اليوم الدولي للعمل الخيري: 2.1 مليار متطوع شهرياً خارج الحسابات الاقتصاد
أوس ستار الغانمي
2026-09-05 05:26
في الخامس من أيلول من كل عام، يحتفي العالم باليوم الدولي للعمل الخيري، مناسبة أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة لتسليط الضوء على قيمة التضامن الإنساني وتشجيع الأفراد والمنظمات والمجتمعات على المشاركة في الأعمال الخيرية. ومع حلول المناسبة في عام 2026، تبدو الحاجة إلى إعادة قراءة مفهوم الخير أكثر إلحاحاً، بعدما اتسعت أشكال العطاء من التبرع التقليدي إلى التطوع والخدمة المجتمعية والتمكين واستخدام التكنولوجيا في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً.
مناسبة بدأت بقرار أممي
اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 67/105 في 17 كانون الأول/ديسمبر 2012، وأعلنت الخامس من أيلول يوماً دولياً للعمل الخيري، داعية إلى تعزيز التوعية العامة وتشجيع العمل الخيري على المستويات المحلية والوطنية والدولية. واختير التاريخ تزامناً مع ذكرى وفاة الأم تيريزا في الخامس من أيلول عام 1997، بوصفها إحدى الشخصيات التي ارتبط اسمها تاريخياً بخدمة الفقراء والمهمشين.
غير أن العمل الخيري في مفهومه المعاصر لم يعد محصوراً في تقديم المال أو المواد الغذائية؛ فالأمم المتحدة تصفه اليوم باعتباره قوة يمكن أن تدعم الابتكار الاجتماعي، وتساعد على خفض الفقر، وتعزز التنمية الشاملة، وهو تحول يضع العطاء أمام معيار جديد يتمثل في مقدار التغيير الذي يستطيع تحقيقه، لا حجم ما يُدفع فيه فقط.
مليارات الأشخاص يمارسون التطوع
تكشف أحدث بيانات منظمة العمل الدولية المنشورة في شباط/فبراير 2026 عن حجم هائل للعمل التطوعي عالمياً؛ إذ تقدر المنظمة أن نحو 2.1 مليار شخص في سن العمل يتطوعون شهرياً، بما يعادل 34.5 بالمئة من السكان في سن العمل. ويشير الرقم إلى أن العطاء بالوقت والجهد يمثل ممارسة اجتماعية واسعة، وليس نشاطاً محدوداً بمجموعة صغيرة من الناشطين أو المؤسسات.
وتلفت المنظمة إلى أن جزءاً مهماً من التطوع يجري بصورة مباشرة بين الأشخاص، بعيداً عن المؤسسات الرسمية، كالمساعدة التي يقدمها الفرد لجاره أو لأحد أفراد المجتمع. وهذا النوع من العطاء قد يكون واسعاً لكنه أقل ظهوراً في السجلات الرسمية، ما يعني أن حجم المشاركة الاجتماعية في مساعدة الآخرين أكبر من الصورة التي يمكن الحصول عليها من أعداد المنظمات والجمعيات وحدها.
ساعات التطوع
حين يقدم الطبيب جزءاً من وقته مجاناً، أو يخصص المدرس ساعات للتعليم، أو يعمل شاب في تنظيم حملة، فإن المجتمع يحصل على خدمات لها قيمة فعلية، حتى لو لم تدفع مقابلها أجور. ولهذا تطور منظمة العمل الدولية منهجيات لقياس العمل التطوعي وإظهار مساهمته الاجتماعية والاقتصادية، باعتباره نشاطاً يقدم سلعاً أو خدمات من دون مقابل مالي مباشر.
وفي الحالة العراقية، يمكن أن يقود هذا المفهوم إلى سؤال اقتصادي واجتماعي يستحق الدراسة: كم ساعة تطوع يقدمها العراقيون سنوياً؟ وما القيمة التقريبية لهذه الساعات لو قورنت بأجر العمل المماثل؟ لا يتعلق الأمر بتسعير فعل الخير، وإنما بإظهار مساهمة بشرية كبيرة تبقى عادة خارج الحسابات الاقتصادية التقليدية.
