الرواتب مؤمّنة.. وهل الاقتصاد العراقي بخير؟
عباس الصباغ
2026-08-16 04:55
في بلد يعيش على بحيرات من البترول، ثالث احتياطي مؤكد في العالم، وعلى متون وفورات موارد اقتصادية كثيرة تُقدَّر بمئات المليارات من الدولارات، ما زال شعبه يعاني من نقص واضح في مستوى الخدمات ومناسيب العيش الكريم، ومن شظف العيش والفقر.
وما زالت فئات كثيرة من هذا الشعب تتظاهر وتعتصم من أجل شمولها بالتوظيف الحكومي، بعد أن توجهت جميع قرارات المسؤولين وأصحاب القرار إلى استيعاب القوى العاملة للشعب العراقي في القطاع العام، كمحاولة لاستيعاب غضب الشارع، الذي ما زال غاضبًا، بدلًا من التوجه إلى تفعيل القطاع الخاص ودعمه.
وهذه أول علامة تدلّ على أن الاقتصاد العراقي ليس بخير: توظيف جميع الشعب العراقي في القطاع العام وإهمال القطاع الخاص، وهو ما درجت عليه جميع الحكومات المتعاقبة والفاشلة التي تلت التغيير النيساني 2003، بالرغم من أن الحكومة الحالية، حكومة علي فالح الزيدي، رفعت شعار التخلص من المنهج الاشتراكي الذي سار عليه الاقتصاد العراقي لعقود طوال، وهو أحد أسباب الفشل الذريع الذي مُني به الاقتصاد العراقي ولحد الآن.
ولا داعي لإعادة التذكير بالأسلوب الريعي الغالب على الاقتصاد العراقي، مع عدم تأسيس صندوق سيادي لتأمين سد الثغرات المالية إن حدثت، كما يحصل حاليًا على خلفية غلق مضيق هرمز بسبب الصراع الدائر بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. يُضاف إلى ذلك الاعتماد المفرط على النفط في تسديد النفقات الحكومية، النفقات التشغيلية كالرواتب والإعانات فقط، حوالي 90 بالمائة من النفط، أما الموارد غير النفطية فالأرقام خجولة جدًا، وأما النفقات الاستثمارية فالعلم عند الله.
كما بقي هذا الاقتصاد ريعيًا بامتياز طيلة العقود السابقة، يُضاف إليها العقود العجاف، أكثر من عقدين ونيف، دون أن يتم تعظيم الموارد الاقتصادية الأخرى وتنويعها، كالزراعة والصناعة والسياحة، لتساهم في رفد الموازنات المالية العامة للدولة بميزانيات مساندة، بدلًا من تكرار القلق الذي يراود ملايين العراقيين الذين يعتاشون على الرواتب، وخاصة شريحة المتقاعدين وذوي الرعاية.
ويبدو أن هذا القلق سيستمر طالما بقيت الأزمات الجيوسياسية والسياسية والأمنية، وسوء التخطيط، والفشل المستمر في إدارة الملف الاقتصادي، وهو قلق كان يجب على صاحب القرار أن يجنّب الشعب العراقي هذا المصير.
ونظرًا للمعطيات الوارد ذكرها أعلاه، فإن الاقتصاد العراقي ليس بخير، حتى لو كانت الرواتب مؤمّنة لبضعة شهور؛ لأن سلامة الاقتصاد ليست بدفع الرواتب فقط، بل أكثر بكثير، فهو مستقبل بلد بأكمله، بعد أن أثار الحديث عن امتلاك العراق احتياطيات تصل إلى 109 تريليونات دينار، وقيل إنها تكفي لتغطية رواتب الموظفين لنحو عشرة أشهر، جدلًا اقتصاديًا بشأن طبيعة احتياطيات البنك المركزي وإمكانية استخدامها لمواجهة الضغوط المالية.