البصير في مجتمع أعمى!

هل يُمْكِنُ لِلْإِنْسان أَنْ يَكُونَ سَوِيًّا فِي مُجْتَمَعٍ مَرِيض؟

د. علي أسعد وطفة

2026-05-26 04:44

"لا توجد حياة صحيحة داخل حياة زائفة." تيودور أدورنو

1- مقدمةٌ في الأَعْمَى والبَصيرِ:

منذُ القِدَمِ ركَّزتِ الآدابُ والفلسفاتُ على الطابعِ الاستبداديِّ للعاداتِ والتقاليدِ والنُّظُمِ الاجتماعيَّةِ التي تقمعُ النَّزعاتِ الفرديَّةَ والنقديَّةَ بوصفِها تُشكِّلُ تهديدًا للنظامِ الاجتماعيِّ. وما تزالُ وضعيَّاتُ القمعِ قائمةً منذُ القِدَمِ حتَّى اليومِ، وتأخذُ هذه الوضعيَّاتُ أشكالًا متعدِّدةً وآليَّاتِ اشتغالٍ متنوِّعةً، ففي الأيَّامِ الغابرةِ كانَ القمعُ للنَّزعاتِ الفرديَّةِ والنقديَّةِ عنيفًا قاسيًا ساحقًا، وعلى خلافِ القمعِ الصُّلبِ في الماضي نجدُ في الحصارِ قمعًا ناعمًا سلسًا خفيًّا يُدمِّرُ النُّفوسَ والعقولَ من الداخلِ دونَ أن يشعرَ صاحبُه بما يُصابُ به من أدواءٍ مدمِّرةٍ للعقلِ والإنسانِ، فالإنسانُ اليومَ يتمُّ ضبطُه وتعييرُ سلوكِه وهندسةُ تفكيرِه بطرائقَ مبتكرةٍ تعتمدُ غسلَ الأدمغةِ وتطهيرَ العقلِ من القدرةِ على الإبصارِ والاستبصارِ والنقدِ.

ومن أقدمِ ما وصلَنا من صورِ القمعِ الاجتماعيِّ للفردِ المختلفِ أو للمفكِّرِ الناقدِ ما جاءَ في وصيَّةِ الملكِ الفرعونيِّ (خيتي) لابنِه (مريكارع) حوالي (2000ق.م)، التي تقولُ: «يا بُنَيَّ، إذا وجدتَ في المدينةِ رجلًا خطِرًا يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ ومثيرًا للاضطرابِ، فاقتُلْه وامحقْه واسحقْه، ولا تتركْ له أثرًا، وامحُ اسمَه، وأزِلْ جنسَه وذِكراه وأنصارَه، فرجلٌ يتكلَّمُ أكثرَ من اللازمِ خطرٌ على المدينةِ»(1). وهذا مثالٌ واضحٌ للقمعِ الرهيبِ لكلِّ مظاهرِ الاختلافِ والفردانيَّةِ في المجتمعاتِ القديمةِ. وفي الفلسفةِ تُقدِّمُ لنا أسطورةُ الكهفِ لأفلاطونَ مثالًا حيًّا على رفضِ المجتمعِ لكلِّ من لا يتجانسُ معه في رؤيتِه وعاداتِه وتقاليدِه، فالرجلُ الحكيمُ الذي حطَّمَ قيودَه وخرجَ إلى عالمِ النورِ وجدَ نفسَه منبوذًا مرفوضًا من قِبَلِ أصحابِ الكهفِ الرافلينَ في قيودِهم وأصفادِهم الفكريَّةِ المظلمةِ. وعلى هذه الصورةِ حكمتْ أثينا على حكيمِها الأكبرِ سقراطَ بالإعدامِ؛ لأنَّه خالفَ أعرافَهم وتقاليدَهم المظلمةَ(2).

وفي الأدبِ الحديثِ تُطالِعُنا، في مجالِ الدلالةِ على كونيَّةِ الامتثالِ في المجتمعاتِ، قصَّةُ «بلد العميان» لمؤلِّفِها هربرت جورج ويلز (Herbert George Wells)(3)، التي نُشِرتْ للمرَّةِ الأولى عامَ 1904، في لحظةٍ تاريخيَّةٍ كانَ فيها الغربُ يعيشُ ذروةَ الثقةِ بالعلمِ والعقلِ والتقدُّمِ الإمبرياليِّ، وقد جاءتِ القصَّةُ نقدًا معقَّدًا لفكرةِ «التفوُّقِ» نفسِها. تتحدَّثُ القصَّةُ عن «مَرَضٍ غريبٍ يَجتاحُ سُكَّانَ وَادٍ مَعزولٍ بَيْنَ الجِبالِ، يَتسبَّبُ في فِقدانِ الناسِ أبصارَهُم شَيئًا فشَيئًا، ويُورثُه كلُّ جِيلٍ للجِيلِ الذي يَلِيه، إلى أنْ يأتيَ عليهم زَمنٌ لا يَكونُ فِيهِ مُبصِرٌ واحِدٌ، وتُصبحُ كلمةُ «الإبصارِ»، وكلُّ ما يَتعلَّقُ بها مِن كلماتٍ تَصِفُ ما تَرَاه العَيْنُ، بَعِيدةً تَمامَ البُعدِ عَن قاموسِ هؤلاءِ الناسِ، ولا يَعرِفونَ لها أيَّ مَعنًى، بَلْ أيضًا يُصبِحُ وادِيهِمُ البَعيدُ عَن عالَمِ البَشرِ هو الكَونَ بأَسْرِه بالنِّسبةِ إليهم، ولا شيءَ سِواهُ. وذاتَ يَومٍ تُلقِي الأقدارُ بأحدِ الغُرَباءِ المُبصِرينَ إلى بَلدِ العُمْيانِ، فماذا تُراهُ يَفعَلُ؟ وماذا تُراهُم يَفعَلونَ به؟ وهلْ تَصدُقُ في حقِّه المَقولةُ القَدِيمةُ: «في بلدِ العُمْيانِ يَكونُ الأَعْورُ مَلِكًا»؟(4).

