وضع الشيعة في الإمارات والخليج في ظل حرب إيران وصراع التحالفات الإقليمية
شبكة النبأ
2026-05-26 04:48
يعالج هذا التقرير وضع الشيعة في الإمارات، خصوصًا الشيعة الباكستانيين المقيمين والعاملين فيها، في ضوء موجة الترحيلات والاحتجازات التي نشرتها وكالات وصحف عدة خلال نيسان/أبريل وأيار/مايو 2026. ويجب منذ البداية التمييز بين ثلاث طبقات: وقائع موثقة جزئيًا، مثل شهادات مرحّلين ووثائق هجرة وبيانات سفر؛ وروايات سياسية وحقوقية تتحدث عن استهداف طائفي؛ واستنتاجات استراتيجية تربط ذلك بالحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى، وبالتنافس الإماراتي السعودي، وبالتوازنات الباكستانية بين الخليج وإيران والهند.
الخلاصة الأساسية: ما يجري يبدو أقل من كونه إجراءً إداريًا عاديًا، وأكبر من كونه ملف عمالة فقط؛ إنه تحول أمني في إدارة الوجود الشيعي الوافد في الخليج، حيث يُعاد تعريف الشيعي، خصوصًا الباكستاني والإيراني والمرتبط بالحسينيات أو الأسماء والهويات الدينية، بوصفه احتمالًا أمنيًا في لحظة حرب إقليمية. لكن لا توجد أدلة علنية كافية تثبت أن إسرائيل تدير مباشرة حملة “تصفية الوجود الشيعي في الخليج”؛ لكن ممارسات التحالف الإسرائيلي ـ الخليجي غير المعلن أو المعلن في بعض مستوياته تعزز منطق تجفيف البيئات الاجتماعية التي تُشتبه بصلتها بإيران، وهذا ينعكس على الشيعة بوصفهم الحلقة الأضعف في معادلة الأمن والتحالفات.
موجز تنفيذي
تشير تقارير رويترز إلى أن أكثر من 100 شيعي باكستاني عادوا إلى مناطق ريفية في باكستان، خصوصًا تشاكوال وكورام، بعد ترحيلهم من الإمارات دون وظائف أو أمتعة أو قدرة على الوصول إلى مدخراتهم، وأن قاعدة بيانات أعدها مجلس وحدة المسلمين في باكستان تحدثت عن نحو 7500 شيعي باكستاني رُحّلوا من الإمارات منذ 28 شباط/فبراير 2026، وهو تاريخ بدء الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران. كما ذكرت رويترز أنها راجعت وثائق هجرة ولقطات حالة تأشيرات وتفاصيل رحلات تخص 103 أشخاص، وأجرت مقابلات مع 24 منهم، قالوا إنهم لم يتمكنوا من استعادة أموالهم أو حقائبهم قبل ترحيلهم.
التقارير نفسها تؤكد أن الإمارات لم توضح علنًا معايير اختيار المرحّلين، وأن وزارة الخارجية الإماراتية امتنعت عن التعليق على أسئلة رويترز، بينما نفت وزارة الداخلية الباكستانية أن تكون الترحيلات على أساس مذهبي، ووصفتها بأنها مرتبطة بمخالفات قوانين الإقامة والعمل. لكن رويترز نقلت أيضًا عن مسؤول باكستاني رفيع أن إسلام آباد تراجع الوضع بعد استقبال آلاف المرحّلين من الإمارات، وأن معظمهم من الشيعة، مع تجنب الحكومة تناول الملف علنًا لأسباب دبلوماسية.
إذا وُضع ذلك في سياقه الإقليمي الأوسع، يظهر أن الشيعة الباكستانيين في الإمارات وقعوا بين أربعة ضغوط متزامنة: الحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران، الردود الإيرانية على الخليج، غضب أبوظبي من موقف باكستان الوسيط أو غير الحاسم تجاه إيران، وتزايد التنافس الإماراتي ـ السعودي على ولاء باكستان ودورها العسكري والمالي. تقرير إذاعة أوروبا الحرة/راديو ليبرتي نقل عن محللين أن الباكستانيين الشيعة في الإمارات أصبحوا “كبش فداء” لتدهور العلاقات الإماراتية الباكستانية، وأن أبوظبي غير راضية عن اقتراب إسلام آباد من إيران ومن السعودية في وقت واحد.