العراق مجتمع يمتلك خبرة في العطاء
في العراق، يتخذ العمل الخيري صوراً متعددة تمتد من المساعدة الفردية والعائلية إلى المواكب والفرق الشبابية والمنظمات غير الحكومية والحملات الصحية والتعليمية والإغاثية. ومع اتساع هذه الممارسات، ظهرت حاجة موازية إلى تنظيم العمل التطوعي بصورة تحفظ حقوق المشاركين وتحدد مسؤوليات الجهات المنظمة.
وفي هذا الاتجاه، ناقشت وزارة التخطيط العراقية في كانون الثاني/يناير 2026 مسودة قانون لتنظيم العمل التطوعي، مؤكدة أهمية وجود إطار قانوني يضمن حقوق المتطوعين والجهات المنظمة ويوفر بيئة واضحة تشجع المبادرات وتعزز مساهمتها في الإغاثة والتنمية ومواجهة الطوارئ.
ولا يعني التنظيم بالضرورة تقليص مساحة المبادرة الشعبية؛ فوجود قواعد واضحة يمكن أن يحمي المتطوع من الاستغلال، ويحدد مسؤوليات المؤسسات، ويوفر آليات أكثر وضوحاً للتدريب والسلامة والمساءلة، خصوصاً عندما ينتقل العمل التطوعي من مبادرة صغيرة إلى نشاط يشارك فيه عدد كبير من الأشخاص.
مؤسسة العين نموذج عراقي للرعاية الممتدة
وفي المشهد العراقي، تقدم مؤسسة العين للرعاية الاجتماعية نموذجاً يمكن من خلاله قراءة انتقال العمل الخيري من المساعدة المباشرة إلى منظومة رعاية أوسع. فقد انطلقت المؤسسة في 13 كانون الثاني/يناير 2006 لرعاية الأيتام الفقراء القاصرين وتأمين احتياجاتهم الحياتية المختلفة، وتعلن المؤسسة تسجيلها في دائرة المنظمات غير الحكومية وحصولها على صفة النفع العام.
وتعرض المؤسسة في بياناتها المنشورة أرقاماً تشمل 108,962 يتيماً محتضناً، و175,603 خدمات صحية، و7,839 حالة نفسية، و2,691 مستفيداً من ورش التدريب، و1,209 منازل، و1,515 متفوقاً، وهي مؤشرات توضح اتساع نطاق الرعاية ليشمل جوانب صحية ونفسية وتعليمية وسكنية وتدريبية، إلى جانب الكفالة والرعاية المباشرة.
وتتبنى المؤسسة كذلك مفهوم الصدقة الجارية من خلال إقامة مشاريع على عقارات وأراضٍ ومبانٍ يتبرع بها المحسنون، بهدف إنشاء إيرادات مستمرة تصرف على رعاية الأيتام. وفي شباط/فبراير 2026 أطلقت المؤسسة حملة «عينٌ جاريةٌ الثانية»، ورفعت هدفها إلى مليون ونصف المليون سهم خيري بما يتناسب مع حجم المشاريع التي تعتزم تنفيذها، مع تأكيدها أن الهدف هو استدامة موارد الدعم وتعظيم الأثر الإنساني.
وتكشف تجربة المؤسسة عن فكرة مهمة في العمل الخيري الحديث: يمكن للتبرع أن يتحول إلى مورد مستمر بدلاً من أن ينتهي أثره بانتهاء المساعدة الأولى. كما تشمل مشاريعها جوانب صحية وتدريبية وسكنية، ما يجعل الرعاية أقرب إلى بناء منظومة تحاول معالجة أكثر من جانب من حياة المستفيد.