2- حكاية بلد العميان:

تبدأُ القصَّةُ بسقوطِ متسلِّقٍ جبليٍّ اسمُه نونيز (Nuñez) في وادٍ معزولٍ يعيشُ فيه مجتمعٌ قرويٌّ فقدَ فيه الأفرادُ بصرَهم على أجيالٍ طويلةٍ، وقد أثَّرَ هذا العمى في اختفاءٍ مخيفٍ لكلِّ المعاني التي تنطوي عليها نعمةُ «الرؤيةِ» أو الإبصارِ. ويكتشفُ نونيزُ تدريجيًّا أنَّ امتلاكَه للبصرِ لا يمنحُه أيَّ تميُّزٍ أو سلطةٍ، بل يجعلُه غريبًا شاذًّا ومختلًّا في نظرِ المجتمعِ، ويكتشفُ أيضًا أنَّ الرجلَ الأعورَ في مجتمعٍ أعمى لا يُصبحُ ملكًا، بل يتحوَّلُ إلى شخصٍ غيرِ مفهومٍ ومهدَّدٍ بالنَّبذِ. ويتضمَّنُ هذا النصُّ تصوُّرًا سوسيولوجيًّا عميقًا في دلالتِه ومعناهُ، وهو أنَّ «الطبيعيَّ» ليس حقيقةً مطلقةً، بل هو بالأحرى بناءٌ اجتماعيٌّ. فالعميانُ يُقيمونَ أنفسَهم على أنَّهم كائناتٌ طبيعيَّةٌ سويَّةٌ خلَّاقةٌ، وعلى خلافِ ذلك يعتقدونَ أنَّ نونيزَ البصيرَ مخلوقٌ مشوَّهٌ أو مسخٌ شيطانيٌّ بعينينِ غريبتينِ لامعتينِ؛ لأنَّ عينيهِ المتحرِّكتينِ تبدوانِ لهم علامةَ مرضٍ واضطرابٍ عقليٍّ. وعلى هذه الصورةِ المعكوسةِ لمعنى الحقيقةِ والصوابِ والسويَّةِ يتَّضحُ أنَّ المجتمعَ هو الذي يُحدِّدُ لنا ما هو «السويُّ» وما هو «المنحرفُ»، وهذا يعني أنَّ الحقيقةَ، كما يرى ويلز، ليست منفصلةً عن الجماعةِ التي تُنتجُها.

3- دلالة الحكاية:

تدور القصة حول تساؤل مركزي قوامه: هل يمكن للإنسان أن يكون بصيرا في مجتمع أعمى؟ ومن الواضحِ أنَّ القصَّةَ تُمثِّلُ نقدًا عنيفًا للخضوعِ والامتثالِ الاجتماعيِّ (Social Conformity). فالعميانُ لا يرفضونَ نونيزَ لأنَّه همجيٌّ أو مسخٌ شريرٌ، بل يرفضونَه لأنَّه يختلفُ عنهم، وهذا الاختلافُ المريبُ العجيبُ قد يُهدِّدُ عالمَهم المغلقَ بما ينطوي عليه من قيمٍ وتقاليدَ. وهم، في الوقتِ نفسِه، لا يستطيعونَ تخيُّلَ معنى الإبصارِ أو الرؤيةِ أصلًا، بكلِّ ما ينطوي عليه معنى الإبصارِ من دلالاتٍ ومعانٍ وصورٍ وقيمٍ، وعلى هذا النحوِ يتحوَّلُ كلُّ خطابٍ يُقدِّمُه الغريبُ المبصرُ «نونيز» عن الضوءِ والسماءِ والنجومِ والجداولِ وضوءِ القمرِ والليلِ والنهارِ والزهورِ إلى نوعٍ من الهذيانِ الجنونيِّ. وهكذا، وكما تقولُ زوجةُ الطبيبِ (بطلةُ روايةِ «العمى» لخوسيه ساراماغو)، التي تصفُ فيها مجموعةَ العميانِ التي تنتمي إليها: «لقد أصبحنا بعيدينَ عن العالمِ إلى حدٍّ أنَّنا بعدَ أيَّامٍ لن نعودَ نعرفُ مَن نكونُ، ولن نتذكَّرَ حتَّى أسماءَنا. ثمَّ ما جدوى الأسماءِ أصلًا؟ لا أحدَ يعرفُ أحدًا آخرَ من خلالِ الاسمِ الذي مُنِحَ له، فالكلبُ يُعرَفُ برائحتِه، وهكذا يتعرَّفُ إلى الآخرينَ. ونحنُ هنا مثلُ سلالةٍ أخرى من الكلابِ؛ نعرفُ نباحَ بعضِنا أو أصواتَنا، أمَّا البقيَّةُ، ملامحُ الوجهِ أو لونُ العينينِ أو الشعرِ، فلا أهميَّةَ لها، كأنَّها غيرُ موجودةٍ أصلًا» (5). ويُظهرُ ساراماغو في قصَّتِه هذه أنَّ القشرةَ الحضاريَّةَ التي تُغطِّي الإنسانَ رقيقةٌ للغايةِ؛ إذ يكفي انهيارُ النظامِ الاجتماعيِّ حتَّى تظهرَ النزعاتُ البدائيَّةُ المكبوتةُ. ولهذا فإنَّ الروايةَ لا تتحدَّثُ عن العمى بوصفِه كارثةً صحِّيَّةً فحسبُ، بل بوصفِه اختبارًا أخلاقيًّا يكشفُ حقيقةَ الطبيعةِ البشريَّةِ.