خلفية وضع الشيعة في الإمارات
الوجود الشيعي في الإمارات ليس كتلة واحدة. هناك شيعة مواطنون، وشيعة من أصول إيرانية أو عربية أو جنوب آسيوية، وهناك كتلة واسعة من العمالة الباكستانية والهندية والأفغانية والإيرانية الشيعية. الأزمة الحالية تخص بصورة أوضح الشيعة الباكستانيين الوافدين، لا عموم الشيعة المواطنين بالضرورة. وتكمن هشاشة هذه الفئة في أنها لا تمتلك حماية سياسية داخلية قوية، وتعتمد على الإقامة والعمل والكفالة، ما يجعلها أكثر عرضة للترحيل الإداري السريع إذا دخلت في خانة الاشتباه الأمني.
تقارير سابقة لمنظمات حقوقية أشارت إلى أن استهداف الشيعة الباكستانيين في الإمارات ليس جديدًا تمامًا؛ فقد اتهمت هيومن رايتس ووتش عام 2021 السلطات الإماراتية بإخفاء قسري لأربعة رجال باكستانيين وترحيل ستة آخرين، على ما بدا أنه بسبب خلفيتهم الشيعية، بعد احتجاز بمعزل عن العالم الخارجي لفترات وصلت إلى أشهر.
كما تشير تقارير دينية وحقوقية إلى أن ممارسة الشعائر الشيعية، مثل عاشوراء، تكون غالبًا مقيدة بالمجال الخاص لا العام، مع غياب المواكب العلنية في دبي والإمارات الشمالية حيث يوجد جزء مهم من السكان الشيعة.
هذا يعني أن الأزمة الراهنة ليست حادثة منفصلة تمامًا، بل تبدو امتدادًا لنمط أمني قديم يقوم على مراقبة الحساسيات الدينية والسياسية، لكنه اكتسب بعد الحرب على إيران طابعًا أكثر اتساعًا وحدة. الفارق في 2026 هو أن الترحيل لم يعد يقتصر، بحسب الشهادات، على حالات محدودة، بل صار موجة تشمل عمالًا ومديرين وموظفين في قطاعات النقل والتكنولوجيا والبناء والخدمات، وبعضهم عاش في الإمارات لعقد أو عقدين.
لماذا تستهدف الإمارات الشيعة الباكستانيين؟
1. منطق الأمن الوقائي: في لحظات الحرب الإقليمية، تميل الدول إلى توسيع تعريف الخطر. وبما أن إيران تُعرّف نفسها كقوة شيعية كبرى وتمتلك شبكة حلفاء في العراق ولبنان واليمن وسوريا، فإن بعض الأنظمة الخليجية تميل إلى إسقاط الشك السياسي على جماعات شيعية لا دليل على ارتباطها الأمني بإيران. هذا لا يعني أن كل شيعي يُنظر إليه رسميًا كتهديد، لكنه يعني أن الهوية الشيعية قد تتحول، في لحظة التصعيد، إلى مؤشر أمني داخل قواعد البيانات والرقابة والهجرة.
تقرير رويترز أشار إلى أن قادة من المجتمع الشيعي الباكستاني يقولون إن الترحيلات تسارعت أثناء الحرب، مع ازدياد التوتر في الخليج عقب الردود الإيرانية على الإمارات. كما نقل التقرير عن أحد المرحّلين أن مسؤولين سألوه عن راتبه وتحويلاته، ثم سألوه إن كان يمول إيران، وهي إشارة مهمة إلى أن الاشتباه لم يكن إداريًا خالصًا بل مرتبطًا بفرضية التمويل أو الولاء السياسي.
2. معاقبة باكستان عبر الجالية الضعيفة: تملك الإمارات أدوات ضغط على باكستان: الودائع والقروض والاستثمارات، إضافة إلى الجالية الباكستانية الضخمة في سوق العمل الإماراتي. تشير تقارير إلى أن الإمارات طلبت من باكستان سداد 3.5 مليار دولار في لحظة ضائقة مالية، وأن ذلك عُدّ تعبيرًا عن إحباط أبوظبي من إسلام آباد بسبب تقاربها مع الرياض وموقفها غير الصارم من إيران.
