الغذائي والمائي خلال الصيف بات مهددًا، والأمن المالي كذلك غير مستقر. هذا الانهيار في الأساسيات يجعل الجميع يعيش حالة من الخوف المستمر.
أما المخاوف الخارجية فتتمثل في غياب القانون والصراعات المستمرة التي تقوض الاستقرار العالمي، مما يجعل الجميع قلقًا حول ما قد يحدث للعالم والإنسانية ككل. هذه المخاوف الخارجية تضاعف الأزمات التي يعاني منها البلد على المستوى الداخلي.
أما الحلول المطروحة، فتظل غير فعالة إن لم تكن هناك قيادة حكيمة ونزيهة قادرة على تطبيقها. المشكلة الأساسية في العراق تكمن في الفساد الذي أفسد الحكومة والعملية الديمقراطية برمتها. الحكومة الحالية ليست سوى انعكاس للإرادة الشعبية في نظام ديمقراطي يحمل أصواتاً كانت شريكة في هذا الواقع الفاسد. هذه الأصوات تعبر عن ثقافة مجتمعية تبحث عن مصالح آنية وتغفل عن المصلحة بعيدة المدى والأساسية، مما ينعكس على النتائج السياسية والاجتماعية.
في النهاية، إذا لم يعد الإنسان إلى دينه وأخلاقه، فإن القوانين وحدها لن تكون كافية كردع حقيقي. غياب الالتزام بالقوانين الدولية والمحلية يجعل من الحكومة جهة مستعلية فوق القانون، فلا يوجد ما يلزمها بمراعاته. يبقى الرادع الأساسي هو الوازع الديني والأخلاقي الذي يجب أن يكون حاضراً في المجتمع.
أما بالنسبة لسؤال: هل يدرك صانع القرار العراقي حجم التحديات؟ يبدو أنه يدركها بشكل نظري فقط، لكن من الناحية العملية ليس هناك إدراك حقيقي يدفع نحو تغييرات تحقق نتائج ملموسة وتجسد حلولاً فعلية للمشاكل القائمة.
- الأستاذ محمد علي جواد تقي؛ كاتب في شبكة النبأ المعلوماتية:
فيما يتعلق بالسؤال الأول، أركز على دور وفرة المقومات المادية والبشرية في تحقيق الأمن الإنساني. في الحقيقة، الأمن الإنساني يرتبط بشكل أساسي بالإنسان ككائن يحمل مشاعر وأحاسيس، وبالتالي له بُعد معنوي أكبر بكثير من البعد المادي. أما بالنسبة للوضع في العراق خلال الخمس عشرة سنة الماضية، فمن الواضح أن الحكومة الحالية لم تقدم أداءً مرضيًا نتيجة الفساد والمحاصصة السائدة. مع ذلك، على الصعيد المادي، تم اتخاذ خطوات مثل توفير الرواتب والمخصصات وتوزيع الأراضي للمواطنين، وهي إصلاحات لم تكن متوفرة خلال النظام السابق. ولكن المشكلة الأساسية تكمن في إغفال الدولة للبعد المعنوي للإنسان. فالإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بكرامته وإنسانيته وليس الاكتفاء بتلبية احتياجاته المادية فقط. من الضروري أن تمنحه الدولة قيمة معنوية تعزز ثقته بنفسه وبالمجتمع. للأسف، نجد أن هناك حالة من الاتهام وانعدام الثقة المتبادلة بين المواطن والدولة، مما يؤدي إلى شعور المواطن بفقدان إنسانيته، رغم حصوله على حقوق مادية. كلمة أو تصرف بسيط من الدولة يمكن أن يؤدي إلى تقويض هذه العلاقة والابتعاد عن تحقيق الأمن الإنساني.