هنا تُصبحُ قصَّةُ «بلد العميان» تأمُّلًا مرعبًا في مصيرِ الفردِ المختلفِ داخلَ المجتمعِ المغلقِ؛ فالمجتمعُ لا يقمعُ المختلفَ بالعنفِ المباشرِ فقط، بل عبرَ تحويلِ اختلافِه إلى «مرضٍ». وفي مستوى أعمقَ، تُمثِّلُ القصَّةُ صراعًا فلسفيًّا بين الإدراكِ الحسِّيِّ والحقيقةِ الاجتماعيَّةِ. فنونيزُ «يرى» العالمَ فعليًّا، لكنَّه عاجزٌ عن إقناعِ الآخرينَ بما يراهُ. والحقيقةُ هنا لا تكفي وحدَها؛ إذ لا قيمةَ للحقيقةِ إذا لم تكنْ قابلةً للاعترافِ الاجتماعيِّ. ولذلك تبدو القصَّةُ قريبةً من فكرةِ «كهفِ أفلاطونَ»؛ فالمشكلةُ ليست في غيابِ الحقيقةِ، بل في استحالةِ إيصالِها إلى مَن يعيشُ داخلَ نظامٍ إدراكيٍّ مغلقٍ. وفي النهايةِ فإنَّ القصَّةَ لا تقولُ لنا إنَّ العميانَ أفضلُ من المبصرينَ، بل تقولُ إنَّ كلَّ جماعةٍ يمكنُ أن تتحوَّلَ إلى نظامٍ مغلقٍ يعجزُ عن رؤيةِ حدودِه الخاصَّةِ. ولذلك يُصبحُ العمى في النصِّ متبادلًا: العميانُ لا يرونَ الضوءَ، لكنَّ نونيزَ أيضًا لا يرى محدوديَّةَ نظرتِه الاستعلائيَّةِ.

وتصلُ القصَّةُ إلى أعمقِ حبكةٍ فيها، إذ يُطلبُ من نونيزَ أن يقتلعَ عينَيْه كي يُصبحَ «طبيعيًّا» وقابلًا للاندماجِ والزواجِ في المجتمعِ الأعمى. هنا تتحوَّلُ القصَّةُ إلى نقدٍ صريحٍ لآليَّاتِ التطبيعِ الاجتماعيِّ؛ فالمجتمعُ لا يطلبُ من الفردِ فقط أن يُطيعَ ويخضعَ ويستسلمَ، بل يطلبُ منه أن يتخلَّى عن جوهرِ اختلافِه، وعن ذاتِه، وعن إيمانِه، وعن الحقيقةِ التي يؤمنُ بها كي يُقبَلَ اجتماعيًّا. ولذلك فإنَّ العينينِ في النصِّ ليستا عضوينِ بيولوجيَّينِ فقط، بل رمزًا للوعيِ والحرِّيَّةِ والقدرةِ على رؤيةِ ما لا يراهُ الآخرونَ.

وفي النهايةِ يفرُّ نونيزُ إلى الجبالِ ويختارُ العزلةَ والألمَ بدلًا من فقدانِ بصيرتِه. وهذه النهايةُ تفتحُ سؤالًا فلسفيًّا عميقًا، وهو: هل يستطيعُ الإنسانُ أن يعيشَ بشكلٍ طبيعيٍّ في مجتمعٍ يرفضُ تفرُّدَه ويطلبُ منه التخلِّيَ عن وعيِه الخاصِّ أو عن هويَّتِه الداخليَّةِ كي يحظى بالقبولِ والمواطنةِ؟ ومن زاويةٍ نقديَّةٍ معاصرةٍ، يمكنُ اعتبارُ القصَّةِ استباقًا مبكِّرًا لنقدِ «الأنظمةِ المغلقةِ» و«الوعيِ الجمعيِّ المهيمنِ» في المجتمعاتِ الرأسماليَّةِ المعاصرةِ. فالقصَّةُ برمَّتِها لا تتحدَّثُ عن العمى الفيزيائيِّ، بل عن العمى الأيديولوجيِّ الذي يتمثَّلُ في غيابِ الوعيِ النقديِّ، وعمى المجتمعِ الذي يُحوِّلُ المختلفَ إلى مريضٍ. ولهذا بقيتِ القصَّةُ حيَّةً حتَّى اليومِ؛ لأنَّها تصلحُ لقراءةِ المجتمعاتِ الشموليَّةِ، والثقافاتِ المنغلقةِ، وحتَّى المؤسَّساتِ التي تُعاقبُ كلَّ مَن يرى العالمَ بطريقةٍ مختلفةٍ. وعلى هذا النحوِ تتحطَّمُ العبارةُ الشهيرةُ التي تقولُ: «في بلادِ العميانِ يكونُ الأعورُ ملكًا»، فالأعورُ لا يُصبحُ ملكًا، بل يُصبحُ منفيًّا. وهذه المفارقةُ هي قلبُ القصَّةِ الحقيقيُّ: ليس الاختلافُ مصدرَ قوَّةٍ دائمًا، بل قد يتحوَّلُ إلى لعنةٍ حين يعيشُ الإنسانُ داخلَ مجتمعٍ لا يملكُ اللغةَ اللازمةَ لفهمِه.

