حين يسقط رجال الأمن في كمائن المداهمة: تسريب معلومات أم خلل في الجاهزية؟
مصطفى ملا هذال
2026-02-11 03:42
في كل مرة يُعلن فيها عن استشهاد أحد أفراد القوات الأمنية خلال تنفيذ واجب إلقاء القبض على عناصر مطلوبة للقانون، يتكرر السؤال ذاته: كيف تحوّلت عملية يفترض أن تكون خاطفة ومحسوبة إلى مواجهة دامية؟ هل هناك تسريب مسبق لمواعيد المداهمات يمنح المطلوبين فرصة الاستعداد والكمين؟ أم أن الخلل أعمق، ويتصل بجاهزية القوة المنفذة وتخطيطها وإمكاناتها؟
هذا السؤال لا يمس الجانب الأمني فحسب، بل يطال ثقة الشارع بالمؤسسة الأمنية، ويضع القيادة أمام مسؤولية مراجعة دقيقة لكل تفصيل يبدأ من لحظة جمع المعلومة وينتهي بتأمين مسرح العملية.
فرضية التسريب
شبهة تتكرر في عدد من العمليات التي انتهت بخسائر بشرية في صفوف القوات الأمنية، برزت مؤشرات توحي بأن المطلوبين كانوا على علم مسبق بموعد المداهمة؛ تحصينات مفاجئة داخل المنازل، وجود أسلحة جاهزة للاستخدام، انتشار عناصر مسلحة في مواقع استراتيجية قبل وصول القوة، بل وأحياناً هروب المطلوب قبل دقائق من التنفيذ.
هذه الوقائع تفتح الباب أمام احتمال وجود اختراق أمني أو تسريب داخلي. التسريب قد لا يكون بالضرورة من داخل القوة المنفذة نفسها؛ فقد يحدث في مراحل سابقة، أثناء تداول أوامر القبض، أو عبر دوائر إدارية متعددة تتداول المعلومات بحسن نية ولكن بآليات غير محكمة؛ فكلما اتسعت دائرة الاطلاع على موعد العملية، كلما زادت احتمالية تسربها، سواء بدافع الفساد أو القرابة أو الضغط العشائري أو حتى الإهمال.
إلا أن الاكتفاء بتحميل "التسريب" المسؤولية الكاملة قد يكون تبسيطاً مريحاً؛ ففي البيئات التي ينتشر فيها السلاح غير المرخص، ويمتلك فيها بعض المطلوبين شبكات مراقبة اجتماعية داخل أحيائهم، قد لا يحتاج الأمر إلى اختراق رسمي؛ يكفي تحرك غير اعتيادي لرتل أمني في حي صغير كي تنتشر المعلومة خلال دقائق عبر الهواتف.
الجاهزية والتخطيط
الحلقة الأهم الشق الآخر من السؤال يتعلق بمدى جاهزية القوات المداهمة؛ فعمليات القبض خصوصاً في المناطق السكنية الضيقة، تحتاج إلى تخطيط دقيق يتجاوز مجرد تنفيذ مذكرة قضائية. إذ يجب أن يكون هناك عناصر أساسية يفترض أن تُراجع قبل أي تحرك، جملة من القضايا من بينها طبيعة الهدف، وعدد الأفراد المحتمل وجودهم، نوع السلاح المتوفر لديهم، البيئة الجغرافية وإمكانية وجود مدنيين.
لكن في بعض الحالات، تتجه قوة محدودة العدد إلى منزل شخص معروف بخطورته وتسليحه، دون غطاء استخباري كافٍ أو إسناد سريع قريب، وحين تتحول اللحظة الأولى من المفاجأة إلى اشتباك، يصبح عنصر المبادرة بيد الطرف الأكثر استعداداً داخل المكان.
ضغط الواجب وسرعة التنفيذ
لا يمكن إغفال عامل الضغط الزمني؛ أحياناً تُنفذ المداهمات بصورة سريعة استجابة لمعلومة آنية، أو خوفاً من هروب المطلوب. في مثل هذه الظروف، قد يُختصر جانب من إجراءات التحري والتنسيق، ما يضع القوة في مواجهة خصم مستعد نفسياً وعملياً. إضافة إلى ذلك، قد تؤدي الرغبة في تحقيق "إنجاز سريع" أو إثبات الحضور الأمني إلى التعجيل بتنفيذ أوامر قبض دون استكمال عناصر الإسناد الكافي، وهذه المقاربة وإن بدت مبررة ميدانياً، تحمل مخاطر عالية إذا لم تُحاط بضمانات دقيقة.
المساءلة والتقييم بعد كل عملية
أحد المؤشرات الصحية لأي مؤسسة أمنية هو قدرتها على إجراء تقييم مهني بعد كل حادثة، وتطرح العديد من الأسئلة: هل تم فتح تحقيق إداري وفني؟ هل جرى تحليل مجريات الاشتباك خطوة بخطوة؟ هل عُدلت التعليمات بناءً على الدروس المستفادة؟
استشهاد أفراد القوات الأمنية ليس مجرد خسارة بشرية؛ بل هو اختبار حقيقي لكفاءة المنظومة بأكملها. التسريب احتمال قائم، لكنه ليس التفسير الوحيد؛ الجاهزية، التخطيط، البيئة الاجتماعية، وانتشار السلاح، جميعها عناصر تتداخل لتصنع المشهد النهائي.