ضمن هذا السياق، قد تُقرأ الترحيلات بوصفها رسالة مزدوجة: رسالة أمنية إلى إيران، ورسالة سياسية إلى باكستان. فالجالية الباكستانية في الإمارات، التي تُقدّر بمئات الآلاف أو بالملايين وفق مصادر مختلفة، تمثل رافعة اقتصادية لباكستان عبر التحويلات، وأي مساس بها يخلق ضغطًا اجتماعيًا وماليًا على إسلام آباد. رويترز أشارت إلى أن نحو 1.8 مليون باكستاني يعيشون ويعملون في الإمارات، وأن تحويلاتهم تتجاوز 6 مليارات دولار سنويًا، وهو رقم يجعل ملف العمالة جزءًا من الأمن الاقتصادي الباكستاني.
3. الحساسية من الوساطة الباكستانية مع إيران: باكستان حاولت أن تظهر كوسيط بين إيران والولايات المتحدة أو بين إيران وبعض الأطراف الإقليمية. لكن أبوظبي، وفق ما نُقل عن محللين، لا تنظر بعين الرضا إلى الحياد في لحظة تعتبرها تهديدًا مباشرًا لأمنها. أحد التحليلات المنقولة عن فايننشال تايمز يقول إن أبوظبي ترى أن “لا حياد” في هذا الصراع، وأن من يتوسط قد يُنظر إليه كمن يرفض الاصطفاف الكامل ضد إيران.
هنا يصبح الشيعة الباكستانيون ضحية تداخل بين هوية مذهبية وسياسة دولة. فهم لا يمثلون الحكومة الباكستانية، ولا يملكون قرارها، لكنهم يتحولون إلى ساحة ضغط لأنهم الأكثر قابلية للإخراج من المعادلة بأقل تكلفة سياسية داخل الإمارات.
4. الهاجس من الحسينيات والشبكات الاجتماعية الشيعية: بعض التقارير تحدثت عن مراقبة للحسينيات والمجالس، وعن استخدام بطاقات الهوية الإماراتية عند دخول بعض التجمعات الشيعية، وعن مخاوف من استخدام سجلات الحضور لاحقًا لتحديد الأشخاص المستهدفين. هذه مزاعم وردت في تقارير وشهادات ولم تؤكدها السلطات الإماراتية، لكنها مهمة لأنها تكشف عن شعور الجالية بأن النشاط الديني نفسه أصبح قابلًا للتحويل إلى ملف أمني.
إذا صحت هذه الشهادات، فإن الخطر لا يقتصر على الترحيل، بل يمتد إلى خلق بيئة خوف تمنع الشيعة من حضور المجالس أو ممارسة شعائرهم أو بناء شبكات تضامن اجتماعي طبيعية. وهنا لا تكون “التصفية” بالمعنى الجسدي، بل بمعنى تفكيك البنية الاجتماعية والدينية والاقتصادية للوجود الشيعي الوافد.
أثر الصراع الإسرائيلي ـ الإيراني
الحرب بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة وإيران من جهة أخرى هي الإطار الحاسم لفهم تسارع الأزمة. مجلس العلاقات الخارجية الأميركي وصف الحرب بأنها بدأت في 28 شباط/فبراير 2026 بضربات أميركية وإسرائيلية واسعة استهدفت إيران، وأن طهران ردّت باستهداف منشآت أميركية وإسرائيلية وبنى طاقة ومدنية في دول الخليج، كما أدى الصراع إلى اضطراب سلاسل الإمداد وإغلاق أو تقييد مضيق هرمز.
في هذا السياق، تصبح الإمارات في موقع بالغ الحساسية: فهي حليف أمني واقتصادي للولايات المتحدة، ولها علاقات تطبيع مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تقع داخل المجال الجغرافي الذي تستطيع إيران تهديده بالصواريخ والمسيّرات والضغط البحري. ولذلك تميل أبوظبي إلى تقليل أي “هامش اختراق” داخلي، حقيقيًا كان أم متخيّلًا، خصوصًا داخل الجاليات التي قد تُربط بإيران مذهبيًا أو ثقافيًا.
لكن السؤال الأخطر هو: هل تحاول إسرائيل تصفية الوجود الشيعي في الخليج؟
لا توجد أدلة كافية تثبت أن إسرائيل تدير مباشرة عمليات ترحيل الشيعة من الإمارات أو الخليج. لكن هناك ترابط استراتيجي غير مباشر: إسرائيل تضغط لتفكيك نفوذ إيران وشبكاتها الإقليمية، وبعض دول الخليج تترجم هذا الضغط إلى سياسات أمنية داخلية أكثر صرامة تجاه كل ما يُشتبه بصلته بإيران. لذلك الأدق أن نقول إن الاستراتيجية الإسرائيلية ضد إيران تخلق بيئة إقليمية تجعل الشيعة أكثر عرضة للتجريم الأمني، لكنها لا تثبت وحدها وجود خطة إسرائيلية مباشرة لتصفية الوجود الشيعي الاجتماعي في الخليج.