وتقدم المؤسسة مثالاً آخر على إدارة التبرعات العينية؛ إذ توضح أن الأغذية والملابس والأجهزة وغيرها تدخل عبر مستندات مخزنية وتُثمّن ضمن المنظومة المالية، ثم توزع على الأيتام وعوائلهم وفق احتياجات مثبتة في استمارات المتابعة الميدانية. وتبرز هنا فكرة مهمة: التبرع العيني الأكثر فاعلية هو الذي يتطابق مع حاجة المستفيد، لا الذي يكتفي بكثرة المواد التي تصل إلى المؤسسة.
الأربعين الخدمة الجماعية بوصفها خبرة عراقية
وتظهر إحدى أكثر الصور اتساعاً للعمل المجتمعي في العراق خلال زيارة الأربعين، حيث تتوزع المواكب والفرق والمتطوعون على الطرق المؤدية إلى كربلاء لتقديم الطعام والماء والخدمات الطبية والإرشادية وغيرها. وتناولت وكالة الأنباء العراقية في تقرير لها الزيارة بوصفها نموذجاً للتكافل الاجتماعي، مع الإشارة إلى أن الخدمات تقدم للزائرين بصورة واسعة ومجانية عبر شبكة من المواكب والمتطوعين.
وفي 30 تموز/يوليو 2026، أشارت وكالة الأنباء العراقية إلى مشاركة الآلاف من المتطوعين والمتطوعات في تقديم الخدمات الطبية والإرشادية والترجمة للزائرين خلال زيارة الأربعين، ما يضيف إلى التجربة بعداً تنظيمياً يتجاوز تقديم الطعام والشراب إلى خدمات تخصصية تحتاج إلى مهارات وتوزيع أدوار.
وهنا يمكن قراءة التجربة من زاوية تتجاوز المناسبة نفسها: كيف يتحول آلاف الأفراد إلى شبكة خدمات؟ وكيف تُدار المناوبات والإمدادات والمسارات والحالات الطبية؟ وكيف يمكن الاحتفاظ بالخبرات المتراكمة من عام إلى آخر؟ إن توثيق هذه المعرفة قد يمنح العراق فرصة للاستفادة منها في إدارة التجمعات الكبرى والاستجابة المجتمعية للطوارئ.
عدالة التبرع
عندما تتسع الاحتياجات وتبقى الموارد محدودة، تظهر قضية أخرى من يقرر أين يذهب الخير؟ فقد تحصل حالة على دعم واسع لأنها أكثر ظهوراً على منصات التواصل، بينما تبقى أسرة أو منطقة تعاني بصمت بعيداً عن الضوء.
لهذا تحتاج المؤسسات إلى معايير واضحة لتحديد الأولويات، تستند إلى شدة الحاجة ومدى الاستعجال وعدد المتأثرين، بدلاً من الاعتماد على قوة القصة أو انتشارها. وتنسجم هذه الفكرة مع الاتجاه الدولي نحو جعل العمل الخيري أكثر استراتيجية وارتباطاً بالتنمية، كما تؤكد الأمم المتحدة في تناولها الحديث للعمل الخيري.
ليس كل ما يحتاجه الإنسان مالاً
قد يحتاج شخص إلى الغذاء، بينما يحتاج آخر إلى علاج، وثالث إلى تعليم، ورابع إلى تدريب مهني، وخامس إلى فرصة عمل. ولذلك فإن المبادرة التي تبدأ من سؤال «ماذا نستطيع أن نعطي؟» قد تكون أقل دقة من المبادرة التي تبدأ بسؤال «ماذا يحتاج الناس؟».
وتظهر تجربة مؤسسة العين في هذا السياق بوصفها مثالاً على تنويع الخدمات بين الصحة والدعم النفسي والتدريب والسكن والتعليم، بما يشير إلى أن الرعاية الاجتماعية يمكن أن تتجاوز تقديم المساعدة المالية المباشرة.
حين لا تكفي النية الطيبة
يمكن للمبادرة أن تنطلق من نية إنسانية صادقة، لكنها لا تحقق أفضل نتيجة إذا لم تدرس الاحتياج أو تكرر خدمات موجودة في مكان معين وتترك منطقة أخرى من دون دعم. لذلك أصبح التنسيق بين المؤسسات، وجمع المعلومات، ومراجعة النتائج، عناصر أساسية في تحسين العمل الإنساني.