أما فيما يتعلق بالسؤال الثاني، أرى أن صانعي القرار في الدولة لا يولون الاهتمام الكافي للجانب الإنساني عند تعاملهم مع أفراد المجتمع. السبب الرئيسي في ذلك يعود إلى غلبة الرؤية البراجماتية التي تركز على المصالح العملية أكثر من القيم والاعتبارات الإنسانية. هذه العقلية هي جوهر المشكلة؛ لأنها تعيق بناء استراتيجية حقيقية لتحقيق الأمن الإنساني في العراق. عندما يُصدر قرار أو قانون دون النظر إلى احتياجات المواطن أو إشراكه في العملية، فإن الرسالة التي تصل إلى المواطنين هي أنهم غير ذوي قيمة. وهذا يؤدي بوضوح إلى زعزعة أمن المجتمع واستقراره. لقد شاهدنا مظاهر ذلك عدة مرات في حالات السرقات والاختلالات الاجتماعية، ليس فقط في العراق بل أيضًا في العديد من الدول الأخرى. عندما يفقد الإنسان إحساسه بإنسانيته ويشعر بالتهميش، فإنه قد يلجأ إلى سلوكيات إجرامية أو مواقف انتقامية من المجتمع. ولكن إذا كان يشعر بالتقدير والاحترام، فإنه سيسعى للحفاظ على استقرار وأمن الدولة بغض النظر عن وضعه المادي، وسيكون شريكًا إيجابيًا في تعزيز التنمية والأمن الاجتماعي.
- الأستاذ حسين علي عبيد؛ باحث في مركز الفرات للتنمية والدراسات الاستراتيجية:
فيما يتعلق بالسؤال الأول حول العراق، نمتلك وفرة في المقومات المادية والبشرية. لكن المشكلة تكمن في استغلال هذه المقومات لتحقق غايات تعود بالنفع على الفرد. ثمة مجموعة من الأسباب التي أعاقت تحقيق الأمن الإنساني، يمكن تصنيفها ضمن أربعة محاور كالتالي:
المحور الأول: التوجه نحو الأمن التقليدي، بعد عام 2003، ركّز العراق بشكل كبير على الأمن العسكري ومكافحة الإرهاب، متجاهلاً الجوانب الأخرى المتعلقة بالأمن الإنساني مثل التعليم والصحة. هذا التركيز الأحادي أدى إلى إهمال احتياجات الإنسان الأساسية، مما ساهم في غياب تحقيق الأمن الإنساني في البلاد.
المحور الثاني: ضعف الدولة المؤسسية، تعاني الدولة العراقية من ضعف مؤسساتها نتيجة اعتمادها على نظام المحاصصة السياسية وانتشار الفساد الإداري والمالي، بالإضافة إلى غياب التخطيط الاستراتيجي. هذه العوامل جعلت المؤسسات تركز على مصالحها الخاصة، متجاهلة مصالح المواطن واحتياجاته.
المحور الثالث: هيمنة الاقتصاد الريعي، يعتمد العراق على الاقتصاد الريعي مما يجعله هشاً ومعرضاً لتقلبات الأسعار العالمية. ضعف القطاعات الإنتاجية يؤدي إلى تفاقم مشكلة البطالة ويؤثر مباشرة على حياة الأفراد، في حين تبقى الدولة بعيدة عن المعاناة المباشرة.
المحور الرابع: انعدام ثقة المواطن بالدولة، يعاني المواطن العراقي من شعور بفقدان الثقة تجاه دولته، إذ لا يشعر بالعدالة في توزيع الموارد أو تكافؤ الفرص. الظاهرة المتمثلة في تفضيل أبناء المسؤولين والشخصيات النافذة على عامة المواطنين تزيد من شعور الظلم والإحباط لدى الشعب.
أما بالنسبة للسؤال الثاني، هل يدرك صانع القرار العراقي أن قوة الدولة ومؤسساتها تتحقق من خلال قوة الفرد؟ الواقع يشير بوضوح إلى أنه لا يدرك ذلك. فلو كان صانع القرار واعياً بهذه الحقيقة، لما وصلت الأوضاع إلى ما هي عليه الآن.
- الأستاذ حيدر الاجودي؛ باحث في مركز المستقبل للدراسات الستراتيجية:
مفهوم الأمن الإنساني يمثل فكرة شاملة لا تقتصر على غياب الحروب أو الإرهاب في دولة أو منطقة ما، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالحياة اليومية للإنسان. يشمل الأمن الإنساني أبعاداً متعددة، مثل الاقتصادي، والسياسي، والاجتماعي، والغذائي، وغيرها. هذه الجوانب مجتمعة تقع تحت مظلة الأمن الإنساني الذي يعتبر الإطار الشامل لضمان حياة كريمة للبشر.