الإمارات والسعودية وباكستان: صراع الحلفاء
الأزمة لا تُفهم فقط عبر ثنائية الإمارات ـ إيران. هناك صراع نفوذ داخل المعسكر الخليجي نفسه، خصوصًا بين أبوظبي والرياض. تقارير نقلت أن السعودية وقعت اتفاقية دفاع متبادل مع باكستان، وأن هذا التقارب أزعج الإمارات، خاصة مع اختلاف الحسابات بين الرياض وأبوظبي في اليمن، وفي ملفات إقليمية أخرى، وفي إدارة العلاقة مع باكستان.
باكستان بدورها تحاول موازنة أربع علاقات صعبة: علاقتها التاريخية بالخليج، حاجتها المالية للإمارات والسعودية، حدودها ومصالحها مع إيران، وعداؤها الاستراتيجي مع الهند. لكن الإمارات طورت في السنوات الأخيرة علاقات قوية مع الهند، اقتصاديًا وسياسيًا، وهو ما يزيد حساسية إسلام آباد. من زاوية باكستانية، تبدو الإمارات أقرب إلى الهند وأقل تسامحًا مع الحياد الباكستاني تجاه إيران، بينما تبدو السعودية أكثر استعدادًا لاحتضان باكستان عسكريًا وماليًا.
وهنا يقع الشيعة الباكستانيون في تقاطع مزدوج: فهم باكستانيون في بلد خليجي متوتر مع إسلام آباد، وهم شيعة في لحظة حرب مع إيران. هذا التقاطع يجعلهم هدفًا سهلًا لسياسة “التنظيف الأمني” أو “تقليل المخاطر”، حتى من دون توجيه اتهامات فردية واضحة.
باكستان والهند: البعد غير المباشر
العلاقة الإماراتية الهندية المتقدمة تضيف بعدًا مهمًا للأزمة. فالهند خصم باكستان التقليدي، وفي الوقت نفسه تضم أقلية شيعية كبيرة. بعض التقارير العربية نقلت مخاوف منظمات شيعية هندية من امتداد الاستهداف أو الاحتجاز أو التضييق إلى الشيعة الهنود في دول خليجية، خصوصًا الإمارات والسعودية.
لكن البعد الهندي لا يعني أن الإمارات تستهدف الشيعة لمصلحة الهند مباشرة. لكن الإمارات، في سياق صعود علاقاتها مع نيودلهي وتوترها مع إسلام آباد، تصبح أقل حساسية تجاه الخسائر السياسية الناتجة عن الضغط على باكستانيين. كما أن الشيعة الباكستانيين تحديدًا أكثر هشاشة من الشيعة الهنود، لأن باكستان نفسها في وضع مالي وسياسي أضعف، ولأن حكومتها تبدو حذرة من التصعيد العلني مع أبوظبي.
أدوات الضغط المستخدمة
يمكن تلخيص أدوات الضغط التي تظهر في مختلف التقارير في خمسة مستويات:
1. الاستدعاء الأمني المفاجئ: شهادات عدة تحدثت عن استدعاء عاملين إلى الشرطة أو احتجازهم عند المطار أو أثناء العمل دون إبلاغ واضح بالتهم.
2. الاحتجاز دون مسار قضائي شفاف: كثير من المرحلين قالوا إنهم لم يحصلوا على جلسة عادلة أو فرصة للاستئناف أو توكيل محام.
3. إلغاء التأشيرات والتصاريح: بعض العمال اكتشفوا أثناء الإجازة أو قبل السفر أن التأشيرة أو تصريح العمل أُلغي فجأة.
4. الترحيل دون تسوية مالية: رويترز نقلت شهادات عن عائدين فقدوا الوصول إلى المدخرات أو لم يتمكنوا من استعادة الأمتعة والمستحقات.
5. الضغط المالي على الدولة الأم: استدعاء القروض أو عدم تمديد الودائع، بحسب ما نقلته تقارير عن فايننشال تايمز، يمثّل ضغطًا على الحكومة الباكستانية في الوقت نفسه الذي تتعرض فيه جاليتها للترحيل.