وهنا يمكنُ قراءةُ قصَّةِ «بلد العميان» بوصفِها تجسيدًا عميقًا لفكرةِ أدورنو القائلةِ إنَّ «الإنسانَ السويَّ لا يستطيعُ أن يكونَ سويًّا في مجتمعٍ مريضٍ». وهذه المقولةُ تُعبِّرُ عن فلسفتِه النقديَّةِ في النظرِ إلى المجتمعِ الحديثِ بوصفِه مجتمعًا يُنتجُ الاغترابَ والتشيُّؤَ والقمعَ، حتَّى يبدوَ المريضُ ذاتُه وكأنَّه هو الصحيحُ والسليمُ والمعافى. وفي هذا المعنى يظهرُ «نونيز» مبدئيًّا على أنَّه إنسانٌ سويٌّ، فمبصرٌ في مجتمعٍ فقدَ القدرةَ على الرؤيةِ والإبصارِ منذُ أجيالٍ. وهنا تكمنُ المفارقةُ الأدورنيَّةُ الكبرى التي تقولُ إنَّ المجتمعَ لا يعترفُ إلَّا بما يتناسبُ مع الطابعِ الإيديولوجيِّ السائدِ فيه. وهنا نجدُ تعبيرًا عن هذه القصَّةِ: فالعميانُ لا يرونَ في البصرِ قدرةً طبيعيَّةً، بل يرونَها اضطرابًا عضويًّا وعقليًّا. وهنا يتحقَّقُ أحدُ أهمِّ تحليلاتِ أدورنو: فالمجتمعُ المريضُ يُعيدُ تعريفَ المرضِ بوصفِه صحَّةً، ويُعيدُ تعريفَ الصحَّةِ بوصفِها انحرافًا.

ومن هنا تُصبحُ قصَّةُ «بلد العميان» استعارةً رمزيَّةً عن المجتمعِ الشموليِّ أو المجتمعِ المؤدلَجِ الذي يفقدُ القدرةَ على رؤيةِ تناقضاتِه الداخليَّةِ. فالعميانُ يعيشونَ داخلَ نسقٍ مغلقٍ مكتفٍ بذاتِه، وقد حذفوا من لغتِهم ذاتِها مفهومَ «الإبصارِ». إنَّهم يُشبهونَ — بلغةِ النظريَّةِ النقديَّةِ — مجتمعًا نجحتِ الأيديولوجيا فيه إلى درجةٍ أنَّ الناسَ لم يعودوا قادرينَ حتَّى على تخيُّلِ بديلٍ آخرَ للحقيقةِ.

وهنا نجدُ أنَّ نونيزَ المبصرَ العارفَ لا يتحوَّلُ إلى قائدٍ أو شخصيَّةٍ مهمَّةٍ في مجتمعِ العميانِ، بل يغدو مريضًا بالإبصارِ والمعرفةِ، وهو بذلك يتجاوزُ حدودَ المسموحِ به في مجتمعٍ لا يرى بعقلِه أو بعينَيْه. وهنا، في هذه النقطةِ، تكمنُ جذورُ رؤيةِ أدورنو للمجتمعِ السويِّ؛ إذ كانَ يرى أنَّ المجتمعَ الحديثَ يرفضُ الوعيَ النقديَّ ويُعاقبُ أصحابَه. فالفردُ الذي يرى التناقضاتِ، أو يرفضُ الامتثالَ، أو يحتفظُ بحساسيَّتِه الإنسانيَّةِ، يتحوَّلُ إلى شخصٍ غيرِ متكيِّفٍ مع النظامِ. ولذلك تُصبحُ «السويَّةُ» نفسُها مأساةً؛ لأنَّ الإنسانَ الأكثرَ وعيًا هو الأكثرُ اغترابًا.

وفي اللحظةِ التي يُطالبُ فيها العميانُ بقلعِ عينَيْ نونيزَ «المريضتينِ» كي يُصبحَ «طبيعيًّا»، تبلغُ القصَّةُ ذروتَها النقديَّةَ. هنا لا يطلبُ المجتمعُ من الفردِ أن يُطيعَ فقط، بل أن يتخلَّى عن شرطِ وعيِه نفسِه. والعينانِ تتحوَّلانِ إلى رمزٍ للوعيِ النقديِّ، والاقتلاعُ يُصبحُ رمزًا للتطبيعِ الاجتماعيِّ القسريِّ. إنَّ المجتمعَ المريضَ لا يكتفي برفضِ المختلفِ، بل يسعى إلى إعادةِ تشكيلِه حتَّى يُصبحَ نسخةً من الجماعةِ.

ومن منظورِ أدورنو، فإنَّ هذه اللحظةَ تُعبِّرُ عن آليَّةِ «التكيُّفِ» التي تُنتجُها المجتمعاتُ الحديثةُ؛ حيثُ يُجبَرُ الإنسانُ على التضحيةِ بفرديَّتِه ووعيِه كي يتمكَّنَ من الاندماجِ الاجتماعيِّ. ولهذا تبدو مأساةُ نونيزَ شبيهةً بمأساةِ المثقَّفِ النقديِّ أو الإنسانِ الحرِّ داخلَ نظامٍ لا يحتملُ الرؤيةَ المختلفةَ.