في العراق، ورغم امتلاكه موارد طبيعية ضخمة وقوة بشرية طموحة وشابة، فإن تحقيق الأمن الإنساني يواجه عقبات كبيرة. هذه العقبات تعود إلى أسباب جوهرية، أبرزها العلاقة المختلة بين الدولة والمجتمع. بعد عام 2003، فقدت الكثير من المؤسسات هويتها الوطنية أو تم تغييبها لصالح الهويات الفرعية، مما أدى إلى ظهور انقسامات وتوجهات متعددة على حساب الهوية الوطنية الجامعة. هذا الأمر أسهم بشكل كبير في زعزعة الأمن.
جانب آخر من التحديات هو التوجه المتزايد نحو التركيز على الأمن العسكري على حساب تحقيق الأمن التنموي والخدمي. العراق مرّ بفترات عصيبة تضمنت الإرهاب، الحروب، القاعدة، داعش، والطائفية، مما أفرز توجهات أمنية عسكرية شديدة. ورغم أهميتها، إلا أن تجاهل الأسس التنموية والخدمية أثر سلباً على الأمن الإنساني. ثمة مثال من التاريخ الصيني يشير إلى الحكمة من بناء المنظومة الإنسانية جنباً إلى جنب مع التحصينات الأمنية؛ فالصين رغم بنائها سورها العظيم، تعرضت للاجتياح عبر بواباتها الرئيسية بسبب إهمال الإنسان وتطويره.
إضافة لذلك، الاقتصاد العراقي ريعي يعتمد بشكل رئيسي على عائدات النفط، وهو أمر يتسبب في عدم استقرار مجتمعي واضح. هذا الوضع يؤثر سلباً على الثقة بين الشعب والحكومة ويفاقم الاضطرابات. الفساد المستشري يزيد الأمور سوءاً، حيث يهدر الثروات ويقوض العدالة الاجتماعية، مما يؤدي إلى انهيار علاقة المواطن بالدولة وفقدان الثقة بمؤسساتها.
كما أن غياب رؤية استراتيجية طويلة الأمد يشكل عائقاً أمام تحقيق الأمن الإنساني. النظام السياسي القائم يعكس في كثير من الأحيان اهتماماً بمكاسب قصيرة الأمد والأصوات الانتخابية بدلاً من التركيز على التعليم والصحة كركيزتين أساسيتين للتنمية البشرية. خطاب النخبة السياسية غالباً ما يكتفي بالحديث عن أهمية الأمن الإنساني دون خطوات فعلية على أرض الواقع. يضاف إلى ذلك أن خلق الأزمات بات وسيلة لإلهاء الشعب عن غياب الإنجازات، ما يؤدي إلى إحباط يمنع المواطنين من المطالبة بحقوقهم أو السعي لتغيير الوضع القائم.
الأمن الإنساني ليس مستحيلاً ولكنه يتطلب خططاً استراتيجية بعيدة المدى وإرادة سياسية قوية تقف على مسافة واحدة من مصلحة الوطن والمواطن. فقط من خلال هذه العوامل يمكن تحقيق التنمية المستدامة وضمان استقرار الأوطان ورفاه المجتمع.
- الأستاذ محمد علاء الصافي؛ باحث في مركز الإمام الشيرازي للدراسات والبحوث:
إن موضوع الأمن الإنساني يعتبر من المفاهيم الحديثة التي بدأت تتبلور مع تطورات الأنظمة السياسية في العالم. عندما نسأل: متى يتحقق الأمن الإنساني؟ ومتى نشهده في العراق أو في المنطقة العربية؟ نجد أنه بعيد المنال في ظل الظروف الراهنة. في السابق، كان التركيز على مفهوم الأمن التقليدي، الذي يتعلق بحماية الحدود ومنع الصراعات الداخلية والاقتتال. أما اليوم، فقد تطور مفهوم الأمن ليشمل الأمن الإنساني، الذي يرتبط بتلبية احتياجات الأفراد وضمان حقوقهم الأساسية.