التأثيرات الاستراتيجية
1. على الشيعة في الإمارات والخليج: الأثر الأعمق هو إنتاج شعور دائم بعدم الأمان. حتى من لم يُرحّل سيعيد حساباته: هل حضور المجلس الحسيني آمن؟ هل الاسم العائلي أو المذهبي مشكلة؟ هل التحويلات المالية يمكن أن تُفسَّر سياسيًا؟ هل العمل في الإمارات قابل للاستمرار؟ هذا الخوف قد يدفع إلى الانسحاب من الحياة الدينية والاجتماعية، أو إلى الهجرة إلى بلدان أقل حساسية، أو إلى التخفي المذهبي.
2. على باكستان: الترحيلات تضرب التحويلات المالية، وتزيد الضغط على مناطق شيعية فقيرة تعتمد على المغتربين، خصوصًا كورام وباراشينار وتشاكوال. كما تضع الحكومة الباكستانية في مأزق: الدفاع العلني عن مواطنيها قد يغضب الإمارات، والصمت يثير غضب الشيعة داخليًا ويكشف ضعف الدولة أمام المانحين الخليجيين. رويترز أشارت إلى أن التحويلات من الإمارات تمثل رافعة مهمة للاقتصاد الباكستاني، وأن باكستان تقوم بدور وساطة في النزاع الإيراني.
3. على الإمارات: قد تحقق الإمارات مكسبًا أمنيًا قصير الأمد عبر تقليل من تعتبرهم مصادر خطر، لكنها تخاطر بثلاث كلف: تشويه صورتها كبيئة أعمال آمنة، خسارة عمالة ماهرة ومنخفضة الكلفة، وتوسيع الفجوة مع باكستان. إذا شعر العمال الأجانب أن الإقامة الطويلة لا تمنح أي ضمان قانوني أو مالي، فقد يتضرر نموذج الإمارات القائم على استقطاب العمالة والثقة القانونية.
4. على الخليج عمومًا: إذا أصبحت الهوية الشيعية معيارًا أمنيًا في دول الخليج، فقد ينتج ذلك استقطابًا مذهبيًا عابرًا للحدود. وهذا يخدم إيران دعائيًا، لأنه يسمح لها بالقول إن الشيعة مستهدفون بسبب مذهبهم، كما يخدم المتشددين المناهضين للتطبيع الذين يرون أن التحالف مع إسرائيل يترافق مع تضييق على البيئات الشيعية.
هل توجد خطة لتصفية الوجود الشيعي في الخليج؟
بالنسبة الى “تصفية الوجود الشيعي”، إن كان المقصود التصفية الجسدية أو الإبادة، فلا توجد أدلة على ذلك بشكل مباشر. أما إذا كان المقصود تقليص الوجود الاجتماعي والديني والاقتصادي الشيعي الوافد، ومراقبته، وترحيل بعض عناصره، ومنع تحوله إلى شبكة مؤثرة، فهناك مؤشرات قوية تستحق التحقيق الجدي.
المؤشرات هي: تكرار اتهامات حقوقية منذ 2020 و2021، تصاعد الترحيلات في 2026، ربط الشيعة الباكستانيين بالحرب على إيران، غياب الشفافية القانونية، ونمط استهداف محتمل بناء على أسماء وهوية مذهبية وشبكات دينية، بحسب شهادات وتقارير.
أما الدور الإسرائيلي، فالأرجح أنه دور بنيوي غير مباشر لا دور عملياتي مثبت. إسرائيل تريد إضعاف إيران ومحورها، ودول خليجية ترى في الشيعة الوافدين أو بعض شبكاتهم مجالًا محتملًا للنفوذ الإيراني. النتيجة أن الحرب الإسرائيلية ـ الإيرانية تُعيد تشكيل سياسات الأمن الداخلي في الخليج، بحيث يدفع الشيعة الثمن حتى عندما لا يكونون طرفًا في الصراع.
السيناريوهات المحتملة
السيناريو الأول: احتواء صامت
تستمر الترحيلات بوتيرة منخفضة، مع تفاهمات خلفية بين باكستان والإمارات، وتعويض جزئي لبعض المتضررين، دون اعتراف رسمي بالطابع الطائفي. هذا السيناريو مرجح إذا هدأت الحرب مع إيران وتراجعت الضغوط الإعلامية والحقوقية.