كما يمكنُ القولُ إنَّ العمى في القصَّةِ ليس عمًى بصريًّا فقط، بل «عمًى اجتماعيًّا». فالمجتمعُ كلُّه متصالحٌ مع نقصِه إلى درجةٍ أنَّه حوَّلَه إلى معيارٍ مطلقٍ للحقيقةِ. وهنا نقتربُ كثيرًا من فكرةِ أدورنو عن «الحياةِ الزائفةِ» حين قالَ: «لا توجدُ حياةٌ صحيحةٌ داخلَ حياةٍ زائفةٍ». أي إنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يُحقِّقَ إنسانيَّتَه كاملةً داخلَ بنيةٍ اجتماعيَّةٍ مشوَّهةٍ؛ لأنَّ المجتمعَ نفسَه يُعيدُ إنتاجَ التشوُّهِ بوصفِه نظامًا طبيعيًّا. وفي هذا السياقِ، يُصبحُ نونيزُ شخصيَّةً تراجيديَّةً؛ لأنَّه يرى ما لا يراهُ الآخرونَ، لكنَّه عاجزٌ عن تحويلِ رؤيتِه إلى حقيقةٍ اجتماعيَّةٍ معترفٍ بها. إنَّه يملكُ البصيرةَ، لكنَّه يعيشُ داخلَ عالمٍ يعتبرُ البصيرةَ مرضًا. وهذه هي المأساةُ الأدورنيَّةُ بامتيازٍ: كلَّما ازدادَ الإنسانُ وعيًا بحقيقةِ المجتمعِ، ازدادَ شعورُه بالغربةِ داخلَه.

4- أدورنو والعمى الاجتماعيُّ:

يُعبِّرُ أدورنو بطريقةٍ نقديَّةٍ حضاريَّةٍ معقَّدةٍ حول طبيعةِ الامتثالِ الأعمى في المجتمعاتِ الرأسماليَّةِ المعاصرةِ، ويُحدِّدُ آليَّاتِ هذا الامتثالِ ووضعيَّاتِه الاغترابيَّةِ في المجتمعاتِ الإنسانيَّةِ الحديثةِ، وهو يبحثُ، في هذا المستوى، قضيَّةَ العلاقةِ بين الفردِ والمجتمعِ، بين السويِّ والمرضيِّ في المجتمعِ، ويرسمُ لنا الصورةَ التي يترتَّبُ فيها على الفردِ أن يخضعَ لأعرافِ المجتمعِ المرضيِّ الذي يعيشُ فيه. يقولُ أدورنو، مُشخِّصًا أوضاعَ زمنِه في منتصفِ القرنِ الماضي: لكي تكونَ سويًّا في المجتمعِ - أي «أن تتصرَّفَ بوصفِكَ سليمًا في الجسدِ والعقلِ» - عليكَ أن تكونَ مشوَّهًا مريضًا وشاذًّا. إذ لا يمكنكَ أن تتكيَّفَ في مجتمعٍ مريضٍ وأنتَ سليمٌ نفسيًّا. ويُفسِّرُ أدورنو السويَّةَ المريضةَ عبرَ كشفِ الصفاتِ الإيجابيَّةِ المفترضةِ بوصفِها تشوُّهاتٍ، مقترحًا أنَّها، بدلًا من أن تكونَ علاماتٍ على الحيويَّةِ، فإنَّها تُخفي أشخاصًا ميِّتينَ داخليًّا لا يزدهرونَ فعليًّا. فالسويُّ مريضٌ؛ وبالمنحى التحليليِّ النفسيِّ، لا يتمُّ فقط إخفاءُ هذه الحقيقةِ المرضيَّةِ، بل يتمُّ إخفاؤُها من خلالِ عكسِها: إذ يتمُّ سترُ الموتِ والجثثِ بالحيويَّةِ والنشاطِ الظاهريَّيْنِ.

والأفرادُ بالكادِ يستطيعونَ الحفاظَ على مظهرِ «السويَّةِ»، وهم يندفعونَ عبرَ ظروفِهم النيوليبراليَّةِ المختلفةِ، وهم يشعرونَ باستمرارٍ بالاحتراقِ النفسيِّ (burnout)، والإنهاكِ، والتشظِّي، وغالبًا ما يستخدمونَ نوعًا واحدًا على الأقلِّ -إنْ لم يكنْ عدَّةَ أنواعٍ- من الإدماناتِ (المخدِّراتِ، الكحولِ، الجنسِ، الموادِّ الإباحيَّةِ، الإنترنتِ... إلخ) للتخفيفِ من معاناتِهم، وفي الوقتِ نفسِه لتدميرِ أنفسِهم. لقد أصبحَ من الطبيعيِّ أن تكونَ مريضًا - أن تُدمِّرَ نفسَكَ، وأن تتناولَ الأدويةَ، وأن تحصلَ على تشخيصٍ، وأن تكونَ في علاجٍ نفسيٍّ. وإذا كنتَ لا تزالُ تهتمُّ في ظلِّ هذه الظروفِ، فإنَّكَ تحترقُ نفسيًّا - وهذا ينطبقُ على المرضى كما على المعالجينَ. وللبقاءِ، يجبُ أن تلعبَ اللعبةَ؛ إذ لا يمكنكَ الحفاظُ على أيِّ مظهرٍ من مظاهرِ «السويَّةِ» إلَّا باستخدامِ الوسائلِ التي يُقرُّها هذا النظامُ.