يرتبط ظهور هذا المصطلح بالتغيرات السياسية والأنظمة الحديثة التي بدأت تتشكل بعد منتصف القرن العشرين، حيث كانت الأنظمة، سواء اشتراكية أو رأسمالية، تعيش حالة من الصراع في ما بينها. العراق، من جانبه، يعاني من غياب تجربة سياسية مستقرة، مما أثر على قدرته في بناء نظام اقتصادي متكامل يرتبط بالإصلاح السياسي. فبدون إصلاح سياسي حقيقي، لا يمكن أن تتحقق إصلاحات اقتصادية أو اجتماعية شاملة.
العراق يمتلك إمكانيات مادية ضخمة وموارد بشرية هائلة، إلا أن هذه الإمكانيات تُعاق بسبب ضعف الإدارة والنظام السياسي وفقدان الشفافية. فالفساد في العراق لم يعد مجرد حالة طارئة، بل أصبح جزءاً من بنية النظام نفسه، مع وجود قوانين ومؤسسات تدعمه وتحميه. وحتى مع كون العراق واحداً من أكبر مصدري النفط في العالم وامتلاكه احتياطات ضخمة من الموارد الطبيعية كالفوسفات والغاز، فإن التحديات الاقتصادية والسياسية تجعل الأمن الإنساني هدفاً بعيد المنال.
من جهة أخرى، يبدو أن تركيز الأحزاب السياسية منصب بشكل أساسي على الوصول إلى السلطة بدلاً من أي رؤية إصلاحية حقيقية. الإصلاح السياسي لا يعني فقط تغيير الوجوه السياسية أو انتخاب برلمانات جديدة، بل يتطلب إعادة هيكلة شاملة لمؤسسات الدولة ككل. ولعل من أهم التساؤلات التي يجب طرحها: هل السلطة القضائية أو نظام العدل الحالي في العراق يساهمان بالفعل في تعزيز الأمن والاستقرار؟ الواقع يشير إلى أنهما يواجهان تحديات كبيرة.
من جانب آخر، نلاحظ الفرق في الفلسفة الاجتماعية بين الغرب والمجتمعات العربية؛ في الدول الغربية الليبرالية يتم التركيز على الفرد كوحدة أساسية للمجتمع، وهو نهج استغرق عقوداً لتطويره رغم ما يعتريه من مشكلات. أما مجتمعاتنا فتتسم بطابع جماعي يغلب عليه الطابع الديني أو العشائري، ما يجعل التعامل مع الأزمات مختلفاً.
لذلك، الحل ليس مجرد تعديل قوانين أو استبدال قادة سياسيين. ما نحتاجه هو سياسات طويلة الأمد تتطلب إرادة سياسية واجتماعية قوية. هذا يشمل أيضاً بناء بنية اجتماعية متكاملة تواكب التغييرات المطلوبة. ولتحقيق ذلك، لا بد من الاستثمار في التعليم وإطلاق برامج ثقافية وتنموية وإعلام وطني هادف يسهم في رفع الوعي العام. بدون هذه الخطوات الجذرية، يبقى تحقيق الأمن الإنساني في العراق حلماً بعيد المنال.
- الأستاذ صادق الطائي؛ باحث وكاتب:
ليس وفرة الغذاء والمال الكثير دليل على الأمن الإنساني وراحة الضمير بل الشعور بان هناك حاجات وأزمات حادة تعصف بالإنسان من هنا وهناك من أزمات سياسية أو من خلال صراعات دولية تؤثر ولا تحقق أمن إنساني دائم ومؤثر في طبيعة المواطن، مثلا في العراق تعثر الأمن الإنساني رغم وفرة المقومات المادية والبشرية هذا صحيح ولكن اختلاف الرئاسات الأمريكية وركض بعض الرئاسات العراقية وراء رضا تلك الرئاسات دون التفكير برضا الشعب وحل مشاكله.