السيناريو الثاني: توسع خليجي
تنتقل العدوى إلى دول خليجية أخرى، أو تتوسع لتشمل شيعة هنودًا وأفغانًا وإيرانيين، خصوصًا إذا عادت المواجهة مع إيران أو استهدفت طهران منشآت خليجية جديدة. هذا السيناريو خطر لأنه يحول الشيعة الوافدين إلى ملف أمني إقليمي لا إماراتي فقط.
السيناريو الثالث: أزمة دبلوماسية باكستانية ـ إماراتية
إذا ازدادت أعداد المرحّلين وارتفعت الضغوط الداخلية في باكستان، قد تضطر إسلام آباد إلى رفع الصوت، خصوصًا إذا دخلت الأحزاب الشيعية أو المعارضة أو الجيش في الملف. لكن حاجة باكستان المالية للخليج تجعل التصعيد محدودًا غالبًا.
السيناريو الرابع: تدويل حقوقي
قد تتحول القضية إلى ملف لدى هيومن رايتس ووتش ومنظمات أممية، خصوصًا إذا ثبت وجود احتجاز تعسفي أو اختفاء قسري أو ترحيل دون إجراءات قانونية. رويترز ذكرت أن هيومن رايتس ووتش بدأت التحقيق في المزاعم، وهذا قد يرفع كلفة الصمت الإماراتي.
توصيات استراتيجية
للجهات الشيعية والحقوقية: ينبغي توثيق الحالات بطريقة قانونية صارمة: الاسم، مكان العمل، تاريخ الاحتجاز، جهة التوقيف، رقم الرحلة، حالة التأشيرة، الممتلكات المصادرة، الشهود، والمستحقات المالية. الخطاب العاطفي وحده لا يكفي؛ المطلوب بناء ملف حقوقي قابل للتقديم إلى منظمات دولية ومحامين ومؤسسات أممية.
للحكومة الباكستانية: المطلوب تشكيل خلية أزمة قنصلية لحصر المرحّلين واستعادة مستحقاتهم وممتلكاتهم، مع التفاوض الهادئ مع الإمارات دون إنكار مطلق يفاقم شعور الضحايا بالتخلي. الإنكار الرسمي الكامل قد يحمي العلاقة مع أبوظبي مؤقتًا، لكنه يضر بشرعية الدولة أمام مواطنيها.
للإمارات: الأفضل استراتيجيًا هو إعلان معايير قانونية واضحة للترحيل، وتمكين المرحّلين من تسوية أوضاعهم المالية، والسماح بمراجعة قضائية أو قنصلية. الغموض الأمني قد يبدو مفيدًا في لحظة الحرب، لكنه يضرب الثقة طويلة المدى في بيئة العمل والاستثمار.
لدول الخليج: ينبغي الفصل بين الأمن المشروع وبين العقاب الهوياتي. إذا تحولت الهوية الشيعية إلى شبهة، فإن ذلك سيخلق بيئة خصبة للتوتر الطائفي والدعاية الإيرانية، ويضعف الاستقرار الداخلي بدل أن يحميه.
الخلاصة
وضع الشيعة في الإمارات، خصوصًا الشيعة الباكستانيين، دخل مرحلة حساسة بعد حرب إيران. المؤشرات المتاحة تدل على موجة ترحيلات واحتجازات واسعة نسبيًا، مع شهادات عن غياب الإجراءات القانونية العادلة وفقدان الممتلكات والمدخرات. الإمارات وباكستان تنفيان الطابع الطائفي أو تقللان منه، لكن حجم الشهادات وتزامنها مع الحرب، ووجود سوابق حقوقية منذ 2021، يجعل فرضية الاستهداف المذهبي ـ الأمني فرضية قوية تستحق التحقيق.
الأسباب لا تختصر في الطائفية وحدها، بل تتداخل فيها اعتبارات الأمن، والحرب على إيران، والتطبيع مع إسرائيل، والتنافس الإماراتي السعودي، وموقع باكستان بين إيران والخليج والهند. كما الحرب الإسرائيلية ضد إيران والتحالفات الناشئة حولها خلقت بيئة استراتيجية تدفع بعض دول الخليج إلى تضييق المجال على الشيعة بوصفهم امتدادًا محتملًا لإيران.
بذلك، فإن الخطر الحقيقي ليس فقط في عدد المرحّلين، بل في انتقال الخليج من إدارة التنوع المذهبي إلى أمننة الهوية الشيعية؛ أي تحويل المذهب من انتماء ديني إلى ملف اشتباه سياسي.