5- نهايةُ الفردِ والفردانيَّةِ:

إنَّ أطروحةَ أدورنو حولَ «نهايةِ الفردِ» قد تكونُ أكثرَ صدقًا اليومَ ممَّا كانتْ عليه عندما كتبَ عنها في منتصفِ القرنِ العشرينِ. وقد يكونُ محقًّا أيضًا في أنَّ التحليلَ النفسيَّ يمكنُه، على الأقلِّ، أن يساعدَنا في التعرُّفِ على سماتِ «المرضِ الطبيعيِّ» الكامنِ في علاقةِ المجتمعِ بالفردِ - بما في ذلك سماتُ النيوليبراليَّةِ التي تُدمِّرُ الفردَ بوصفِه الموضوعَ المناسبَ للتحليلِ النفسيِّ. وهذا يعني، عندَ أدورنو، أنَّ ما نعتبرُه «طبيعيًّا» أو «سويًّا» في المجتمعِ قد يكونُ، في الحقيقةِ، مرضًا. بمعنى آخرَ: المجتمعُ نفسُه مريضٌ، لكنَّه يجعلُ المرضَ يبدو طبيعيًّا. وعليهِ يرى أدورنو أنَّه لكي تكونَ «إنسانًا طبيعيًّا»، عليكَ أن: تكبتَ رغباتِكَ، وأن تتكيَّفَ مع النظامِ، وأن تتصرَّفَ كما يتوقَّعُ المجتمعُ. وتكمنُ المشكلةُ في أنَّ هذا «التكيُّفَ» لا يعني الصحَّةَ، بل يعني أنَّكَ تُشوِّهُ نفسَكَ من الداخلِ كي تُصبحَ قادرًا على التكيُّفِ في المجتمعِ. وهذا يعني أنَّ الطبيعيَّ يُنتَجُ تحتَ تأثيرِ ضغطٍ اجتماعيٍّ، وليس دليلًا على الصحَّةِ النفسيَّةِ. والتحليلُ النفسيُّ لا يُفسِّرُ الفردَ فقط، بل يمكنُه كشفُ أمراضِ المجتمعِ نفسِه، والفكرةُ المهمَّةُ: أنَّ ما يحدثُ داخلَ نفسِ الفردِ هو انعكاسٌ لما يحدثُ في المجتمعِ. مثالٌ: القلقُ، والكبتُ، والاكتئابُ ليستْ فقط مشكلاتٍ فرديَّةً، بل أعراضٌ لخللٍ اجتماعيٍّ.

6- الإعلامُ وتذويبُ الفردِ:

في زمنِ فرويدَ كانَ المجتمعُ يقمعُ الرغباتِ بشدَّةٍ، وكانَ ينجمُ عن ذلك أمراضٌ نفسيَّةٌ، وعُصاباتٌ قهريَّةٌ، ورُهاباتٌ، وشيزوفرينيا، وعُقَدٌ نفسيَّةٌ مختلفةٌ. وعلى خلافِ ذلك، في زمنِ أدورنو، لم يعدِ القمعُ مباشرًا، بل تمَّ استبدالُه بما يُسمَّى: «إشباعاتٍ جاهزةً» (متعةٍ استهلاكيَّةٍ)، مثلَ: الإعلامِ، والترفيهِ، والاستهلاكِ. النتيجةُ: الناسُ يظنُّونَ أنَّهم سعداءُ، لكنَّهم، في الحقيقةِ، فاقدونَ للذاتِ. فالإنسانُ في العصرِ النيوليبراليِّ أصبحَ أسوأَ الآنَ. ما الذي يحدثُ؟ شعورٌ دائمٌ بـ: الإرهاقِ (Burnout)، والقلقِ، والتفكُّكِ الداخليِّ، وانتشارِ: الإدمانِ (إنترنتٍ، مخدِّراتٍ، جنسٍ...)، والاعتمادِ على الأدويةِ النفسيَّةِ. وهنا لم يحدثْ ما يمكنُ أن نُسمِّيه فقدانَ الذاتِ (Loss of Self)، فالفردُ لم يعدْ يشعرُ بأنَّه مهمٌّ، وله قيمةٌ، بل أصبحَ قابلًا للاستبدالِ، مجرَّدَ «رقمٍ» في النظامِ، وهو، على هذه الصورةِ، يشعرُ بفقدانِ هويَّتِه، أو بالأحرى يشعرُ كأنَّه «شبحٌ» أو «زومبي». وهذه الوضعيَّةُ تُمثِّلُ التناقضَ الكبيرَ في المجتمعِ الذي يقولُ لكَ: «كلُّ شيءٍ ممكنٌ»، و«يمكنُكَ تحقيقُ نفسِكَ»، لكنَّ الواقعَ يُخالفُ هذه الرؤيةَ؛ إذ يمتثلُ لضغطٍ شديدٍ، ومنافسةٍ عنيفةٍ صمَّاءَ، وتدميرٍ ذاتيٍّ ممنهجٍ للبقاءِ، وهي التناقضاتُ التي تُولِّدُ الإحباطَ والانهيارَ النفسيَّ. وباختصارٍ، كما يرى أدورنو، نحنُ نعيشُ في زمنٍ أصبحَ فيه المرضُ النفسيُّ طبيعيًّا، والتدميرُ الذاتيُّ عاديًّا، بطريقةٍ تؤدِّي إلى فقدانِ الفردِ لنفسِه بوصفِه كيانًا مستقلًّا، أي بمعنى نهايةِ الفردِ. وباختصارٍ، المجتمعُ يفرضُ علينا طريقةَ حياةٍ «تبدو طبيعيَّةً»، لكنَّ هذه الطريقةَ تُدمِّرُنا نفسيًّا وتُفقدُنا ذواتِنا، ولذا فإنَّ ما نعتقدُه «حياةً طبيعيَّةً» قد يكونُ، في الحقيقةِ، شكلًا من المرضِ الجماعيِّ. فالمجتمعُ الرأسماليُّ، كما يرى أدورنو، لا يقمعُ الأفرادَ فقط، بل يُعيدُ تشكيلَهم وتذويبَهم ويلتهمُهم في دورتِه الكلِّيَّةِ الساحقةِ من أجلِ تحقيقِ توافقِهم واندماجِهم في النسيجِ الاجتماعيِّ - حتَّى لو كانَ ذلكَ على حسابِ قيمِهم وإنسانيَّتِهم.