ولا يعني ذلك تأخير الإغاثة العاجلة؛ ففي الأزمات تكون السرعة ضرورية، لكن المرحلة التالية تحتاج إلى تقييم ما حدث وتحديد ما بقي من الاحتياجات، حتى لا تبقى المبادرة أسيرة الاستجابة المؤقتة.
من الإغاثة إلى التمكين
المساعدة العاجلة تنقذ الإنسان من ظرف طارئ، أما التمكين فيحاول منحه قدرة أكبر على مواجهة المستقبل. وقد يجتمع المساران في مشروع واحد: غذاء اليوم مع تدريب الغد، أو علاج المرض مع تأهيل الأسرة، أو دعم الطالب مع توفير فرصة تعليمية مستمرة.
وتظهر أهمية هذا الانتقال عندما تصبح الموارد الخيرية جزءاً من مشاريع طويلة الأمد، مثل مشاريع الصدقة الجارية التي تعتمدها مؤسسة العين لتوفير إيرادات مستمرة لدعم خدماتها.
التبرع الصغير
لا ينبغي قياس قيمة العطاء بحجم التبرع الفردي فقط؛ فالمساهمات الصغيرة تصبح ذات وزن عندما تتكرر ويشارك فيها عدد كبير من الناس. وهذا المعنى ينسجم مع اتساع قاعدة التطوع عالمياً، التي قدرتها منظمة العمل الدولية بمليارات الأشخاص شهرياً.
وفي العراق، يمكن لهذه الثقافة أن تجعل العمل الخيري أكثر انتشاراً بين مختلف الفئات، بحيث لا يبقى مرتبطاً بالمانحين الكبار، وإنما يصبح مشاركة اجتماعية يستطيع فيها الفرد أن يقدم المال أو الوقت أو المعرفة أو الجهد بحسب قدرته.
الذكاء الاصطناعي يدخل مساحة الخير
يتيح الذكاء الاصطناعي إمكانات جديدة في تحليل البيانات، واكتشاف الأنماط، ودعم اتخاذ القرار، ويمكن أن يساعد المؤسسات الإنسانية في فهم الاحتياجات وتوزيع الموارد بصورة أكثر كفاءة. وتؤكد الأمم المتحدة أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصاً لدعم التنمية والاستجابة للأزمات، مع ضرورة التعامل مع مخاطره وحوكمته.
لكن الخوارزمية لا ينبغي أن تصبح بديلاً عن الحكم البشري في القضايا الحساسة. فالمعلومات التي تعتمد عليها الأنظمة قد تكون ناقصة أو غير ممثلة لكل الفئات، ولذلك تبقى الرقابة البشرية والشفافية وحماية الخصوصية ضرورية عند استخدام التكنولوجيا في تحديد الاحتياجات أو توزيع المواردز
عندما تصبح صورة المحتاج ثمناً للمساعدة
التوثيق الإعلامي قد يساعد المؤسسات على إظهار نتائج عملها، لكنه يطرح في الوقت نفسه سؤالاً أخلاقياً يتعلق بخصوصية المستفيد. فالفقر والحاجة لا يعنيان فقدان الإنسان حقه في الخصوصية، ولا ينبغي أن تتحول صور الأطفال أو الأسر المحتاجة إلى وسيلة للحصول على التبرعات.
لذلك يمكن أن يكون احترام الكرامة معياراً مستقلاً لتقييم المبادرة، إلى جانب عدد المستفيدين وحجم الأموال التي جُمعت؛ فالشفافية مهمة، لكن يمكن تحقيقها بوسائل تحمي هوية المستفيد عندما لا تكون الصورة ضرورية.
