البقاء الطويل في الحكم وحدود التداول

محمد عبد الجبار الشبوط

2026-03-04 04:21

شهدت دول عديدة في القرن العشرين وما بعده نماذج لزعماء بقوا في السلطة عقوداً طويلة، مثل فيدل كاسترو في كوبا، وصدام حسين في العراق، ومعمر القذافي في ليبيا، وحافظ الأسد ثم ابنه بشار الأسد في سوريا، وهي نماذج تفتح سؤالاً بنيوياً عميقاً يتعلق بطبيعة السلطة السياسية وآثار امتدادها الزمني على بنية الدولة والمجتمع. إن المشكلة لا تكمن في الأشخاص بقدر ما تكمن في منطق الحكم ذاته، إذ أن الزمن حين يتحول من إطار إداري إلى مورد شخصي، يصبح طول البقاء في السلطة عاملاً يعيد تشكيل الدولة على صورة الحاكم لا على صورة القانون.

أولاً: سلبيات البقاء الطويل في الحكم

البقاء الطويل في السلطة يفضي غالباً إلى اندماج الشخص بالمؤسسة، بحيث تتآكل الحدود بين الدولة والحاكم، وتصبح شرعية النظام مستمدة من استمرار الفرد لا من تداول القواعد. ومع مرور الزمن تتشكل حول الحاكم شبكات ولاء مغلقة، قائمة على القرابة أو المصالح أو الخوف، مما يضعف الكفاءة ويعزز الزبائنية، وتتحول الدولة من جهاز خدمة عامة إلى جهاز حماية للنظام.

ومن أخطر نتائج الامتداد الزمني للسلطة تعطّل آلية التصحيح الذاتي، لأن غياب المنافسة السياسية يقتل الحافز على المراجعة، ويجعل الخطأ يتراكم دون مساءلة حقيقية، فتتشكل فجوة متزايدة بين الخطاب الرسمي والواقع الاجتماعي. كما أن طول الحكم يخلق ما يمكن تسميته “الركود المؤسسي”، حيث تتجمد النخب، وتُغلق قنوات الصعود أمام الأجيال الجديدة، فينمو الإحباط وتضعف الثقة العامة.

كذلك يؤدي التمديد المستمر للسلطة إلى تضخيم الأجهزة الأمنية بوصفها الضامن الأساسي للاستقرار، فيتحول الاستقرار من عقد اجتماعي طوعي إلى توازن خوف، وهو توازن هش ينفجر عند أول أزمة كبرى، كما شهدت تجارب عدة في العالم الثالث. إن النظام الذي لا يعرف التداول السلمي للسلطة غالباً ما ينتهي إلى انتقال عنيف لها، لأن الزمن المؤجل لا يُلغى بل يتراكم.

ثانياً: وهم الاستقرار في الأنظمة الممتدة

قد يُقال إن البقاء الطويل يمنح الاستقرار ويتيح تنفيذ مشاريع استراتيجية بعيدة المدى، غير أن هذا الاستقرار يكون في كثير من الأحيان استقراراً ساكناً لا ديناميكياً، أي استقراراً يقوم على كبت التغيير لا على تنظيمه. فالدول الحديثة تحتاج إلى مؤسسات أقوى من الأفراد، وإلى قواعد تسمح بتجديد القيادة دون هدم الدولة، وإلا أصبح كل انتقال للسلطة مخاطرة وجودية.

إن التجارب التي ربطت الاستقرار ببقاء الفرد أثبتت أن الدولة تصبح أضعف كلما طال أمد الحكم، لأن المجتمع يفقد تدريجياً مهارات التداول والتفاوض والمساءلة، وهي مهارات لا تُكتسب فجأة عند غياب الحاكم، بل تُبنى بالتراكم عبر الممارسة المنتظمة.

ثالثاً: إيجابيات البقاء المحدود لأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة

في المقابل، فإن تحديد مدة الرئاسة بأربع سنوات قابلة للتجديد مرة واحدة يحقق جملة من المنافع المؤسسية. أولها كسر احتكار الزمن السياسي، بحيث يدرك الحاكم منذ البداية أن وجوده مؤقت، وأن الإنجاز هو معيار بقائه لا مجرد السيطرة على أدوات السلطة. هذا الإدراك يخلق حافزاً عملياً للأداء، لأن التقييم سيكون دورياً لا مؤجلاً.

ثانيها تعزيز مبدأ المساءلة، إذ إن اقتراب نهاية الولاية يفتح المجال لتقييم موضوعي للسياسات، ويمنح الناخبين فرصة للتجديد أو التغيير دون صدمات. التداول المنتظم يحول السياسة من معركة وجودية إلى عملية تنافسية، ويُخفّض منسوب التوتر المجتمعي لأن الجميع يعلم أن السلطة ليست أبدية.

ثالثها تجديد النخب وضخ دماء جديدة في مؤسسات الدولة، وهو عنصر حيوي لتطوير السياسات ومواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية. فالتجديد الدوري يمنع تكلّس الإدارة ويتيح صعود كفاءات مختلفة، ويخلق ثقافة سياسية قائمة على البرنامج لا على الشخص.

رابعها حماية الدولة من شخصنة القرار، لأن تداول الرئاسة يعزز استقلال المؤسسات ويجعلها أكثر رسوخاً من الأفراد، فتصبح القواعد هي الحَكَم لا الأهواء. إن الدولة التي تتغير قيادتها بانتظام دون اضطراب تثبت أن الشرعية فيها مؤسسية لا كاريزمية.

رابعاً: البعد الحضاري للمسألة

من منظور فكري أوسع، يمكن القول إن طول البقاء في الحكم يعكس تصوراً تقليدياً للسلطة بوصفها ملكاً شخصياً، بينما يعكس تحديد المدة تصوراً حديثاً للسلطة بوصفها وظيفة عامة مؤقتة. الفرق بين التصورين هو الفرق بين الدولة القائمة على الولاء والدولة القائمة على القانون، وبين الاستقرار القائم على الخوف والاستقرار القائم على الثقة.

إن تداول السلطة ليس إجراءً شكلياً بل هو شرط لتراكم الرشد السياسي، لأن المجتمعات التي تمارس التداول تتعلم إدارة الاختلاف سلمياً، وتبني ثقة تدريجية بين الدولة والمجتمع، وهو ما يشكل أساس أي مشروع نهضوي حقيقي.

خاتمة

ليست المشكلة في بقاء شخص بعينه مدة طويلة بقدر ما هي في غياب القاعدة التي تضمن أن السلطة وظيفة مؤقتة خاضعة للتقييم. التجربة التاريخية تشير إلى أن البقاء المفتوح في الحكم يحمل في داخله بذور التآكل البنيوي، بينما يفتح التحديد الزمني المنضبط باب الاستقرار المؤسسي والتجديد السلمي. إن الدولة القوية ليست تلك التي يبقى فيها الحاكم طويلاً، بل تلك التي تستطيع تغيير حكامها بانتظام دون أن تهتز، لأن قوتها كامنة في مؤسساتها لا في أعمار قادتها.

ذات صلة

مركز آدم ناقش.. الأمن الإنساني في العراق، الواقع والطموحفلسفة السلام ومنطق الصلح في سيرة الإمام الحسن(ع)الإمام الحسن في ذكرى مولده: البطولة في الحرب وفي السلمتوازنات القوة في الشرق الأوسط.. لعبة شد الحبال المستمرةالنصيحة بالصبر وضبط حدود الخلاف