7- الشخصُ السويُّ عنوانٌ للمرضِ الاجتماعيِّ:

وباختصارٍ شديدٍ، الفردُ «السويُّ» هو شخصٌ متكيِّفٌ مندمجٌ ناجحٌ اجتماعيًّا، لكنَّ هذا التكيُّفَ يتمُّ عبرَ: كبتِ رغباتِ الفردِ، والسيطرةِ عليه، وتذويبِ شخصيَّتِه، ومحاصرةِ تفكيرِه، ومنعِه من تحقيقِ استقلالِه، وتشويهِ ذاتيَّتِه، وتدميرِ هويَّتِه. وفي هذه الوضعيَّةِ يقولُ أدورنو: السويَّةُ نفسُها هي شكلٌ من أشكالِ المرضِ. والمجتمعُ الرأسماليُّ لم يعدْ يقمعُ رغباتِ الفردِ، بل يسمحُ له بإشباعِها... ولكنْ بطريقةٍ سطحيَّةٍ ومُسيطرٍ عليها. فعلى سبيلِ المثالِ، يمكنُ للفردِ أن ينفتحَ على الاستهلاكِ الجنسيِّ في الإعلامِ والترفيهِ الجماهيريِّ، وهو يشعرُ بالحرِّيَّةِ في عمليَّةِ التشبُّعِ، لكنَّه، في الحقيقةِ، يُقادُ عبرَ هذا التشبُّعِ إلى خضوعٍ أكبرَ للنظامِ القائمِ. 

فالإنسانُ لم يعدْ مكبوتًا فقط، بل أصبحَ مستهلِكًا للمتعةِ الجاهزةِ، وهذا يؤدِّي إلى فقدانِ العمقِ النفسيِّ والقدرةِ على المقاومةِ، وهو الأمرُ الذي دعا ماركوزه إلى أن يُطلقَ عليه «القمعُ عبرَ المتعةِ»، الذي يؤدِّي إلى وعيٍ نازفٍ مشوَّهٍ زائفٍ. فالسويَّةُ، كما يراها أدورنو، مرضٌ يؤدِّي إلى التشوُّهِ الذاتيِّ والأخلاقيِّ عندَ الإنسانِ. وهذا يعني أنَّ التحوُّلَ من القمعِ الخارجيِّ إلى الاستبطانِ الذاتيِّ للهيمنةِ في الرأسماليَّةِ المتأخِّرةِ أدَّى إلى إنتاجِ ذاتٍ مُنهكةٍ، مفكَّكةٍ، وقابلةٍ للاستبدالِ، ممَّا يجعلُ «السويَّةَ» نفسَها تعبيرًا عن مرضٍ اجتماعيٍّ بنيويٍّ. وباختصارٍ، فإنَّ المجتمعَ الرأسماليَّ لم يعدْ يُمارسُ القمعَ المباشرَ، بل يُعيدُ إنتاجَه من خلالِ إعادةِ تشكيلِ الرغباتِ ذاتِها، وفي هذا السياقِ يغدو ما يُسمِّيه أدورنو «السويَّةَ المريضةَ» تعبيرًا عن تكيُّفِ الفردِ مع شروطٍ مرضيَّةٍ بنيويًّا.

خاتمةٌ:

نريدُ في هذه المقالةِ أن نستكشفَ المفارقةَ العميقةَ التي تحكمُ المجتمعاتِ الرأسماليَّةَ الحديثةَ: فالمجتمعُ نفسُه أصبحَ مريضًا ومشوَّهًا إلى درجةٍ أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يُعَدَّ «سويًّا» أو «متكيِّفًا» إلَّا إذا شاركَ في هذا التشوُّهِ. ولذلك فإنَّ السويَّةَ الاجتماعيَّةَ لم تعدْ تعني الصحَّةَ النفسيَّةَ الحقيقيَّةَ، بل تعني القدرةَ على الانخراطِ في عالمٍ مريضٍ دونَ اعتراضٍ أو مقاومةٍ.

وحينَ يقولُ أدورنو: «إنَّ الإنسانَ، لكي يبدوَ سليمًا في الجسدِ والعقلِ، يجبُ أن يكونَ مشوَّهًا ومريضًا وشاذًّا»، فهو لا يقصدُ المرضَ الفرديَّ المباشرَ، بل يقصدُ أنَّ النظامَ الاجتماعيَّ الرأسماليَّ الحديثَ يفرضُ على الأفرادِ أن يقمعوا إنسانيَّتَهم الحقيقيَّةَ كي ينجحوا ويتكيَّفوا. فالشخصُ الذي يبدو عمليًّا منظَّمًا، منتجًا، متفائلًا، ومنسجمًا تمامًا مع إيقاعِ المجتمعِ، قد يكونُ، في الحقيقةِ، قد فقدَ حساسيَّتَه النقديَّةَ وعفويَّتَه وقدرتَه على الألمِ والرفضِ، أي فقدَ جوهرَ إنسانيَّتِه.