العمل الخيري والبيئة وجه آخر للعطاء
يمكن أن ينتج العمل الخيري أثراً بيئياً غير مقصود، خصوصاً في الفعاليات والتجمعات الكبرى التي تعتمد على توزيع الطعام والمياه والمواد المغلفة. فكل عملية توزيع تحمل معها أسئلة عن العبوات، والنفايات، والطعام الفائض، والنقل، والطاقة.
وهذا يفتح باباً أمام مفهوم «العطاء الأخضر»: كيف يمكن تقديم الخدمة مع تقليل النفايات واستخدام مواد قابلة لإعادة الاستخدام أو التدوير، وتحسين إدارة الطعام والمياه؟
وتصبح المسألة أكثر أهمية في العراق مع التحديات البيئية المتصلة بالنفايات وشح الموارد؛ إذ أكدت وزارة التخطيط في آذار/مارس 2026 أن ترشيد استهلاك المياه والحفاظ عليها أصبحا ضرورة وطنية في ظل شح الموارد المائية.
المتطوع يحتاج إلى حماية أيضاً
عندما يعمل المتطوع في تجمعات كبيرة أو ظروف طارئة، يصبح التدريب والسلامة وتوزيع المهام جزءاً من نجاح المبادرة. فالحماس وحده لا يكفي في الأعمال التي تتطلب معرفة بالإسعاف أو إدارة الحشود أو التواصل مع الحالات الخاصة.
ومن هنا تأتي أهمية الإطار الذي تعمل وزارة التخطيط العراقية على تطويره لتنظيم العمل التطوعي؛ إذ أشارت الوزارة إلى أن الهدف يتضمن ضمان حقوق المتطوعين والجهات المنظمة وإيجاد بيئة قانونية واضحة تشجع المبادرات.
المرأة في مساحة العطاء
لا يظهر كل العمل الخيري في الفعاليات العامة؛ فجزء مهم من الرعاية الاجتماعية يحدث داخل المنازل والمجتمعات المحلية، ويشمل أعمالاً تطوعية ورعائية لا تحصل دائماً على التقدير أو القياس نفسه الذي تحصل عليه المبادرات المنظمة.
وتؤكد الحاجة إلى قياس هذه الأعمال أهمية توسيع مفهوم التطوع ليشمل أنماط المساعدة المباشرة والعمل المجتمعي غير الرسمي، وهو ما تعمل منظمة العمل الدولية على إدخاله في الإحصاءات الحديثة للعمل التطوعي.
جغرافية الحاجة.. أين يذهب الخير؟
لا تتوزع الاحتياجات بالدرجة نفسها بين المدن والأرياف والمناطق النائية. وقد تكون الحاجة إلى خدمة صحية أو تعليمية أو فرصة عمل أكثر إلحاحاً في منطقة لا تمتلك حضوراً إعلامياً قوياً.
ومن هنا تبرز قيمة البيانات المحلية؛ فالمؤسسة التي تعرف أين تتركز الحاجة تستطيع توجيه مواردها بصورة أدق، بدلاً من تركيز المساعدات في الأماكن التي تصل إليها القصص بسهولة أكبر.
ماذا يبقى بعد انتهاء الحملة؟
قد تكون الحملة ناجحة في جمع الأموال أو توزيع المساعدات، لكن الاختبار الأبعد يبدأ بعد انتهاء الحدث. هل بقيت خدمة؟ هل تغير وضع الأسرة؟ هل حصل طفل على فرصة تعليمية؟ هل اكتسب شاب مهارة؟ هل أصبح المشروع قادراً على الاستمرار؟
وتقدم مشاريع الصدقة الجارية نموذجاً لهذا التفكير؛ إذ تقوم الفكرة على إنشاء موارد مستمرة بدلاً من الاعتماد على التبرع الآني وحده، وهو ما تسعى مؤسسة العين إلى تطبيقه في عدد من مشاريعها.
«مؤشر العطاء».. سبعة أسئلة قبل إعلان النجاح
يمكن للمؤسسات الخيرية والتطوعية تطوير مقياس مبسط لأي مبادرة من خلال سبعة أسئلة: هل وصلت المساعدة إلى الحاجة الحقيقية؟ هل وزعت الموارد بعدالة؟ هل حُفظت كرامة المستفيد؟ هل كانت أوجه الإنفاق واضحة؟ هل أحدثت المبادرة تغييراً قابلاً للقياس؟ هل استمرت فائدتها بعد انتهاء الحملة؟ وهل شارك المجتمع في تحديد الحل؟
هذا النوع من القياس لا يحول العمل الإنساني إلى أرقام جامدة، وإنما يساعد على معرفة ما الذي نجح وما الذي يحتاج إلى تعديل، ويجعل المتبرع شريكاً أكثر وعياً في صناعة الأثر.
من كثرة المبادرات إلى جودة المبادرات
التحدي القادم أمام العمل الخيري العراقي قد لا يكون في زيادة عدد المبادرات فقط، وإنما في رفع جودة ما هو موجود. فالتنسيق بين المؤسسات، وتبادل البيانات والخبرات، وتقييم النتائج، وتدريب المتطوعين، واستخدام التكنولوجيا بصورة مسؤولة، يمكن أن يحول الطاقة الاجتماعية الكبيرة إلى منظومة أكثر كفاءة.
وتشير وزارة التخطيط العراقية في حديثها عن تنظيم التطوع إلى أهمية تعزيز الشراكة بين الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني، بما يجعل العمل التطوعي جزءاً من مسار التنمية وليس نشاطاً منفصلاً عنها.
الخير الذي لا يحتاج إلى كاميرا
قد يكون بعض أكثر أشكال العطاء أثراً بعيداً عن الصورة: شخص يقدم وقته، طبيب يعالج، معلم يعلّم، شاب يساعد في تنظيم خدمة، أو متبرع يساهم بمبلغ صغير من دون أن يعرفه أحد. فالتوثيق يمكن أن يخدم الشفافية، لكنه لا ينبغي أن يصبح معياراً لقيمة العمل.
والأهم أن المستفيد لا يفقد كرامته عندما يطلب المساعدة؛ لذلك يبقى احترام الإنسان جزءاً من جودة الخير، تماماً كما تبقى الشفافية جزءاً من مسؤولية الجهة التي تتلقى التبرعات.
الخامس من أيلول.. سؤال يتجاوز التبرع
يأتي اليوم الدولي للعمل الخيري في عالم تتسع فيه الاحتياجات وتتطور فيه أدوات العطاء. وبين التبرع المباشر والتطوع والصدقة الجارية والتكنولوجيا والمبادرات المجتمعية، تتشكل صورة جديدة للعمل الخيري لا تقيس الخير بما يدخل صندوق التبرعات فقط، وإنما بما يخرج منه إلى حياة الناس من فرص وخدمات وقدرة على الاستمرار.
وفي العراق، حيث يمتلك المجتمع خبرة واسعة في التكافل والخدمة، يمكن أن يكون التحدي المقبل هو تحويل هذه الطاقة إلى معرفة مؤسسية قابلة للقياس والتطوير، والاستفادة من التجارب المحلية مثل مؤسسة العين وتجارب الخدمة المجتمعية الواسعة في زيارة الأربعين، مع إدخال أدوات التنظيم والبيانات والتكنولوجيا.
فالسؤال الذي يستحق أن يرافق الخامس من أيلول ليس كم أعطينا؟ فقط، وإنما: لمن أعطينا؟ ولماذا؟ وكيف؟ وماذا تغير بعد ذلك؟
عندما يصبح العطاء أكثر عدالة وشفافية، ويحفظ كرامة المستفيد، ويراعي البيئة، ويحمي المتطوع، ويستثمر التكنولوجيا من دون أن يسلم القرار الإنساني للخوارزمية، ويتجه نحو بناء القدرة على الاستمرار، عندها يتحول العمل الخيري من استجابة مؤقتة إلى قوة اجتماعية تصنع أثراً يبقى بعد انتهاء الحملة وانطفاء الكاميرات ومرور المناسبة.