ومن هنا تأتي فكرةُ «السويَّةِ المريضةِ» (Pathological Normality)، أي إنَّ ما يُعتبرُ طبيعيًّا وعاديًّا في المجتمعِ قد يكونُ، في ذاتِه، مرضًا جماعيًّا. فالإنسانُ الذي يتكيَّفُ بسهولةٍ مع الظلمِ، والاستلابِ، والتشيُّؤِ، والاغترابِ، ليس بالضرورةِ إنسانًا صحيحًا نفسيًّا، بل ربَّما يكونُ قد تأقلمَ مع القبحِ إلى حدٍّ لم يعدْ يشعرُ معه بالاختناقِ. ويكشفُ أدورنو، في هذا السياقِ، عن آليَّةٍ أيديولوجيَّةٍ خطيرةٍ: فالمجتمعُ لا يكتفي بإخفاءِ مرضِه، بل يقلبُ الحقيقةَ رأسًا على عقبٍ. لذلك تُقدَّمُ الصفاتُ المرضيَّةُ بوصفِها فضائلَ: فالطاعةُ تُصبحُ واقعيَّةً، والانصياعُ يُصبحُ «نضجًا»، والبرودُ العاطفيُّ يُصبحُ قوَّةً، والانغماسُ الكاملُ في العملِ والاستهلاكِ يُصبحُ حيويَّةً.

لكنَّ أدورنو يرى أنَّ هذه الحيويَّةَ الظاهرةَ تُخفي موتًا داخليًّا. فالإنسانُ المعاصرُ يبدو نشيطًا ومندمجًا، لكنَّه، في العمقِ، فارغٌ، منهكٌ روحيًّا، ومقطوعٌ عن ذاتِه الحقيقيَّةِ. ولهذا يقولُ النصُّ إنَّ «الموتَ والجثثَ تُسترُ بالحيويَّةِ والنشاطِ الظاهريَّيْنِ»؛ أي إنَّ المجتمعَ يضعُ قناعَ الحركةِ والإنتاجِ والتفاؤلِ فوقَ خرابٍ نفسيٍّ وروحيٍّ عميقٍ. وفي الخلفيَّةِ الفكريَّةِ لهذا التحليلِ يظهرُ تأثُّرُ أدورنو بالتحليلِ النفسيِّ الفرويديِّ وبالنظريَّةِ النقديَّةِ؛ إذ يرى أنَّ القمعَ الاجتماعيَّ لا يعملُ فقط بالقوَّةِ المباشرةِ، بل أيضًا عبرَ تشكيلِ الوعيِ نفسِه، بحيثُ يُحبُّ الناسُ ما يقمعُهم، ويعتبرونَ تكيُّفَهم مع المرضِ دليلًا على الصحَّةِ. 

ولهذا يمكنُ فهمُ العبارةِ الشهيرةِ المنسوبةِ إلى أدورنو: «لا يمكنُ للحياةِ أن تكونَ صحيحةً في عالمٍ زائفٍ»، أو بصيغةٍ قريبةٍ من المعنى: «لا يمكنُ للإنسانِ أن يكونَ سويًّا في مجتمعٍ مريضٍ». فالصحةُ الحقيقيَّةُ، عندَ أدورنو، قد تظهرُ أحيانًا في عدمِ التكيُّفِ، وفي القلقِ، والرفضِ، والشعورِ بالغربةِ تجاهَ الواقعِ؛ لأنَّ الحساسيَّةَ تجاهَ المرضِ الاجتماعيِّ قد تكونُ علامةَ وعيٍ لا علامةَ خللٍ. وباختصار فإن البصيرُ في مجتمعٍ أعمى؟ عنوان يُجسِّدُ المفارقةَ التي تناولتْها قصَّةُ «بلد العميان»، كما تُلخِّصُ بصورةٍ رمزيَّةٍ رؤيةَ أدورنو للمجتمعِ المريضِ؛ إذ يتحوَّلُ الإنسانُ القادرُ على الرؤيةِ والنقدِ والوعيِ إلى شخصٍ غريبٍ ومرفوضٍ داخلَ مجتمعٍ فقدَ القدرةَ على الإبصارِ الفكريِّ والنقديِّ. البصيرُ في مجتمعٍ أعمى يُتَّهَمُ بالجنونِ، والبصيرُ في مجتمعٍ أعمى لا يُصبحُ ملكًا، بل منفيًّا، والبصيرُ في مجتمعٍ أعمى يبدو شاذًّا؛ لأنَّه يرى ما لا يراهُ الآخرونَ، حينَ يُصابُ المجتمعُ بالعمى، يُصبحُ البصرُ تهمةً.

.....................................

[1] عبد الهادي عباس، حقوق الإنسان، الجزء الأول، دار الفاضل، دمشق 1995، ص 60.

[2]- علي أسعد وطفة و سعد رغيان الشريع، التربية تاريخًا والفكر التربوي تطورًا: معاينات في جدل الواقع والنظرية، (الكويت: مطبعة الوحدة، 2015)، صص – 142-166.

[3]- هربرت جورج ويلز. بلد العميان. ترجمة: محمد عصفور. (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012).

[4]- هربرت جورج ويلز. بلد العميان. ترجمة: محمد عصفور. (القاهرة: مؤسسة هنداوي، 2012). شوهد في 25 مايو 2026. https://chatgpt.com/c/6a13dbb4-05b4-83eb-bdb7-e0972a4660f1

[5]- Aamina Akhtar. “The Dark Side of Illness: Jose Saramago’s Critique of Human Nature in Blindness.” Journal for Research Scholars and Professionals of English Language Teaching (JRSP-ELT), Vol. 7, Issue 36, March 2023. DOI: 10.54850/jrspelt.7.36.005.

ذات صلة

عيد الأضحى المبارك: عيد المعرفة والإيمانتحديات الحكومة العراقية الجديدة بين الضغوط الداخلية والتعقيدات الإقليميةوضع الشيعة في الإمارات والخليج في ظل حرب إيران وصراع التحالفات الإقليميةالإسلام وعلم الاجتماع الدينيالانضباط اليومي: مفتاح النجاح الفردي وركيزة ازدهار المؤسسات